جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 12 ــ

جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 12 ــ

 

القتل حرفة!

يتحول القمع في الدولة الفاشية الى ممارسة وظيفية، وبإشاعة القمع وتوسيعه، تحاول النازية تمرين الناس تقبله وعدم استنكاره، باعتباره نوع من الدفاع عن النفس في عالم مليء بالذئاب… قبل الفاشية كان القمع لصيقاً بحقد الحاكم على عدوه، او حقد الجلاد على ضحيته.. الفاشية حررت القمع من المؤثرات الذاتية ولكنها برمجته وحولته الى (علم) وممارسة للسلطة. وتحول الجلاد الفاشي الى موظف بارد الدم …..

فالجلادون الذين حقق معهم (جي اكرمان) اجابوا دائماً: “انه واجب، نحن جنود، وما علينا الا ان ننفذ”. وإذا اعتبرنا معتقل (زاكس هاوزن) نمطاً من برمجة التعذيب الفاشي، فإننا لا نجد في لافتاته الظاهرية ما يدل على الفظائع التي تجري فيه، فاللافتة الخارجية تسميه (معسكر تربية!)، وفي داخله إعلانات معلقة تقول “العمل يحررك!”، علماً ان العمل الذي يريدون به تحرير السجين يتضمن نقل المئات من الأكياس يومياً زنة كل واحدة منها 20 كيلوغرام، ويرتدي المعتقل حذاء يسع نصف قدمه فقط. وقد أطلق على غرفة الإعدام اسم (غرفة الرياضة) ومختبرات الموت الرهيبة سميت (عيادات وردهات) … الخ.

وإذا تابعنا قوانين هذه المعتقلات التي وقعها المشرف العام (تيودور ايكه) عام 1933، سنجد ان الحكم بالموت يشمل ابسط ممارسات السجين، حيث تنص المادة (11) :”يحكم بالموت كل من يشتغل بالسياسة، كل من يلقي الخطب التحريضية، يعقد الاجتماعات ، يؤلف الجماعات، يجمع المعلومات الكاذبة عن المعتقلات للأغراض الدعائية” وتنص المادة (12) :”يقتل على الفور او يشنق فيما بعد كل من : يهاجم أحد رجال الحرس النازي او الخفراء، كل من يرفض طاعة الأوامر او يرفض العمل… القهقهة والصراخ والخطابات المهيجة اثناء المسيرات او العمل….” وفي برنامج النشاط اليومي في معسكرات الاعتقال يتراوح عدد الاعدامات يومياً بين 68-40 شخصاً. وتقوم به العناصر المسماة (جماعات الجمجمة) التي تجمع من أكثر عناصر الحرس النازي قسوة، وتحمل علامة العظمة والجمجمة على قمصان سود بعد خدمة 12 عاما.

وقد بذل الدكتور القانوني الأمريكي (روبرت كمبنر) جهداً كبيراً في تفحص الأوامر الإدارية الصادرة عن (الأس أس) ووضع قاموساً صغيراً ليساعده على تتبع المعنى الحقيقي لكلمات مثل (مسح صحي، معالجة، إعادة تسويق، إحصاء، توطين) وعرف ان هذه المصطلحات الغامضة مفهومة تماماً من الجلادين. وطبقت في مناطق البلطيق بإبادة واعدام مئات الالاف من سكان هذه المناطق من اجل “اعادة ترتيب أوضاعها السكانية ” وتتخلل هذه المصطلحات كل التعليمات التفصيلية في خطة (هملر) المسماة “اوست” ويقول (كمبنر) ان النازية لا تريد إخفاء المحتوى العملي لمثل هذه العبارات لأن عبارة (إبادة) تتردد في الكتب الرسمية بكثرة، الا ان النازية تفضل استخدام المفردات الإدارية العادية.

وتتجاهل إدارة المعتقلات أسماء المعتقلين والمرشحين (لأفران الغاز)، فتكتفي بتقسيمهم الى قطاعات لكل واحد منهم علامته: فالمثلث لتمييز الشيوعيين ونجمة داوود لليهود. وتستخدم الأرقام بدلاً من الأسماء. وتخضع جثث القتلى لعملية توضيب وترقيم فوق رفوف تشبه رفوف المكتبات، لكي يتاح للأطباء فرصة اكتشاف التركيبات البدنية للأعراق المختلفة. وقد اعترف أحد الجلادين بانه شاهد عملية في غاية الوحشية، فقد أجبرت المعتقلات الغجريات على مضاجعة جثث مجمدة لمعرفة كمية الطاقة الحرارية الموجودة في الأجناس الدنيا عند ممارستها العمل الجنسي. وهناك ردهات خاصة لاستخراج المواد الصناعية من شعر وجلود واسنان القتلى، فتحول اسنانهم الذهبية الى سبائك ترسل الى بنك (الرايخ). وتتجلى عملية البرمجة في أكثر معانيها وحشية باستخدام عربات الغاز التي لا تستخدم لمجرد التمادي في التعذيب انما تمت دراستها كأية عملية إنتاجية، وقد فسرت التوجيهات الرسمية التي وقعها (هملر) بعد مشاهدته عدة اعدامات جماعية سبب استخدام عربات الغاز:

“1 –الضحية تدخل عربات الغاز بسهولة أكثر من دخولها غرفة الإعدام.

2 – لن يتأثر الجلادون الجدد الضعاف النفوس بمشاهدة الضحية وهي تموت.

3 – عربات الغاز تكتم صرخات الضحايا التي تزعج الآخرين.

4 – ان عملية الإعدام بعربات الغاز اقتصادية ولا تحتاج الى ذخيرة او وقود، فهي توفر وقودها من احتراق جثث الضحايا في داخلها وتقوم بنقل الجثث خارج المعسكرات”

وقد أوضح الإحصاء الذي قامت به محكمة (نورمبرغ) ان (11) مليوناً قتلوا في هذه المعتقلات، بينهم أربعة ملايين قتلوا في (اوسشفايتز) وثلاثة ملايين في (تريلنكا).

وكانت خطة (الفيلسوف) النازي (روزنبرغ) لإعادة ترتيب أوضاع السكان الروس تنص على إبادة 30 مليون من (السلاف) الذين اعتبرهم (أكثر وضاعة من اليهود). والابادة لم تكن لمجرد الانتقام من عمليات قوات الأنصار، فتعليمات الخطة توصي كل الصالحين للعمل كعبيد من اجل تطوير اقتصاد المانيا ولنمو الشركات الألمانية المقربة من (الأس أس).

إعداد الخطة لإبادة شعب كامل.

في محضر يدون لقاء بين (هملر) وجلاديه عام 1943 لتوضيح “الأوامر السوداء”…”ما يحدث للشيك او الروس امر لا يهمني. فمن أجل صحة الدم النقي لا يهمنا ان نأخذ الآباء من أبنائهم لخدمة صناعتنا. وإذا ما عاشت الامم الأخرى في بحبوحة ام عانت من الجوع. الأمر لا يهمني الا بمقدار حاجتنا لخدمة حضارتنا. ولكن ينبغي ان لا نكون قساة بلا قلب عندما لا تستدعي الضرورة ذلك”. أما كيف نفذ الجلادون وصية هملر في روسيا فيرويه (ايريش فون زيلوسكي)، رئيس عصبة مكافحة العصابات ومسؤول فرق (الأس أس) الخاصة مع مسؤول أمن الرايخ (اوتو اليندروف)، وأشرف كلاهما على عمليات الإعدام الجماعية في منطقة الشرق السوفياتي ..

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply