جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 19 ــ

جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 19 ــ

 

الرومانسية الفولاذية ..

في حفل افتتاح المجلس الثقافي للرايخ حدد (غوبلز) شكلاً وحيداً للثقافة الألمانية (الأصيلة) وشكل الثقافة التي تريدها النازية “اعتماد الرومانسية الفولاذية” وقد الغت غرفة غوبلز الثقافية الحدود الفاصلة بين الثقافة والاعلام واعتمدت الرومانسية اسلوباً لاستخدام الثقافة استخداماً نفعياً من اجل اثارة وتوجيه الحماس والانفعال لدى الجمهور. واغرقت النازية سوق الكتب بطبعات شعبية من الشعر والنثر الخطابي الذي يمجد التقاليد الألمانية وإرادة الفوهرر.

لقد جردت النازية الرومانسية الألمانية من طابعها الإنساني واعادتها الى أسوأ مظاهرها، مثقلة بالمثالية والصوفية. فقد أنهك النثر الألماني بأثقال متكررة من سلاسل المفردات الخطابية الفخمة (الأمة، الإرادة، الأصالة) وهي كلمات منفصلة عن الممارسات الحياتية وليس لها تجسيد مادي، كلمات تمت صياغتها لذاتها يرادفها الايحاء أكثر من اشراك الوعي. كما استخدم الأدب النازي صفات لا علاقة لها بالموصوف، صفات تريد ان تغرّب العمل الإنساني وتربطه بأفعال الطبيعة مثل (اللهب، النهر، الهدير، والفولاذ).. وبهذه الصفات ارادت اغراق المواطن الرث المدقع بقوى وهمية. وفي توجيهاته المستمرة للأدباء والفنانين كان المجلس الثقافي يؤكد على ضرورة ابراز مظاهر الصحة الروحية والسعادة والأصالة الخلقية عند الألمان، وإبراز النموذج الايجابي وتجنب تصوير حالات الضعف والكآبة التي تؤثر على معنويات الالمان. وذلك لتمييع الحس النقدي عند الالمان وتغريبهم عن الواقع الحقيقي الذي يعيشونه. وقد استخدمت النازية الصفات المطلقة كثل (السرمدي، الابدي، الخالد) لمعارضة تغيرات الزمن والتأكيد على ثبات المفاهيم. كما اعتمدت النازية على ما اسماه (غوبلز) ب (الرومانسية الفولاذية)، في كل الفنون. ففي السينما تم تقديم أفلام (ليلى هوفمنستال) التي تعتمد اللقطة البعيدة في تصوير الاستعراضات العسكرية والمهرجانات الخطابية، على انها النموذج الذي يفضله هتلر. وفي الهندسة كان المهندس الفاشل هتلر، يخطط مع صديقه المهندس (ألبرت سبير) ابنية وشوارع تعتمد الفخامة الجوفاء، والعمارة الكلاسيكية الوهمية. وبغرور يوازي غرور (نيرون) افتتح هتلر المبنى العملاق للرايخ الثالث باعتباره “فاتحة فن اصيل يخلد الذكرى الالفية للحكم الاشتراكي الوطني”. ويدّعي هتلر انه هو الذي صمم (بيت الفن الألماني) مقتدياً بالصروح الرومانية، ويروي صديق هتلر المقرّب (ألبرت سبير) كيف انه قضى مع هتلر ساعات طويلة يتدارسان فكرة إقامة مدينة مثالية باسم (جرمانيا) تكون نموذجاً للمدينة المستقبلية النازية.. مدينة قائمة على التناظر والتوازي، مليئة بالمدرجات، وعلى جانبيها ابنية فخمة قائمة على الأعمدة، يشعر الانسان فيها ب (القدسية والتلاشي).

وفي الموسيقى قدمت النازية الحان (ريتشارد فاغنر) الملحمية الجهورية باعتبارها اساساً لعملية التجديد التي تريدها اللجنة الموسيقية في الرايخ. لقد أُعْجبَ هتلر بموسيقى (فاغنر) وبحياته ففرضه على الالمان باعتباره موسيقيْ المانيا الرسمي والشعبي. وقد رعَتْ النازية حركة (الموسيقى الشابة) التي تعتمد الالحان الشعبية واغاني ومارشات المعركة.

لقد اخضعت النازية الفنون والآداب لعملية لها مقتضيات أيديولوجية فوقية لتسييس قسري جعل الثقافة امتدادا للدعاية النازية. وقد تجلت هذه الأدلجة والتسخير الإعلامي خلال الحرب، حيث ارادت النازية من الأدب ان يكون فرقة استكشاف تسبق الدبابات. وفي الوقت الذي أحرقت فيه كل الكتب ذات النزعة السلمية (بحجة انها مائعة) وأصبحت الحرب الموضوع الأول في الأدب النازي، ففي كل مكان كان الكتاب يهينون ويحطون من قيمة الكلمة، في مقابل الرصاص وقطرات الدم التي تسقط في المعركة. لقد قدّس الادب النازي الحرب، ليس باعتبارها ردّاً على هزيمة (ولهلم الثاني)، انما قدّسها لذاتها، باعتبارها مدرسة أخلاقية لتجديد الحياة والمجتمع.

لقد وصف النثر النازي حالة تحرر الإرادة مقترنة بإطلاق النار والاندفاع في لهيب الحرب. ولا يتردد الجندي النازي على الاطلاق ولا يخاف، انما يندمج في الكتلة المهاجمة مثلما ارتفعت النبرة الجهورية الخطابية التي تتغزل باندفاعة الجندي العمياء، وبالتالي أصبحت الحرب تعبيراً نبيلاً عن حرية الانسان. وفي كتابه (مستقبلنا) ذكر (ارنست برترام) “لا يجب اعتبار الحرب الرامية لأهداف مثالية، او للمحافظة على امة نبيلة، شيئاً بربرياً، بل هي ارفع تعبير عن الحضارة الفعلية وضرورة سياسية في صالح التقدم البيولوجي الاجتماعي والأخلاقي”. وقد تغزل الشعراء النازيون بالدم الذي يسيل في ساحة المعركة، واستخدموا الرمز الروماني حول التطهر على مستوى الامة بتقديم دماء القرابين البشرية لإنقاذ الوطن. كل قصائدهم كانت تعتبر الاستشهاد بحد ذاته غاية لا تقاس بالهدف ولا بالوعي.. “كثير من الدم يجب ان يسيل على هذه الأرض لكي نصنع منها وطناً” هكذا كتب (هانز كاروسا) في واحدة من قصائده. ولقد سبق الاديب النازي حتى فرق العاصفة النازية حين ردد في قصيدته  : ” الى الهجوم، الى الهجوم … اقرعوا الاجراس من برج لبرج!”

وكانت الدعوة للتضحية والاستشهاد تتردد بإصرار في الأدب النازي. لقد وصفت قصائد الشعراء النازيين ذلك النوع من الناس الذي (يضحي وهو مبتهج)، وكانت بهجة الموت مخصصة للناس الذين وصفهم هتلر (حياتهم لا تقدم للعالم أي ثراء) أي للفقراء الذين يصعب عليهم الحصول على سعادة دنيوية. وقد كتب الشاعر (ارنست برترام):” القبور وحدها تخاطب الوطن”. وكانت الغرفة الثقافية النازية تدعو الكتاب لأن يجعلوا كلماتهم صدى لرصاص المعركة واداة تحريض لتجديد الجبهات بمزيد من الدماء.

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply