الإعلام والثقافة الفاشية
ليس بالقمع وحده تعيش الفاشية وانما بذلك التوازن المميز بين هذا القمع الشامل المنظم وبين الأجهزة الايديولوجية. ويترافق تصاعد القمع مع تدخل كثيف للأيديولوجيا لتبرير مشروعية القمع. وتهدف مركزة الأجهزة البوليسية تحت قيادة (الأس أس) الى التحكم بتصدير القمع والأيديولوجيا من مركز واحد.
والنازية التي تقدم الإرادة على الظرف الموضوعي ترى ان كل شيء يحل بالأيديولوجيا بغض النظر عن مدى قناعة الجماهير بالحساء الأيديولوجي المقدم اليها. فالنازية تنظر للجماهير ككتلة عجينية طيعة يمكن تشكيلها بالحملات الإعلامية وتكرار الشارات والخطب ولذلك تستخدم النازية بكثرة عبارات (اعادة صياغة، اعداد، تربية) الجماهير. وهناك أكثر من عنصر مشترك، وتبادل خبرة بين النازية الألمانية والفاشية الايطالية في فهم (سيكولوجيا الجماهير) وأساليب التأثير الإعلامي عليها. وترى الفاشية الجماهير من زاوية ضعفها فقط، وتحتقر هذا الضعف وتعمل على تكريسه لتسهيل التعامل مع الجماهير. هتلر يرى ان الجماهير تعيش حالة انثوية، وان ارادتها وأفعالها محدودة بواسطة الانطباع الجاري على مستوى الحواس أكثر مما هي محددة بواسطة التفكير، فالجمهور قليل التأثر بالأفكار المجردة، ولا تعرف الجماهير سوى العواطف البسيطة والمتطرفة. أما (موسوليني) فلا يشترط فهم الجماهير للفاشية كأولوية، المهم بالنسبة له هو انفعال الجماهير بها. ويقوم الاعلام الفاشي على مبدأ (النواة الفعالة والجمهور السلبي المنفعل)، وتسير العملية الإعلامية باتجاه واحد: من نخبة ارستقراطية تنتج الفكر الى جمهور مستهلك يبلعْ دون ان يهضم. ويمتد هذا التقسيم لاستقدام نموذج (الفرديات الساطعة) في اليونان القديمة زمن الرق، فينقسم المجتمع الى سادة وعبيد ويقوم على الحط من الأرقاء المنتجين الى مستوى القطيع، اما بطولة النبلاء فتقوم على ترويض وتدريب هذا القطيع وفصله عن العمل الفكري الخلاق واعاقة تطوره الشخصي، لأن العمل الفكري من اختصاص نخبة النبلاء غير المنتجة. واستناداً لهذا الإرث ترفض العنصرية الفاشية مبدأ المساواة لأنها تريد بناء ارستقراطية مفكرة وقائدة، وقطيع عددي من منتجين (لا يقدم الفرد منهم أي ثراء للعالم) على حد تعبير هتلر. ثم على السادة ان لا يخوضوا في تفاصيل العمل، انما عليهم تقديم معارفهم على شكل خلاصات وشعارات الى الجمهور المستهلك. وفي كتابه (كفاحي) يقسم هتلر الجمهور الى ثلاثة أقسام:
1- الذين يصدقون كل ما ينشر
2- الذين لا يصدقون كل ما ينشر
3 – الذين يفكرون بما يقرأون.
ويطالب هتلر الاعلام بالتوجه الى القسم الأول باعتباره يشكل الأغلبية الساحقة. فهذا الجمهور المدقع يشعر بالضيم، ولكنه لا يستطيع اولا يمتلك القدرة والإرادة للخلاص، ولذلك يستسلم في الغالب الى مشاعر قدرية يعطيها القوة لتأخذه معها. وقد استثمرت النازية فترات الأزمات العامة التي تكون الجماهير خلالها محكومة بالمؤثرات السريعة (تصدق كل ما ينشر). وكلما ضاق افق الجمهور أمكن تعميم العواطف الفطرية (الكراهية، الحب، الخوف، الخ) وقد استخدمت النازية الخوف من الأعداء كأداة رعب وتنويم للجماهير. ولكي تصل جرعاتها الى أوسع جمهور ممكن عمدت الى خفض مستوى اعلامها بقصدية مدروسة. ويحدد هتلر حجم الوعي في الدعاية:” الدعاية تحوي من العلم نفس المقدار الذي يحتويه الإعلان التجاري من الفن، بل وأقل من ذلك، فبراعة الرسام في الإعلان تكمن في لفت الأنظار لإعلانه”. وتريد الفاشية تجميد منطق الانسان وحسه النقدي بإدامة حالة الاضطراب. ولذلك اعتمدت على احياء الأساطير والطقوس القديمة لجر الناس الى الدين الجديد.
وكان موسوليني هو أول من انتبه الى الأسطورة، فمؤرخ سيرته (كريستوفر هيبرت) يقول ان موسوليني قرأ ملخصات حول مفهوم الأسطورة عند (سوريل) و (برغسون) ومنهما أخذ الشكل العاطفي المفرغ للأسطورة ورفعه الى مستوى الرؤيا، ثم حول هذا المفهوم الى ديماغوجية واعية واداة للتحريض. يقول موسوليني:” لقد وجدنا، نحن الفاشيين اسطورتنا، الأسطورة ايمان وهوى، وليس ضرورياً ان تكون واقعية. ان واقعيتها تكمن في تحولها الى مهماز ومحرّك لأنها تعطي الشجاعة”. وبقصد التأثير أراد موسوليني اظهار الفاشية بمظهر الرؤيا الصوفية الباطنية، وعلى هدى تقاليد روما القديمة اعتمد الرموز والطقوس الرومانية وأساليب الرقص والالحان والتعاويذ والزخارف الرومانية في الهندسة المعمارية. لقد استخدمت المظاهرات النازية الهتافات الصوتية التي اخذها الشاعر الفاشي (غابرييل دانونزيو) من الرومان مثل” أيا أيا، ألالا ألالا” كما استوحت الفاشية والنازية التحية الرومانية واستخرجتا الصليب المعقوف النازي و(حزمة الحصاد) الفاشية من بين الرموز الرومانية للتدليل على (الاتحاد قوة). لقد ارادت الفاشية والنازية الايحاء بانهما تتصلان بروح روما القديمة وانهما تبعثان تلك الروح في ديانة جديدة.
واستخدمت الفاشية والنازية الأشكال والألوان الموحدة لإشاعة روح الامتثال … شكل التحية، عبارة (هايل هتلر، حملة المشاعل في المسيرات، توحيد القمصان الرمادية الفاشية والبنية النازية.. عقصة شعر هتلر وشاربه أصبحا التقليد الثابت للشبان النازيين. لقد ارادتا خلق عبادة جديدة للرموز، وبتكرار هذه الرموز يتجرع الناس معناها ويمتثلون لها. وبهذه الطقوس والتقاليد ارادتا توحيد مجنديها الجدد الذين ينقصهم التجانس الاجتماعي.
وأولت الفاشية للصورة أهمية خاصة في إيصال الأفكار، واستخدمتها بغزارة. هتلر لخص برنامج حزبه النازي بالصورة التالية:”…. في اللون الأحمر نرى الاشتراكية حركتنا، وفي اللون الأبيض قوميتنا، وفي الصليب المعقوف نجد رسالة النضال لتحقيق النصر للرجل الآري”. وقد ابتكر هتلر فيما بعد الصليب المعقوف الذي يوضع على أذرع جنود العاصفة وأعضاء الحزب، كما صمم الراية النازية التي تظهر في الاجتماعات النازية مقتبسة من الرايات المعدنية الرومانية… وهي عبارة عن صليب معدني معقوف يعلو نسراً يقف فوق الحروف الاولى من اسم الحزب النازي.
وقد وضعت النازية علمها المشهور ولون قمصان مجنديها، حتى قبل ان تضع برنامجاً لحزبها. لأنها أرادت توحيدهم بالرموز والطقوس وليس بالفكرة.
وقد احتل البوستر حيزاً كبيراً في الاعلام النازي. فعندما كانت النازية تنادي الشباب وتتحدث إليهم نشرت أول بوستراتها عن شاب رياضي يركض على أرضية علم يحمل الصليب المعقوف، وفي مهرجانات الحزب النازي وزعت بطاقات تحمل صور (فريدريك الأكبر) و (بسمارك) و (هندنببرغ) و (هتلر) وتحتها عبارات تقول:” قام الأمير بتأليف ما احتله الملك، وتولى المشير الدفاع عنه، بينما تولى الجندي إنقاذه” وهكذا صور هتلر الجندي منقذ المانيا وخليفة الشخصيات التي خلقت المانيا. وفي معظم البلاد المحتلة كان جنود الصاعقة يلصقون بوسترات تظهر الجنود النازيين باسطين أذرعهم وعلى وجوههم ابتسامة عريضة لكل من يتعاون معهم. كما نشرت النازية بوسترات تظهر زنجياً امريكياً يسرق تمثال فينوس، وذلك لإبراز المانيا كحامية للحضارة الأوروبية من الشعوب الهمجية. ورغم ان الفاشية أعطت للصورة والكلمة المنطوقة الأهمية الأولى في اعلامها، الا أنها أوجدت لغة خاصة بها من المفردات في صحفها. وقد تابع الكاتب الألماني الديمقراطي (فكتور كلمبرد) بتحليل القاموس النازي في كتابه (لغة الرايخ الثالث) وأشار الى ان النازية اهتمت بإيحاء الكلمات ورنينها دون محتواها المادي. كما انها نزعت الكلمة من موقعها في الحياة والممارسة العملية واهتمت بإيقاعها الخطابي. وارادت من المواطنين تقديس الكلمات لذاتها كنوع من الديانة وامتداد للرموز. وقد تحدث (غوبلز) كثيراً عن المفعول الذي أحدثته الكلمات الكبيرة مثل (الإرادة، الأصالة، الإيمان…الخ). وبهذه الصفات ارادت النازية ايهام الفقراء والمقهورين بوجود قوى وهمية هي امتداد لإرادة الزعيم بحيث لا يعود المواطن قادراً على معرفة وضعه وامكانياته الحقيقية. وقد سجلت تقارير الشرطة الألمانية الارتفاع الكبير في نسبة الانتحار بين الشبان الذين صدمتهم الهزيمة ورفضوا تصديقها لأنهم شحنوا حتى العظم بتصورات عن قاهم الوهمية وقدرة الزعيم الذي لا يخطئ.
واعتمدت الفاشية أسلوب التكرار الكثيف لإرغام الجمهور على تقبل مفرداتها. وفسر هتلر ذلك بان” الجمهور ضيق العقل ضيق الذاكرة لذلك ينبغي للدعاية ان تركز على مفردات محددة وغير مركبة وتستمر في ترديدها بشكل ايقاعي يسّهل حفظها، ولذلك اعتمدت الفاشية على ترديد الهتافات مثل (المانيا فوق الجميع، او هايل هتلر). وقد اعتمد الشبان النازيون على ترديد نشيد (هورست فيسل) الذي يقول:” الصفوف متراصة، الجنود يسيرون بخطى ثابتة، ترفرف فوقنا أرواح الرفاق الذين سبقونا”. أما الفاشيون الإيطاليون فقد حذفوا النشيد الوطني واستخدموا بدلاً منه نشيدهم الفاشي (جيوفينيرا). ويصف (فكتور كلمبر) كيف ان الألمان عاشوا فيما يشبه الدوار تحت وطأة التكرار المستمر لهذه الهتافات والأناشيد. وقد انصب التكرار بدرجة أساسية على ابراز الدكتاتور نفسه بتعميم صوره في كل مكان، في الشارع، في المؤسسة، الدائرة، البيت، كشك التلفون. وذلك لتطويق لشعب بصورة الدكتاتور لتحويله الى قدر للألمان.
بطل مسرحية (بريخت)، (شفيك)، ينصح صديقه ساخراً: “لا تقل: هايل هتلر. ادمجها وقل: هايتلر، فهذا يعكس اعتيادك عليها ويثبت أنك ترددها حتى في نومك!”

Social Links: