الشعبوية والنرجسية وجهان لنفس المرض ــ يونادم يونادم (1/2)

الشعبوية والنرجسية وجهان لنفس المرض ــ يونادم يونادم (1/2)

 

اتساع ظاهرة (النرجسية الجماعية)

{يرجع أصل التسمية (النرجسية) الى الأسطورة اليونانية التي تتحدث عن قصة (ناركيسوس او نرسيس) الشاب الجميل الذي يستغرق النظر الى جماله حين يرى صورته المعكوسة على صفحة الماء مفتتناً بحب نفسه وعاشقاً لذاته، وهي حالة مرضية يعيشها النرجسي، وتبدو عليه بعض ملامحها: كالأنانية، وسرعة الاستفزاز إذا تجاهله الناس، وعدم تقبله لنقدهم فهو شخص غير عادي ومن نوع فريد.}

ما هو شعورك نحو أمتك او قوميتك؟ هل يستولي عليك الغضب حين يطلق الآخرون انتقادات موجهة الى بلدك؟ هل تشعر ان العالم سيكون مكاناً أفضل إذا كان لبلدك دور أكبر فيه؟ هل تتمنى ان تسرع بقية الدول بالإقرار بسلطة الدولة التي تنتمي اليها؟
إذا كانت اجاباتك بنعم على جميع تلك الأسئلة فذلك دليل على أنك مصاب ب (النرجسية الجماعية) على المستوى القومي وذلك حسب علم النفس الاجتماعي. العديد من الناس يعرفون ما هي البنية النفسية للنرجسية كما تظهر على معالم الشخص المصاب بها: فهو ظاهرياً يبدو شديد الحرص والمبالغة في التفخيم، وسلوكه هو مجرد ادعاء على ثقته بنفسه… بينما هو في حقيقته شخص ضعيف ومعدم.

غير ان (النرجسية الجماعية) مسألة مختلفة: فهي تعلن عن نفسها حين يستعرض شخص ما اعتقاده المبالغ فيه بتفوق الجماعة التي ينتمي اليها، أكانت تلك الجماعة عصابة او جماعة دينية ما، ام قومية او امة…ولكنه في قرارة نفسه تنتابه شكوك قوية حول هيبة واحترام تلك الجماعة المعنية، مما يجعله يتحفز لدعوة الآخرين للاعتراف بجماعته.

لقد تم وضع اختبار خاص لتوثيق النرجسية الجماعية في عدد من البلدان، بما فيها (بولونيا)، التي ازدادت فيها مظاهر النزعة القومية عند جيل الشباب. وتبين ان البولونيين، بعد اجراء الاختبار، لا ينظرون الى واقعهم القومي بشكل إيجابي ولهذا يتطلعون دائماً للتعويض عن ذلك النقص بالإصرار والزهو بقيمة بلادهم وهم يتطلعون الى استقلالها بمنأى عن الشعوب الأخرى. وهناك ادلة أخرى على بروز بعض جوانب النرجسية الجماعية التي يعوض من خلالها الفرد عن بعض العناصر التي تفتقد اليها شخصيته، بنفس الطريقة التي يلجأ اليها الفرد المصاب ب (النرجسية الشخصية- الفردية) حين يتبجح عن ذاته العقيمة لإخفاء قلقه الشخصي. لقد وجدت (اليكساندرا شيكوكا Aleksandra Cichocka) مع زملاء لها في جامعة (وارسو) انه كلما شعر الناس بان لهم دوراً أقل في تسيير أمور حياتهم، يكونون أكثر عرضة للتأثر ب (النرجسية الجماعية).

ليست (النرجسية الجماعية) مفهوماً جديداً، فقد أورده عالم النفس (أريك فروم) وعالم الاجتماع (تيودور ادورنو) في الثلاثينيات من القرن الماضي، وتوسع الاهتمام به مع غليان الأحداث في العالم. فقد وجدت الأستاذة في جامعة (لندن)، (اغنيسكا غوليك دي سافالا)، ان هناك ادلة أولية على احتمال قيام المصابين ب (النرجسية الجماعية) بالتصويت ل (دونالد ترامب) او التصويت ل (بريكست – خروج بريطانيا من الاتحاد الوروبي). وليس بعيداً ان يكون المصابون ب (النرجسية الجماعية) هم أكثر الناس ميلاً للاعتقاد بنظرية المؤامرات، لاسيما اذا تعلق الأمر بالأجنبي، فقد بينت دراسة أخرى ل (اغنيسكا غوليك دي سافالا واليكساندرا شيكوكا ) والتي نشرت عام 2016 ان الشعب البولوني الذي جاءت نتائج اختبار (النرجسية الجماعية) بالنسبة له مرتفعة جداً ما زال يصدق ان حادثة سقوط الطائرة في (سمولنسك) عام 2010هي نتيجة عمل إرهابي قامت به (روسيا). كذلك الأمر مع الشعب التركي الذي حقق نتائج إيجابية في نفس عملية الاختبار المذكور هو أكثر احتمالاً لأن تكون لديه قناعات معادية للألمان، مما دعا أولئك الذين قاموا بتلك الدراسة الى الاستنتاج ان (النرجسية الجماعية) بإمكانها تغذية العداوات بين الدول بالإضافة الى كونها تؤجج العمليات الانتقامية عندما يشعر أحد الأطراف بالإهانة. ففي الدراسة التي نشرت العام الماضي (2016) أظهر الأتراك الذين كانت ردودهم إيجابية بالنسبة الى (النرجسية الجماعية) انهم يعتبرون عدم قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي بمثابة إهانة لقوميتهم، كما أبدوا ارتياحهم لأنباء المصاعب الاقتصادية التي تواجهها المجموعة الأوروبية. وبنفس المقياس وجد البرتغاليون الذين خضعوا لدراسات (النرجسية الجماعية) ان المانيا تشكل تهديداً لهم، وهم يلقون اللوم على الألمان، لأن المانيا كانت تقف وراء اجراءات التقشف التي فرضتها المجموعة الأوروبية ضد البرتغال، وهم على استعداد للانتقام من المانيا إذا سنحت لهم الفرصة. كما اظهر استفتاء بين الطلبة في الولايات المتحدة الأمريكية، استند على تقييم (النرجسية الجماعية)، انهم أكثر استعدادا للموافقة على تدخل عسكري.

رغم كل النتائج السابقة، فمن المفيد التنويه ان (النرجسية الجماعية) تختلف تماما عن الأنواع الأخرى منها والتي ترمي الى الاعتزاز بالوطن، فشعور المرء الايجابي نحو بلده سيجلب معه فوائد كثيرة.

لقد شرحت (شيكوكا)، بعد ان فحصت بيانات البحث الميداني ل (النرجسية الجماعية)، كيف ان الشعور بالانتماء الى جماعة كبيرة يقود الى مواقف بناءة. فالناس ستحصل على الاطمئنان وتكتشف المغزى العميق لتلك الحالة حين تؤدي اية مهمة تهدف لخدمة الجماعة الكبيرة التي تنتمي اليها، كما ان الوطنية الصحيحة هي تلك التي تنطوي على التسامح وتقبل القوميات الأخرى.
ان ما يميز (النرجسية الجماعية) هو مواقفها الدفاعية ولغتها المذعورة ثم نهمها الذي لا يشبع لإرضاء متطلبات رغبتها للاعتراف الدائم بها من قبل الآخرين.

  • Social Links:

Leave a Reply