نظام الأسد بين البعثيَّة والعلمانيَّة ــ غسان مرتضى

نظام الأسد بين البعثيَّة والعلمانيَّة ــ غسان مرتضى

 

لم يكن نظام الأسد بعثياً في يومٍ من الأيام ولم يكن علمانياً ولا ديموقراطياً، بل كان وما يزال معادياً شرساً للبعث والعلمانية والديموقراطية، أمَّا أن يكون نظاماً كافراً ملحداً زنديقاً ملعون الوالدين فهذا أمر لا شك فيه. وإليكم فشة خلق في هذا السياق كتبتها ونشرها لي موقع مسارات :

يحاول كثيرون من أنصار الثورة على نظام الأسرة الأسديَّة الحاكم في سوريا، أن يطعنوا فيه ويشوهوا سمعته بأساليب إعلاميَّة ودعائيَّة شتى فيفلحون أحياناً، لكنَّهم يحيدون عن جادة الصواب في أحيان أخرى فيقدمون له بذلك خدمات جليلة من حيث لا يدرون.

ومن الصفات والاتهامات التي يكيلها هؤلاء المعارضون لنظام الأسرة الأسديَّة أنَّه نظام بعثيٌّ علمانيٌّ، وهو في حقيقة أمره ليس بعثياً ولا علمانياً بل هو من أشد أعداء البعث والعلمانيَّة.

لقد كان انقلاب حافظ الأسد التخريبي الذي أطلق عليه زوراً وبهتاناً الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني عام 1970 موعداً لتشييع جثمان البعث ودفنه في مقبرة مزابل التاريخ، وهو الحزب الذي بدأ بالسير في طريق الهاوية منذ أن تسلق العسكر إلى قياداته قي مطلع الستينات وأخذوا يزيحون المفكرين والأساتذة إلى صفوف القيادة الخلفية ليحلوا محلهم، وكانت الضربة القاسمة التي أدخلته في مرحلة الاحتضار قد بدأت مع انقلاب 23 شباط 1966 حيث تراجع نهائياً دور المدنيين وانقضَّ العقداء والعمداء والألويَّة على مراكز القرار البعثيِّ، واستطاعوا القضاء بصورة تدريجية – لكنَّها سريعة – على مدنية الدولة ومدينيتها، أمَّا الموت الحقيقي وعملية الدفن النهائيَّة فقد أنجزها حافظ الأسد بسرعة مذهلة، فزجَّ البعثيين من رفاق الأمس بالسجون، وهجَّر من لم يدس له السم من الباقي، وألغى القيادة الجماعيَّة من أصلها وحول القيادتين القوميَّة والقطريَّة وقيادات الفروع إلى مكاتب متابعة، تنفذ القرارات التي تطبخ في فروع الأمن بتوجيه شخصي منه، وأصبحت قيادات الحزب نسخة أخرى لمجلس الشعب، لا همَّ لها إلا التصفيق وصناعة المسيرات المزيفة وترتيب المهرجانات الخطابيَّة التي لا تتحدث عن شيء سوى فكر سيادته وبطولاته المتنوعة في مجالات الحرب والسلم ومجالات الصناعة والزراعة… ولا تخرج إلا بالهتافات والمزيد من الهتافات.

أهم أهداف حزب البعث هو الوحدة وكل ما قام به حافظ الأسد يصب في مصلحة القطرية والتجزئة… فقد كانت علاقاته عدائية ومتوترة مع أغلب الأشقاء العرب على مدى ثلاثين سنة، ولا سيما علاقاته مع الأشقاء المجاورين؛ فكانت القطيعة مع العراق تصل أحياناً إلى حدِّ التوتر العسكري وكانت العلاقة مع الأردن سيئة ما خلا لحظات قليلة، وأثار الفوضى في لبنان واحتلَّه، أما علاقته مع الفلسطينيين ومنظمة التحرير فهي مأساة بحدِّ ذاتها بل إنَّه قتل من الفلسطينيين في مجازر تل الزعتر وطرابلس أعداداً عجز عنها الإسرائيليون في تاريخهم كلِّه. أما الحريَّة وهي هدف الحزب الثاني فقد أصبحت نسياً منسياً بعد أن نجح الأسد في تحويل سوريا إلى سجن كبيرٍ كبت أنفاس الناس حتى غدا حال السوريين يقول: ((اهرب سعيد فقد قبض على سعد)) وغدت الأفعال العنفيَّة التي تُنسب لكلٍّ من زياد بن أبيه والحجاج بن يوسف الثقفي ضرباً من المضحكات إذا ما قورنت بأفعال الأسد.

الاشتراكيَّة وهي الهدف الثالث من أهداف البعث ليست أمراً واضح المعالم في أدبيات هذا الحزب، وإن كانت بعض مقررات المؤتمرات القومية قد ذكرت الاشتراكيَّة العلميَّة… وفي كل الأحوال وبغض النظر عن المعنى الاصطلاحي لكلمة الاشتراكية في الأيديولوجية البعثيَّة وبغض النظرات عن اختلاف الأجنحة البعثيَّة تاريخياً في فهمها لهذا المصطلح، إلا أننا نستطيع الحديث عن الاشتراكيَّة بوصفها ضرباً من ضروب العدالة الاجتماعية… والحقيقة أن نظام الأسد لم يفلح اشتراكياً إلا في إذلال جميع شرائح المجتمع وإفقار الأغلبية العظمى من السوريين والقضاء على الطبقة الوسطى، وتطبيق قوانين التأميم ….. والاستيلاء والإصلاح الزراعي (هو تخريب في حقيقة أمره) في أسوأ وأحط أشكالها.

أمَّا العلمانيَّة فإنَّها صفة يلصقها كثير من المعارضين بالأسد ونظامه بغية الإيحاء بأنَّه نظام لا ديني كافر ملحد وبذلك يسحبون من تحته البساط الديني الذي حرص الأب المقبور على مدِّه والصلاة عليه في الأعياد الدينيَّة الكبرى واحتفالات المولد النبوي…وأنا أؤكد مع هؤلاء أنَّه نظام كافر بالله والوطن والخير جاحد زنديق لكنَّ ليس علمانياً بحال من الأحوال.

وهكذا حوَّل النظام الأسدي أهداف البعث إلى ظاهرة صوتية يرددها التلاميذ والعسكر كلَّ صباح مثلها مثل أيِّ أغنية من أغاني علي الديك.

هذا حال البعث، فما حال العلمانيَّة؟

ليس هناك في وثائق الدولة أو أدبيَّات الحزب أيُّة إشارة إلى كلمة العلمانيَّة، وليس هناك إشارات في خطابات الأسد الأب التي أصبحت أهمَّ من الدستور أيُّ ذكر للعلمانيَّة، اللهم إلا إشارته إلى أنَّ الدين لله والوطن للجميع، تلك الإشارة التي أخذ التلفزيون السوري يكررها وتلقفها القيادات الخلبيَّة في الحزب والدولة، وشرعت تكررها بسبب وبغير سبب ولا سيَّما بعد مجازر 1982.

أعتقد أنَّ كثيرين من رجالات (حثالات) الدولة والحزب لا يميزون بين كلمتي عِلماني أي النسبة إلى العِلم وعَلماني النسبة إلى العالم، وأنَّ كثيرين أيضاً يعتقدون أنَّ العلماني هو من يؤمن بقيم العلم ومبادئه.

والحقيقة أنَّ دولة أسرة الأسد لا علاقة لها بالعَلمانيَّة من قريب أو بعيد، فالدولة العلمانية التي كانت نتاجاً لتراكم منجزات النهضة الأوروبيَّة بدءاً من القرن الخامس عشر، كانت في كلِّ مرحلة تاريخية تقوم على مبادئ محددة تقتضيها طبيعة التطور التاريخي الاقتصادي والاجتماعي، لكنَّها في المراحل جميعاً كانت متفقة على عدد من المبادئ العامة.

– الدولة العلمانيَّة دولة ديموقراطيَّة أولاً وقبل كلِّ شيء، تقدس حريَّة الإنسان، وحقه في اختيار السلطات التي تمثله، وبناء عليه فإنَّ الأنظمة الدكتاتوريَّة لا يمكن أن تكون علمانيَّة، ونظام آل الأسد من أشد أنظمة العالم استبداداً وأعتاها دكتاتوريَّة وأبعدها عن العلمانيَّة.

– الدولة العلمانيَّة هي دولة المواطنة تنظر إلى مواطنيها بوصفهم مواطنين لا تمييز بينهم على أساس الدين أو الإثنيَّة أو الانتماء الجغرافي…. عليهم واجبات يجب أن يؤدوها، ولهم حقوق يمكنهم أخذها

– الفصل بين الدين والدولة… وهذه المسألة شديدة الحساسيَّة، خلقت كثيراً من الالتباس في العالمين العربي والإسلامي… فقد تحدث عنها كثيرون في الصحافة العربية وصفحات التواصل الاجتماعي، وفي الحقيقة فإنَّ هذه الفكرة كانت نتاجاً لصراع طويل بين رجال الكنيسة المسيحية الذين حكموا أوروبا في القرون الوسطى بحدِّ السيف والخرافة، وكانوا أحد الأسباب الأساسيَّة في استمرار عصور الظلمات عشرة قرون، ولم تنهض أوربا إلا عندما آمنت بقدسية العقل ومركزية الإنسان في الكون خلافاً لما يريده رجال الكهنوت، ومن هنا ارتبط عصر النهضة باستبعاد الكنيسة ورجالها عن الحكم ومؤسساته، وحصل ما يُسمَّى فصل الدين عن الدولة رغماً عن إرادة رجال الدين الذين اضطروا للتنازل عن كثير من السلطات راغمين.

– وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ العلمانيَّة والإلحاد ليسا صنوين إطلاقاً، وأنَّ العلمانية ليست خصماً للدين، بل هي خصم للدولة الدينيَّة. وأنَّ الدولة العلمانيَّة هي الضامن الوحيد لممارسة جميع مواطنيها عقائدهم الدينية، علماً أنَّهم قد يكونون متخاصمين دينياً إلى حدِّ الحرب.

أين النظام الأسدي من العلمانيَّة؟ وأخيراً أتذكر مقولة لأحد الأساتذة: إذا أردت أن تحل أي مشكلة في بلاد الأسد عليك أن تعرف مليونيراً أو شيخاً كبيراً أو مطراناً أو عاهرة.

  • Social Links:

Leave a Reply