الــقــضــيـــة الــكـــرديــــــة .. (1/2)

الــقــضــيـــة الــكـــرديــــــة .. (1/2)

 

مقدمة

يجهد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (pyd)، وهو الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني التركي (pkk)، إلى الفوز بكيان كردي في الشمال السوري، بصيغة لم تُحدّد بصورة نهائية بعد، على ظهر مأساة السوريين؛ تُشاركه هذا التوجه بعض القوى الكردية، وبعض العشائر العربية هناك، عبر فرض أمر واقع، مستفيدًا من كثرة اللاعبين على الأرض السورية، ومن خلال تنسيقه أو تحالفه مع أغلب اللاعبين من أميركيين وروس وإيرانيين، وفي مقدّمهم، بالطبع، النظام السوري. وهو إذ يُقدّم الخدمات الميدانية لجميع هذه الأطراف، من خلال سياسة براغماتية بلا ضوابط، يراهن على لعبة أمم معقدة تدور على الجغرافيا السورية، ويأمل في تحقيق أهدافه، ويجهل أو يتجاهل أنه في مقامرته باللعب مع أطراف كثيرة سيقع ضحيّتها مرّتين-بالضرورة- كونه الطرف الأضعف: مرة إذا توافقت هذه الأطراف، وأخرى إذا تصاعدت صراعاتها. فإلى أين يأخذ (الاتحاد الديمقراطي) أكراد سورية من خلال زجّه القسري لهم في مشروعه؟ وما الآفاق الواقعية لمثل هذا المشروع عند هذه المحطة الحرجة من الصراع في سورية وتشابكاته؟

 

أوّلًا: القضية الكردية– لمحة تاريخية

لم تكن القضية الكردية أسعد حظًا من القضية العربية عشية انهيار الإمبراطورية العثمانية نهاية الحرب العالمية الأولى، واقتسام الدول المنتصرة، فرنسا وبريطانيا، تركة الرجل المريض، حيث تقاسمتا المنطقة بعد أن قسّمتاها إلى دول، وفق ما عُرف باتفاق سايكس- بيكو، مع حرمان الأكراد من كيان خاص. لقد طوت معاهدة لوزان 1923، معاهدة سيفر 1920، التي سبقتها، وقالت بكيان كردي شرق الفرات وطوت معها المناقشة حول حق الشعب الكردي في كيان قومي أسوة بالشعوب العربية. فالمظلومية القومية الكردية، لم يكن العرب مسؤولًا عنها، فالعرب من هذه الزاوية ضحايا السياسات الاستعمارية مثل الأكراد، وغيرهم من المكونات القومية في الوطن العربي في جنوبي السودان أو الأمازيغ في المنطقة المغاربية.

ذات يوم، قال جلال الطالباني الذي يُلقّب- أحيانًا- بالثعلب الكردي “لقد منع النفط قيام الدولة الكردية قرنًا كاملًا، وستمنعها حروب المياه قرنًا آخر، مُلمّحًا إلى الدور التركي، حيث تتحكم تركيا بمنابع ضخمة للمياه؛ وهذا التصريح طبعًا قبل سنوات من التغيّرات الجيوستراتيجية التي أخذت تعصف بالإقليم، وتجعل من ملفّ المياه ملفًا ثانويًا.

نعم كان هناك وما زال، مظلومية كردية لم يتسبب فيها العرب، لكن العرب زادوها مأسويَّة تحت تأثير المدّ القومي العربي الذي مارسته النخب القومية وأنظمة الاستبداد العسكرية التي حكمت أغلب الدول العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار، وصل حدّ الشوفينية في محطات كثيرة. وبدلًا من أن يستفيد القوميون العرب من هذا التنوع الإثني بوصفه مصدرَ غنًى في إنضاج صيرورة مشروعهم القومي الحضاري الذي ادّعوه، حوّلوا هذا التنوع إلى نقمة وأداة عرقلة لهذا المشروع، من خلال حروب الضبط والإخضاع في العراق والسودان، والتضييق والقهر والحرمان من الحقوق في سورية والجزائر والمغرب. حروب مستمرة منذ عقود من دون أن تجد دولة وطنية حديثة، أو دولة المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات، تحاول تبريدها أو معالجة تداعياتها، بل كان التجاهل طابعَ العقلية القومية لمواجهة مشكلات هذه الجماعات القومية التي كثيرًا ما وُصمت بأنها أداة للمؤامرات الخارجية. وربما كان تعبير الإسلامي حسن الترابي عندما قال: “الجنوبيون إخوتنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإن أخطؤوا قتلناهم” يُفسّر نظرة العرب واستعداداتهم في هذا الشأن. مع ذلك فإن هذا الموقف لم يورّث الدول العربية التي سارت عليه سوى الدمار وضياع بلدانها. فحرب السودان المديدة على الجنوبيين التي استمرّت منذ العام 1952 وحتى العام 2005، انتهت بانفصال الجنوب، آخذًا معه ثلث مساحة السودان الأكثر خصبًا، دون أن يسأل النظام أو يسائل نفسه عن المسؤولية في هذه المسيرة المؤلمة.

التجربة الأخرى وربما الأكثر إيلامًا هي تجربة أكراد العراق، التي استمرّت عقودًا بصورة متقطّعة، وأُزهقت فيها أرواح بالآلاف بالتبريرات والمعالجات ذاتها، وانتهت مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003 بشبه استقلال في إطار الفدرالية العراقية الهشّة التي فرضها دستور بريمر. علمًا بأن أول دستور عراقي إبّان إعلان قيام الدولة العراقية 1921، أقرّ أن القومية الكردية هي القومية الثانية في العراق، بل الأهم من ذلك أن اتفاقية الحكم الذاتي، التي تُوُصّل إليها عام 1975 كانت فرصة ذهبية أمام العراق لتجنّب جميع المشكلات اللاحقة بخصوص القضية الكردية في هذا البلد، تلك الاتفاقية التي ألغاها صدام حسين في واحدة من أكبر أخطائه التاريخية، بدعوى قطع طريق المزاودة عليه من القوميين العرب في العراق وخارجه. لكن الحوادث المعيشة بيّنت لاحقًا في غمار ثورات الربيع العربي في سورية وليبيا واليمن على الأقل، أن هذه الأنظمة “القومية”، لا تتورّع عن سحق كل من يخرج على سلطتها أيًا كانت قوميته، وعليه فإن دفاعها المزعوم عن “الهوية القومية العربية” لا يعدو أن يكون ادّعاءً غير مقصود لذاته.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply