الإنسان والتفكير العلمي..!

الإنسان والتفكير العلمي..!

إن تسمية الإنسان بالعالم، تطلق على ذلك الإنسان الذي بتميز بامتلاكه ذخيرة ضخمة من المعرفة العلمية في مجال تخصصه، لكن ! رغم ذلك التحصيل، لا يمكن لنا أن نسم هذا الإنسان بأنه ذو تفكير علمي، لأن التخصص في فرع ما، أي فرع كان، قد تكسبك صفة الإنسان العالم، ولكن، ليس بالضرورة، أن تكون ذا تفكير علمي؛ فقد يكون أحدهم عالما، بارعا، في علم الطب، مثلا، لكنه، في الوقت ذاته، يؤمن بالحجب والتمائم، كوسيلة للعلاج، حتى من مرض عضال؛ لأن التفكير العلمي يرتكز على أسس ثابتة، وطيدة، بعدها، تأتي مناولة الأمور، بطريقة محددة مختلفة، والوقوف عليها ـ بالتالي ـ بالمعالجة اللازمة، اعتمادا على العقل، والتجربة، والحجة المبنية على البرهان…

لقد تيسّر للغرب الرأسمالي المتطور، من إرساء أسس متينة راسخة، في التراث العلمي، في حين أن عالمنا العربي عاجز حتى عن عرض مبادئ أولية بسيطة في التفكير العلمي، وتعميمها على الشعوب العربية، رغم أن المسلمين وبينهم العرب بدؤوا بداية قوية ملفتة، في حقبة الحضارة العربية الإسلامية الزاهية، وتقدموا على الغرب، بعد انكفائهم حضاريا (حضارة الإغريق)، حتى أن أحد علماء الإسلام، توصّل إلى ابتكار (مرقاب = مرصد)، لرصد المناخ، والأحوال الجوية، لكن ذلك عدّ رجما بالغيب من قبل الأصولية الدينية المهيمنة، وكفت يده عن ذلك…

لقد ظلت المعوقات تفعل فعلها في الحالة العربية، وتحول دون الانطلاق والمضي في الطريق الصحيح، طريق التفكير العلمي، فقد وجدنا أن عالما إسلاميا كبيرا هوالإمام الغزالي، حذّر من مغبة البحث العلمي، بقوله:السلامة في الاتباع، والخطر في البحث، كما منع طويلا من دراسة كثير من البحوث في الفكر والفلسفة، وقد دام هذا الحظر حتى نهاية القرن الثامن عشر، بداية النهضة العربية كما هومعروف ومتداول عند كثير من الباحثين… لكن ! التباهي بماض علمي ولّى، لا يشفع لنا عن حاضر راغب عن العلم، ومكافح له، فالتغني بالأمجاد، واجترار الغابر من الزمن العربي، أي بركوب عربة الماضي، فإننا لن نتقدم إلى أمام، فأول ما يقتضيه لإحياء الماضي، والتواصل مع الحاضر، والتطلع لمواكبة المستقبل، هواحترام العلم، أما دون ذلك فهوبكاء على الأطلال.. لكن! في النهاية لا بد أن نكون متفائلين، فرغم الصراع بين مناصري التفكير العلمي ومعاديه، ومع الإقرار، بأن المعركة بين الاتجاهين شاقة، فلا بد للتفكير العلمي من أن يشقّ طريقه إلى الأمام، ولوبعد لأي، فالاكتشافات العلمية تعد من العوامل الضاجة من التفكير المحافظ، وهي التي تأخذ بألباب الناس في النهاية، وسينقشع أمام أبصار هؤلاء ظلال الشك، في صوابية التفكير العلمي، الذي يفتح الطريق نحوآفاق رحبة من المعرفة والتفاؤل بمستقبل العلم الأكيد، ليصبحوا بالتالي من عناصره، والمناصرين له…

علينا هنا أن نستدرك، ونعي بالتالي، من أن التفكير العلمي، لا يمكن له إلا أن يهدد مصالح بعض الفئات من الناس، وهؤلاء سيكافحونه… ففي أوربا كانت مصالح الإقطاع تتكامل مع دعوة الكنيسة إلى مناهضة الاتجاه العلمي في التفكير، لكن الاكتشافات العلمية، وجهود المخلصين لمناصرة العقل، كانت لها الغلبة في المحصلة، وقد أسفر الصراع أخيرا عن انكفاء الكنيسة في الأديرة ودور العبادة، بالتزامن مع بداية أفول الإقطاع، رغم أن الكنيسة وسمت الدعوة للعلم بالإلحاد..

في الظروف الراهنة، لا بد لأي مجتمع يحترم نفسه، أن يحكّم العقل، وأن يغذ الخطا، للسير في ركب التطور العلمي والحضاري، فلا حضارة بالأساس دون نهضة علمية، واليوم ما عاد واردا، ولا مقبولا، التواري في الظل، فليس هناك من دولة مهما ضؤل حجمها، إلا ولها موقع على الخارطة الكونية، وبالتالي هي مرئية من العالم قاطبة؛ والعلم بغض النظر عن كل هذا، فلوأخذناه على صعيد الفرد، يشحذ ذهن الإنسان، ويغنيه معرفيا وروحيا، ويتجاوز به من حالة العفوية والتلقائية، إلى حالة من التخطيط والتنظيم والمنهجية..

إن النظرية العلمية تبقى صحيحة بما تحمل من حقائق علمية، وتستمر النظرية بهذه الصحة العلمية إلى أن تأتي نظرية أخرى في الميدان نفسه، إما أن توسع من آفاق النظرية الأولى، فتتجاوزها، وإما أنتدحضها، وتنفيها بمعنى النفي الإيجابي، وتبني عليها، فالحقائق في العلم تبقى نسبية، فلا حقائق علمية مطلقة..هل هذا يعني أن العلم متغير؟ وإذا كان التغير صفة ملازمة للعلم، فهل هذا التغير هودليل على قوة العلم أم إلى ضعفه؟ لاشك أن التقدم أوالتطور الذي يطرأ على العلم، حقيقة علمية ثابتة، وهودليل على قوته وحيويته، فإذا ما أخذنا النظرية العلمية كحقيقة مطلقه، خارج الزمن، لا يأتيها الباطل، كأنما نحكم على العالم بالسكون، وعلى العلم بالموت، ولكن هذا التغير تأخذ طابع النفي الدياليكتيكي، أي تجاوز ما هومتحقق والبناء عليه، بعد تراكم في المعرفة… يتميز الفكر العلمي أيضا بسمة التنظيم، كصفة أساسية في حياة الإنسان، حتى على صعيد الأسرة، يمكن أن يكون التنظيم على أساس التفكير العلمي، من حيث النظرة إلى المرأة، تحديد النسل، تعدد الزوجات، الإقبال إلى التحصيل العلمي..إلخ

يعدّ العلم الصحيح – مضمون رؤية مقالنا هذا- يعد هذا العلم ظاهرة طفولية حديثة الولادة،قياسا بتاريخ البشرية، ولم يزل يقتصر على مجتمعات معينة، رغم ما لحقتها هي أيضا من تشوهات، فقبل حلول ظاهرة العلم، كان الإنسان يسرح بخياله، وحدسه، في تفسيراته للظواهر الطبيعية، تمشيا عما يسود من منظومات من المفاهيم، والمعتقدات، والأفكار المجردة؛ إن الانتقال إلى الأخذ بالعلم جاء متأخرا، فهومازال في عمر الطفولة كما قلنا، وتطلب منه جهود جبارة، ومشقة مضنية، وبتدرج متناه في التراخي الزمني، حتى توصل على ما هوعليه اليوم، فقبل سيادة العلم النسبية، كان يقوم تفسير الإنسان للظواهر، ومعالجاته للأمور، مؤسسا على الأسطورة والخرافة، فالأسطورة كانت تراث الشعب المعني، يمتح منها المرء ثقافته، ويعتمد عليها في تفسيره لأية ظاهرة..

بالمقابل فإن التفكير القديم المبني على أساطير الأولين، أي التفكير اللاعلمي، يرسخ لطاعة السلطان، والامتثال لأولي الأمر، وتمجيد الآراء الموروثة عن الأولين، وكأنما قدم الرأي دليل على صحته؛ وكل هذا كان يشكل عقبة كأداء في طريق التفكير العلمي الصحيح، وتحول بالتالي دون تقدمه؛ وعادة يسود مثل هذه الظواهر، أي احترام السلطة القديمة، احترام الحكام، أيا كانوا، والإذعان لسلطانهم، مهما تجاوزوا في جورهم الحدود، والتقيد بسلطة القديم، في ظروف يسود فيها التحجر والركود، كما تتفشى ظاهرة التعصب، التعصب لفكرة، لعقيدة، أومذهب؛ وكثيرا ما يلعب الإعلام بتفرعاته المتعددة، المقروء والمرئي، والمسموع، دورا خطيرا في إثارة مثل هذه النعرات، والحقيقة أن الإعلام يمكن اعتباره سلاحا ذا حدين، من حيث الضرر، أوالإفادة، ولوأنه قاصر في اتجاه التفكير العلمي، فكثيرا ما يتدنى مستوى برامجها، لما يتضمن من مجالات واسعة للدعاية المخدّرة والساحرة بذات الوقت، فقد يذعن المرء دون مقاومة تذكر، لأراجيف تلك الدعايات، ولمغالط أجهزة السلطة؛ ألم يكن غوبلز وزير الدعاية، في عهد هتلر يقول: اكذبوا، اكذبوا، أكذبوا، فلا بد للبعض أن تنطلي عليه هذه الأكاذيب. وكثيرا ما تتوسل الأنظمة الشمولية مثل هذا الإعلام، وفيه الكثير من الأخبار المختلقة، فضلا عن تعظيم وتمجيد الذات، فيلجأ إلى تصوير الحاكم بالقائد الضرورة، وحجب الحقائق، فالسوفييت كانوا يمتلكون إعلاما مضللا، فقد أخفوا عن شعوبهم الأزمة الاقتصادية والسياسية التي كانوا يمرون بها، إلى أن جاءت البيروسترويكا فكشفت المستور، لتفضح عن واقع مأزوم ومترد، كما وجدنا كيف أنهم حجبوا عن شعبهم حجم كارثة انفجار مفاعل تشرنوبل، في عام 1986..

بالمقابل… ففي الإعلام الغربي، يحتكر المقتدرون اقتصاديا الإعلام، للترويج لسياساتهم الاقتصادية، ومسائلهم التجارية، وتبقى المنافسة ضمن فئات ثرية، هيوحدها القادرة على تمويل أجهزة الإعلام، وتوجيهها بالتالي، الوجهة التي تقتضيها مصالحها الاستثمارية والتجارية..

أما في العالم العربي، مازالت البيئة العربية أسيرة، التفكير القديم المتفشي في أرجائها، البيئة الحاضنة لكثير من أباطيل الخرافة والأسطورة؛ فالشعب المتخلف يفهم واقعه فهما متخلفا، فما زال مفهوم الحسد كعقلية موجودة، ويرقى عند البعض إلى درجة اليقين، كما ما زال الاعتقاد، بأن بعض الناس لهم كرامات، اعتقادا رائجا؛ كل هذا ربما يدفع الإنسان، ويرغب إليه للتقيد بسلطة القديم، وبالتالي بسلطة الحاكم، واعتبار كثير من التنظيمات المناوئة للسلطة بدعاويهم وبرامجهم من البدع، وترى في أنشطة نضالاتهم، سعي لتفكيك المجتمعات، لهذا فهم يأخذون بدور التماسك، وكأنما السلطة القديمة أمينة على هذا الشيء وجديرة به، إذن، لا بد عندها من بقاء هذه السلطة القديمة يخضع لها الجميع مختارا، هؤلاء بطبيعتهم يحطون من شأن العقل وقدراته، على ترسم الطريق الصحيح، مفضلين طريق التسليم بالقديم، في هذا المجال لابد أخيرا! من طرح مبادئأولية، في التفكير العلمي للناشئة، للجيل الواعد، عدة نهضة المستقبل، إذا ما تجاوزنا يأسنا من الجيل القديم، وهذا خير رجاء يفعله المخلصون الأكفاء من علمائنا، في نشر التفكير العلمي، ولنبدأ بالمناهج الدراسية, فضلا عن البحوث كمراجع لمن أراد أن يمتح منها ثقافته, هذا إذا ما أردنا أننرقى بمجتمعاتنا إلى مصاف الأمم الراقية، ولا نظل هكذا متفرجين، الآخرون يحثون الخطا، أما نحن.! فنظل نحدوآخر الناس..!

  • Social Links:

Leave a Reply