الــقــضــيـــة الــكـــرديــــــة .. (4/2)

الــقــضــيـــة الــكـــرديــــــة .. (4/2)

 

رابعًا: القضية الكردية قضية وطنية وحلها وطني سوري

مثّلت الثورة السورية من حيث هي ثورة حرية وكرامة في مواجهة النظام الاستبدادي، فرصة تاريخية أمام الأكراد السوريين لتحصيل حقوقهم السياسية والثقافية في دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها، لكن بعض المتطرفين الأكراد جعلوا منها فرصة ضائعة حتى الآن، عندما راهنوا على العامل الدولي في تحقيق أحلام انفصالية تُفرض كأمر واقع. هذه الخيارات المكلفة، وإن أوحت بنجاحها راهنًا، إلا أنه يبقى نجاحًا غير مستقر وغير معترف به من الأطراف السورية الأخرى وأساسًا لصراعات مستقبلية.

تُطالب إدارة الاتحاد الديمقراطي وحلفاؤها بالفدرالية، وتعمل واقعيًا على تثبيت أركان إدارتها الذاتية في مناطق سيطرتها، من دون أن تقول صراحة بالانفصال، لأن الطروحات الانفصالية أصعب من أن يتحملها واقع المنطقة، كونها تقتضي تغييرًا في الخرائط الجيوساسية القائمة، لذلك لا تجد مؤيدين لها من الدول المتدخلة؛ كما تُلحّ على تمثيلها من ضمن وفد المعارضة في جولات جنيف أو الأستانة، وحيثما لاح لها مؤتمر يُمكن أن يشرعن حضورها السياسي في المشهد السوري. فعن أي فدرالية يتكلمون؟ وأي حوار أو توافق سوري يُمكن أن يجري حولها تحت ضغط السلاح؟ صحيح أن الروس مؤيدون بقوة لهذا التوجه، والأميركيون لا يُبدون معارضة صريحة له، ولكنّ دول الجوار الإقليمي ترفضه؛ أما الأطراف المحلية، وفي ظلّ فقدان الثقة القائم، فلا تمتلك ترف الوقت للمناقشات النظرية في شأنه، ذلك أن الفدرالية العرقية يجعلها في ظلّ التنوع السوري شبه مستحيلة، نظرًا إلى حتمية تلازمها مع حملات تطهير عرقي واسع لا يمكن تحمّله.

بالمثل، فإن الفدرالية الجغرافية تعترضها طبيعة التوزع الديموغرافي واختلاط تكوينات المجتمع السوري جميعها. بالتوازي، فإن ما يحمله مشروع الدستور الروسي “العتيد” من حديث عن إدارات ذاتية للأقليات على تنوعها ما بين اثني أو طائفي، إن أُخذ بها، وهذا الاحتمال من باب التمرين الذهني، ستكفّ معه سورية المستقبلية عن أن تكون دولة، بل محض هيئة لإدارة خلافات هذه الإدارات الذاتية، وسوف تكون تأثيراتها كارثية في مستقبل النهوض والتنمية والتواصل والاقتصادات.

نعم من الصعب، وليس من الصحيح، أن تعود سورية كما كانت دولة مركزية، تُحكم فيها طغمة قبضتها على مقدّرات الشعب السوري وحرياته وخياراته، وهناك فرصة أمام السوريين على تنوعهم للالتفاف حول مشروع وطني جامع، أساسه المواطنة وسيادة القانون وإتاحة الفرص على قدم المساواة أمام المواطنين السوريين، في ظل نظام حكم ديمقراطي حديث، يعتمد نظامًا إداريًا لامركزيًا، ويعطي صلاحيات واسعة للمناطق، ويوزع التنمية توزيعًا عادلًا وهادفًا، ويفتح أمام الجميع ممارسة حقوقهم وخياراتهم السياسية والاقتصادية والثقافية في ظل دستور متوافق عليه بين السوريين جميعًا، يجسّد طموحاتهم وهمومهم وينظم علاقاتهم. ومن المفيد والضروري للقوى السياسية والنخب السورية العربية، أن تمدّ يدها إلى نظيراتها الكردية وإلى بقية الإثنيات الأخرى، والعمل معًا على قطع الطريق أمام أصحاب الدعوات الانفصالية أو الشوفينية لدى الأطراف كلها.

 

خاتمة

لا شك في أن (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، ومن يتحالف معه في إدارته الذاتية المفروضة، أصبح قوة لا يُستهان بها في المعادلات السورية، بفضل الدعم الواسع الذي يتلقاه من أطرافٍ عدّة أهمها الولايات المتحدة، كما أنه عسكر المجتمع الكردي الذي يسيطر عليه، واستجلب متطوعين أكرادًا وأجانب من دول العالم كافة (قوات الأسايش). هذه السياسة المغامرة التي تتوسّل الدعم الخارجي بأي ثمن، وترهن قضية الشعب الكردي لأجندات خارجية لا مصلحة للأكراد فيها، سوف تدفع إلى صراع كردي- كردي لا مصلحة للشعب السوري فيه، لأنه يُشكّل في حال حصوله خطرًا على مستقبل سورية وطموحات شعبها، كما أنه سيُولّد توجّها مضادًا لدى بقية السوريين، ويفتح صراعات طويلة الأمد، ستخرج منها سورية بجميع تكويناتها خاسرة؛ وفي معمعة هذه الصراعات سوف تتبخّر أحلام الذين أخذوا الأمور في هذا الاتجاه.

أن تلعب كثيرًا، ومع أطراف كثيرة، يعني أنك ستتعب باكرًا، وبناء الدول والكيانات ليس لعبةً، ولا تصيّدًا للفرص، إنه أمر محكوم بحقائق الجغرافيا والتاريخ، وبإرادات الأطراف الفاعلة الأخرى، وهذه دائمًا متبدّلة ومحكومة بمصالحها أيضًا.

  • Social Links:

Leave a Reply