الثورة السورية أفرزت العديد من الجماعات المقاتلة على الساحة الشامية، فبعض هذه الجماعات إسلامية مؤدلجة وبعضها وطنية نشأت نتيجة الاعتداء والإجرام من قبل نظام الظلم والطغيان الذي حاول إخماد ثورة الشعب السوري.
وشيئًا فشيئًا تمايزت هذه الجماعات وتأدلج بعضها الذي لم يكن مؤدلجًا، وظهر للمراقبين أجندة كل فصيل وجماعة تقاتل على الساحة، ولستُ في مقالي هذا في معرض تبين كل فصيل وأجندته، بل إنني أحترم وأقدِّر كل فصيل قام صادقًا بالدفاع عن الشعب المظلوم ولم يستغل جراح أهل الشام لتنفيذ مخططات خاصة به، أو تحقيق مآرب كان يرنو إليها، وما أريد أن أناقشه في هذه المقالة هو فيروس الفشل كما سميته، وهو التعصب للجماعة والحزب والفصيل ومخاطره وأسبابه وآثره على الثورة السورية.
التعصب في اللغة : من العصبية وهو أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين.
وأما التعصب في الاصطلاح فهو المغالاة في الانتصار للرأي أو المذهب أو الجماعة دون مسوِّغ شرعي أو دليل.
وقد بيّن الله لنا قاعدة عظيمة في نبذ التعصب والتحزب المذموم؛ فقال تعالى: {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون}.
والمتأمل في حال الفصائل بالساحة الشامية يجد أن فيروس الفشل قد فعل فعله بين الفصائل؛ فقد أصبح الحب والبغض على الفصائلية وليس على الإسلام؛ مما جعل العدو يتقدم ويؤثر على مسيرة الثورة والجهاد ويؤخر تقدمها، مع أننا رأينا كثيرًا الآية الكريمة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} رأيناها وسمعناها في بداية بيانات تشكيل الفصائل على مدى أربع سنوات من الثورة، فكلما قامت جبهة أو توحد لواءان أو اجتمعت كتيبتان كانوا يقرؤون هذه الآية، وأنهم ما قاموا بوحدتهم إلا عملًا بهذه الآية، وما أن ينتهي البيان إلا ونرى أن كل فصيل على الأرض منمكش على مبادئه ومتحفظ على مسماه وشعاره وماضٍ بمعاركه وخططه على انفراد كما كان، فمن جبهة تحرير سورية إلى الجبهة الإسلامية مرورًا بالجبهة الإسلامية السورية وجبهة ثوار سورية وانتهاء بالجبهة الشامية، للأسف الشديد نقولها والحزن يعصر قلوبنا أن التعصب الفصائلي حال دون تفعيل هذه الجبهات التي عقد الشعب السوري عليها آمالًا عظيمة!!
وهذا الفشل أدى إلى قوة الغلاة في دولتهم المزعومة وخلافتهم المشؤومة فهم على قلب واحد وبقيادة واحدة، وكذلك أدى إلى تقدم النظام وتأخر جبهات القتال معه، وكل هذا بسبب فيروس الفشل الذي لم يسمح للقادة أن يتخلوا عن مسماهم الفصائلي، مع أن هناك العديد من الفصائل هي ذات منهج واحد ومرجعية واحدة.
لقد صارت الفصائلية عند البعض وثنًا يُعْبَد؛ حيث تشربتها قلوبهم وعقولهم، وصاروا يرفعون الولاء لها فوق كل ولاء، بما في ذلك الولاء لله عز وجل الذي لا يصح إيمان به إلا إذا كان هو ورسوله أحب إلى المرء مما سواهما بما في ذلك الحزبية المنتنة.
وأصبح كل فصيل يزرع في عقول أفراده العداء لبقية الفصائل متذرعًا ببعض الخلافات في الرؤية والأدوات، مع أن الهدف واحد والسبيل واحد والمرجعية واحدة، فقامت بين بعض الفصائل المداهمات والتصفيات، بل وصل بين بعض الأطراف للحشد والمعارك والتهديد بالاستئصال وتبادل الاعتقالات، متناسين عدوًا متربصًا على الجبهات، وغير مبالين بالتحالفات الدولية والإقليمية التي تُنَظَّم حولهم، ولا منتبهين للخطط التي تستهدفهم وتستهدف جهادهم من قِبَل أطراف إقليمية ودولية، وكل ذلك مرجعه العصابة التي وضعوها على أعينهم ولم يروا إلا فصيلهم وجماعتهم؛ إنه الفشل وذهاب الريح قال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}.
لقد وصل الحال في الساحة الشامية أن كل فصيل يريد إقامة دولة بمفرده أو إعلان إمارة على منطقة جغرافية غير آمنة لا من الجو ولا من البر ظنًّا منه أنه قد ملك الأرض ومن عليها؛ وذلك لضيق الأفق عنده وقِصَر النظر الذي يتملكه؛ فهو غير قادر على التوافق مع الفصيل الذي خاض معه المعارك وحرر المناطق، فكيف سيحكم هذا شعبًا ويقيم دولة؟!
والأنكى من ذلك وأشد مرارة أن بعض الفصائل أصبح يكفِّر الفصيل الفلاني ويعلِّم أفراده أن أفراد هذا الفصيل مرتدون كفار لمجرد أن الفصيل لم يوافقهم في بعض جزئيات منهجهم؛ حتى إنني أعلم عائلة فيها إخوة، كل أخ مع فصيل، فأحد الإخوة يكفِّر إخوانه؛ لأنهم ليسوا من فصيله.
والأكثر من ذلك أن التعصب أصبح يؤثر على المعارك فقامت بعض الفصائل بالتخطيط لبعض العمليات ورفضت مشاركة أي فصيل معها، معتمدة على قوتها الضعيفة وجاهزيتها الناقصة، وكانت النتيجة كارثية عشرات الشهداء وتمدد النظام والانسحاب التكتيكي بخسارة في الأرواح والعتاد؛ وذلك لأن هذا الفصيل لا يريد لأي فصيل آخر أن يشاركه في دفع العدو.
على قادة الفصائل أن يتقوا الله بأنفسهم أولًا، وأن يكون همهم تحرير الأراضي السورية من الاحتلال الإيراني والأسدي، والسير بالشعب السوري إلى بر الأمان وبناء دولتهم، وأن لا يكون همهم الفصيل والشعار والمسمى، وليعلموا أن أول المتضررين من التعصب الفصائلي المقيت هو الشعب السوري وثورته، وثاني المتضررين هو الفصيل الذي يتعصب إليه؛ لأن مصيره نبذ الشعب؛ وبالتالي نهايته.
كما أننا نطلب من القادة- حفظهم الله- أن يربّوا أفراد فصائلهم على نبذ الكراهية للفصائل الأخرى، وأن يربّوهم على أن الولاء والبراء هو على الإسلام وليس على الفصيل، وأن يعترفوا بإخوانهم في ساحات الجهاد، ويعرفوا لهم فضلهم وإن اختلفوا معهم في جزئيات لا تضر في دينهم ولا منهجهم ولا جهادهم، وأن ينظروا لبعضهم من زاوية المتفق عليه، ويغضوا الطرف عن المختلف فيه، ولابد من الارتقاء بفكر القادة والأفراد؛ حتى نتقبل النقد، ونكون قادرين على التواصل مع أفراد وقادة الفصيل الآخر؛ فالمؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، ولا تقطع إحداهما الأخرى، ولن نحقِّق نصرًا حتى نحقِّق روح الأخوة ونبذ الكراهية والتعصب.


Social Links: