منذ ثلاثين عاما و حميدي يكلم نفسه، خصوصا أثناء سيره في الشوارع، هو أسمر البشرة، قصير القامة، ضعيف البنية . يحب أولاده كثيرا، و يحرم نفسه من اللباس الجيد و من بعض أنواع الطعام، كي يوفر لهم مصاريف مدرستهم ….. أهل حي (طريق الباب) يعرفونه و يعرفون قصته، كما يعرفون سبب هذيانه ، لكنهم نادرا ما يتحدثون في الموضوع . علماء النفس قد يستطيعون تفسير حالته، لكنهم يعجزون عن معالجته أو مساعدته على الشفاء ….. كان يعمل في الشركة الإنشائية بصفة عامل عادي، و لديه سبعة أطفال، و قد زادت حالته تعقيدا و تدهورا في السنوات الأخيرة، و تحديدا يوم عاد إلى بيته، و هو عبارة عن حوش أرضي و فيه غرفتان، فوجده متهدما من جراء سقوط صاروخ عليه، نجت زوجته من الموت، فقط – و الحمد لله – لأنها كانت تبحث عن ربطتين من الخبز في الحي المجاور، بينما كان أولاده خارج البيت، يسعى كل واحد منهم وراء عمل أو رزق ….. حميدي، كما قلت لكم، رجل فقير الحال، أخرجه أبوه من المدرسة منذ الصف الثاني ليساعده في أعباء المعيشة، لذلك انقطعت طفولته، و بقي هزيلا حتى تاريخه . في البداية عمل مع أبيه في بيع البندوره، فكان يقضي يومه بالشوارع، يدفع أمامه العربية الخشبية مناديا : حمرا و ريانه يا بندوره … حمرا و ريانه يا بندوره … بعدها زوجوه ابنة عمه التي أضحت كاليتيمة بعد أن توفى والدها بتشمع الكبد و هي صغيرة، و تزوجت أمها من مصلح البوابير ….. نقلوني في الشركة الإنشائية إلى شعبة الرواتب و الأجور، و كان راتب العامل العادي لا يتجاوز الأربعمائة ليرة، لكن أمثال حميدي، الذين ينجبون أولادا كثيرين، لن تكفيهم ألف ليرة في الشهر ….. بعد أربعة أيام في المنفردة، سأله المحقق : من هم الأشخاص الذين تتعامل معهم ؟… حميدي : يا سيدي و الله ما في حدا … المحقق : لا تجدبا علي، نحنا منعرف الجن وين قاعد … حميدي : سيدي و الله ما في حدا … المحقق : طيب ، لكان قل لي منين جبت الأقلام ؟… حميدي : من سوق الجمعة سيدي … المحقق : هلق بدك ياني صدق أنو اشتريت أقلام الرصاص من سوق الجمعة ؟… حميدي : و الله يا سيدي من سوق الجمعة، صحللي دستة أقلام بنص ليره و اشتريتا، شو عرفني أنو صنع إسرائيل، أصلا أنا ما بعرف أقرا ….. بعد خمسة عشر يوما، خرج حميدي من التحقيق، و بدأ يكلم نفسه، لكنه أوصاني أن لا أذكر في القصة أنه تعرض للضرب أثناء التحقيق، و قال لأحد العمال في الإنشائية : أنا كنت بدي أفرح ولادي بالأقلام، حتى ما يشعرو بالنقص من رفقاتن بالمدرسة، أنا شو عرفني أنو صنع إسرائيل، بعدين مين وصل الأقلام لسوق الجمعة ؟ و شلون عبرت الحدود و دخلت للبلد و مشت و مرقت حتى وصلت لعندي و طقت براسي ؟
….. قال كنا عايشين قال ….

Social Links: