_ ثورة البريد الإلكتروني
الإيميل مفتاح الشخصية ورمز تواصلها الافتراضي
مبدعون وعلماء يخجلون من أميتهم الإلكترونية
بعد الثورة المعلوماتية العظمى- ثمة أدوات تواصل عديدة تلاشت، وحلَّت مكانها أدوات أخرى، ومن بينها طريقة التواصل عبر الرسائل، إذ أن من يتتبع تاريخ تطور البريد، يجد أنه مرَّ بأطوار كثيرة، إلى أن استقرَّ على أنموذج البريد التقليدي العالمي المعروف، حيث لكل بلد بريده، ضمن شبكة عالمية، وكان المأخذ على هذا النوع من البريد أنه قد تستغرق الرسالة إلى أن تصل من المرسل إلى المرسل إليه أياماً ضمن البلد الواحد، ويصل الأمر إلى أن تستغرق الرسالة أسبوعاً أو أكثر، إذا كانت موجهة إلى بلد آخر، وكانت الرسالة معرَّضة للضياع، إلى أن تم إيجاد البريد المضمون، بل إنه في العقد الأخير من الألفية الماضية انتشر البريد العالمي السريع ليشمل كل مكان، بيد أن هناك من كان يمارس دوره الرقابي في التلصص والإطلاع على مضامين هذه الرسائل، بل ومصادرتها، ومحاسبة مرسليها، في ما لو تجاوزت ما هو مسموح في أعراف البلدان التي كانت تفرض أنواعاً مختلفة حتى على الرسائل المتبادلة بين الناس، ولكم من رسالة أدَّت إلى اعتقال مرسلها والمرسل إليه، إن كانا في متناول قبضة سلطة الرقابة، في بعض دول الاستبداد.
ولعلَّ ما كان مؤلماً أن ملايين الرسائل تعرَّضت للمصادرة، وثمَّة من قد ينتظر رسالة منذ خمسين عاماً، أو أكثر، من دون أن تصل، بل إن وصول رسالة ما من مثل تلك الرسائل كان سيغيِّر أوضاع هذا الشخص، أو ذاك.
وكيفما كانت قبضة الاستبداد، فإنَّ للرسالة البريدية التقليدية نكهتها، وطقوسها، وسطوتها، وسحرها، بالنسبة إلى المرسل، والمرسل إليه، في آن واحد، فلا يزال بيننا من يحتفظ بعشرات الرسائل الأثيرة بالنسبة إليه، فهي توقظ في أعماقه ذكريات ما، مفرحة، أو محزنة، بل إنها لتحمل رائحة أنامل، وخطوط، وحبر كتابها، ناهيك عن أشكال ودلالات الطوابع، والأختام التي تحتفظ بها.
والآن، نحت الرسالة منحىً آخر، في ظلِّ ثورة التكنولوجيا العملاقة، هذه، حيث بتنا أمام ثورة في عالم الرسالة، فليس هناك، ورقة، أو قلم، أو حبر، ولا مغلَّف، بل هناك لوحة مفاتيح تحتضن حروفاً باردة، خرساء، ما أن يضغط عليها أحدنا حتى ترتسم حروف هندسية على شاشة حاسوبه، وصارفي مكنة من يريد توجيه رسالته، إلى من يشاء، في أي طرف من أطراف المعمورة، كي تكون بين يدي المرسل إليه، بعد الضغط على عبارة” enter” ” بل وقد يستطيع أن يوجه رسالته إلى أعداد هائلة من المتلقين المعروفين، أو المجهولين، موفرة الكثير من الوقت والجهد، بيد أن هذه الرسالة باتت غارقة في لهاث عصر السرعة، إذ تكتب بأقل ما يمكن من مفردات، حيث لم يعد ثمة فرق بين نعوة، أو أية رسالة وجدانية أخرى، إذ تمَّ ابتذال معاني أشياء كثيرة، من بينها “رسائل الحب” التي باتت تكتب على عجل من أمر كتابها، إما عبر البريد الإلكتروني، أو عبر وسائل الدردشة الأخرى، فاقدة الحياء، متهتكة، أو مبتسرة، باردة، بعيدة عن تلك الحميمية التي كانت تشعلها في نفوسنا، لذلك فهي-في الأغلب- تنزع نحو رسميتها، ويكاد أسلوب الكاتب الأصيل، يتاخم أسلوب التاجر، حيث لا مجال للتمايز، فالمتلقي في عجلة من أمره، ليس لديه المزيد من الوقت كي يقرأ رسائل مطوَّلة. كما أن المرسل نفسه، مشتتٌ، مبعثر، أمام كم كبير من الرسائل التي سيكتبها للناس، لأن شبكات التواصل مع الآخرين قد ازدادت حقاً، بيد أنها تكاد تكون شبكات واهية، مادامت هي افتراضية،في نهاية المطاف، بل إن بريد كل شخص بات يجمع بين الرسائل المهمَّة، والرسائل المتطفلة، والرسائل الاستفزازية التي قد ترسل من قبل مجهولين، ناهيك عن أن هناك رقابة جديدة من قبل بعض دول العالم على هذا البريد، بالإضافة إلى أنه بات لبعض العابثين سطوتهم، وإمكانهم في أن يخترقوا علبة بريد أي شخص، كقراصنة أو هاكرز، وقراءة ما به، أو تحطيم البريد كاملاً، لاستعادة سلطة القرصنة، على نحو آخر، إذ بات كثيرون قلقين على بريدهم اليومي، وما أكثر ما يقوله بعض المدونين أو النشطاء الذين تعرَّضوا للاعتقال، في بعض بلدان الثورات الشعبية، عن أباطرة ” أمن المعلومات” الذين كانوا يضغطون عليهم، للإطلاع على بريدهم، فما أكثر تلك الحالات التي كانت أجهزة التحقيق تفرد رسائل بعض من تستدعيهم، أو تعتقلهم أمامهم!، قائلة لهم: انظروا إلى ما ورد إليكم، وما كتبتموه، ضاربة بكل حقوق المراسلة، وفق مواثيق حقوق الإنسان، عرض الحائط، كي يكون ذلك من عداد الوثائق التي ترفق بضبوطات التحقيق، لإلحاق المزيد من الأذى بهؤلاء المدوِّنين…!.
لقد غدا البريد الإلكتروني جزءاً يومياً من حيوات نسبة عالية من مستخدمي الإنترنت، في شتى أنحاء العالم، حيث علبة البريد ليست في مبنى خاص بالبريد، ولا تدخل الرسائل القادمة في صندوق حديدي، أو خشبي، على مدخل المنزل، أو قرب باب أحد، بل يمكن الحصول عليها، إلكترونياً، بوساطة الحاسوب، أو إحدى شركات الgmail، أو hotmail، أو الyahoo، من أمَّات شركات دعم البريد الإلكتروني، وغيرها من الشركات الصغيرة، أو الخاصة بهذا البلد، أو ذاك. كما أن البريد-التقليدي- بات مجرَّد فلكلور تراثي، يوماً بعد آخر، وبات استخدامه نادراً، وفي نطاق ضيق جداً، إلا في ما يتعلق ببعض الرسائل الرَّسمية، التي باتت تبتلعها الحكومات الإلكترونية، ليتمَّ الاستغناء تدريجياً عن الصندوق البريدي التقليدي، ويصبح مجرد ذكرى، يقرأ عنه الجيل الجديد، في بعض القصص، والروايات، وهم يصنعون لغتهم الجديدة، مختزلة، بعيداً عن البلاغة، والديباجات المعروفة، بل ومن دون أن يكون في مكنة العاشقة أن ترسل خصلة من شعرها إلى من تحب، وليس في إمكان حبيبها إرسال وردة إليها، أو هدية، حيث تمت الاستعاضة عن كل ذلك بورود إلكترونية، وابتسامات إلكترونية، وقبلات إلكترونية، وبات الإعجاب الذي يبدو-عادة-من خلال عبارات دافئة، أو ملامح معينة تظهرعلى سيماء الوجه، تترجم إلكترونياً من خلال مجرد”ضغطة” على”الماوس” فحسب، لتكون علامة الإعجاب صورة قبضة يد متأهبة الإبهام…!.
وإذا كان البريد التقليدي، يصل مرة، خلال الأسبوع، أو اليوم، إلى متلقيه، فإن النَّقلة الكبرى قد تمت بأن يكون بريد أيِّ شخص من المليارات السبعة، في العالم، مفتوحاً، على مدى الأربع والعشرين ساعة، مادام الشريط الزمني بين لحظتي الإرسال والتلقي بات معدوماً، وهذا ما قد ينعكس على كثيرين، إذ يغدون مدمنين، يكادون لا يتركون حواسيبهم، برهة، منذ أن تنفتح أعينهم، إلى لحظة إعيائهم، بعد أن يضطروا للخلود إلى النوم، وهم مستوفزين، قلقين، متوترين، كي تصبح شاشة الحاسوب فضاءهم اليومي، لا يبرحونها البتة، وهذا ما يغدو في جوهره حالة مرضية، لابد من الاستشفاء منها،لأن العلاقة بالحاسوب، يجب أن تكون مدروسة،منضبطة.
والبريد الإلكتروني مجانيٌّ، غير مكلف،في حال توافر الإنترنت، فقد غدا في استطاعة كل شخص في الأسرة الواحدة، أن يكون له بريده الخاص، بل صار في استطاعة الفرد الواحد، أن يكون له ما يشاء من حسابات إلكترونية، مجانية، خاصة وإن البريد الإلكتروني، يفترض أن يتم عبره التواصل بين المرسل والمرسل إليه، من دون الاعتماد على أي وسيط آخر، فما أكثر ما كان البريد التقليدي يتعرض لإطلاع عدد لا متناه من الوسطاء، منذ لحظة إيداع الرسالة بريد مكان الإرسال، إلى تلك اللحظة التي تصل يد متلقيها، بوساطة بريد بلد التلقي، وسلسلة العاملين في بريد هذا البلد، ناهيك عن إمكان تدخل الأيدي الوسيطة بين هذين البلدين، ولقد عرف-ساعي البريد المزيف- الذي كان يحوِّل مضامين الرسائل رأساً على عقب، إلا أن البريد الإلكتروني حياديٌّ، تجاه بريدي الإرسال والاستقبال، لاسيما في تلك البلدان التي تحترم مواطنيها، وخصوصياتهم.
وللبريد الإلكتروني ما يكفي من حصانة لئلا يتمَّ اختراقه، حيث أن لكل مشترك فيه كلمة مروره، وقد تكون حروفاً أو أرقاماً أو إشارات، أو يتمَّ الجمع بين كل تلك الأدوات معاً، وهي أشبه بمفتاح البيت، أو صندوق البريد الشخصي، ولعلَّ كلمة المرور أكثر أماناً حتى من مفتاح البيت، وإن كان هناك خطر يلوح به “الهكرز” في اقتحام خلوة البريد، والإطلاع على مكنوناته، أو تحطيمه، وهذا ما يدفع بالمشترك أن يكون جدَّ حذر على”إيميله” وهو البريد الإلكتروني، لاسيما وأنه قد يكون بعض هويته.
كما أن البريد الإلكتروني، بات يتطوَّر، يوماً بعد يوم، حيث يستطيع صاحبه حذف ما يريد من رسائل متطفلة، والحفاظ على بعضها الآخر، بل وتصنيف رسائله، بحسب أهميتها، وصارالبريد”حافظة أسرار” صاحبه، يودع فيه ما يريد من إرشيف شخصي، ليفتحه أينما حل، ولم يعد من يريد السفرمن بلد إلى آخر حمل مخطوطاته ووثائقه معه، لأسباب كثيرة، وفي مقدمتها الرِّقابة، بل يودعها في صندوقه البريدي، ليتناولها، بالشكل الذي يريد بعد أن يحطَّ الرِّحال، في مكان أكثر أمناً وحرية.
كلُّ ما ذكر، هو جزء بسيط من عالم البريد الإلكتروني، الذي باتت دائرة مستخدميه تتوسع، إلى أن بلغ الأمر تلك الدرجة التي بات المرء يحسُّ بإحراج كبير، حين يكون بلا بريد إلكتروني، ليكون ذلك جزءاً من شخصيته، وهل أدلَّ على ذلك من أن البطاقة التعريفية” البزنز كارد” لأي مثقف، أو فرد، إن لم يتضمن بريدهما الإلكتروني، فإن ذلك يدل على وجود فجوة، أو نقص، في هذه البطاقة، أو هذا الشخص، إنه الجزء المكمِّل لشخصية أي منا حقاً، أو لسنا نتبادل هذه البطاقات التعريفية، أنى التقينا بأناس جدد، وكأنها صورنا الشخصية، أو موجز شخصياتنا، وحيواتنا؟، ولعل “الإيميل” يغدو تلك العروة، أو الآصرة، التي تربطنا بالآخرين، مادمنا نكاتب بعضهم، لتكون الكتابة، أكثر سطوة وأشدَّ إيقاعاً وتعبيراً عن النفس، للاتصال مع العالم الافتراضي، مترامي الأطراف، والعابر للحدود، والقيود، والقارات…..!؟.
إن أيَّ مقال لمفكِّر، أو كاتب، أو باحث، أو عالم، إن لم يكن مذيلاً ببريدهم الإلكتروني، بات نقيصة، وكأن في تثبيت الإيميل منجاة من تهمة الأمية الإلكترونية، وإشارة رمزية لولوج صاحبه في لجة العالم الافتراضي، حتى وإن كان هناك، من هو قادر أن يكتب أجمل القصائد، والقصص، والروايات، أو البحوث الفكرية، أو الفلسفية، بيد أنه غير قادر أن يتعامل مع بريده الإلكتروني، دون الاستعانة حتى بطفل له، في الصفوف الدراسية الدنيا…..!؟.
إساءات إلكترونية :
لا يزال العالم برمته تحت سطوة الانبهار بالقفزة الهائلة التي أنجزتها ثورة الاتصالات، بعد أن استطاعت وسائل الاتصال المتعددة أن تحقق مقولة “العالم قرية واحدة” عبر الشبكة العنكبوتية والصورة الإلكترونية على حد سواء .
وإذا كان الجانب المضيء مما تحقق في هذا المجال بادياً للعالم بأسره، ومن بين ذلك ما ينسب إلى الإعلام والصورة الإلكترونيين، بأن لهما دوراً كبيراً في نشر المعلومة، وتقريب وجهات النظر في الكثير مما يجري من حولنا، وإن كان هناك من يحاول توجيه هذه المعلومة وفق رؤيته، والسعي للتضليل، إلا أن كل هذا يعد لا شأن له، أمام ما تكتسبه المعلومة الصحيحة عبر مصداقيتها، في التأثير الواضح في الرأي العام .
وبدهي أن الفضاء الإلكتروني أتاح من جملة إنجازاته الهائلة إمكان التواصل بين الناس، أنى تواجدوا، ليوفر في عالم المراسلات الكثير من الوقت والجهد، حيث كان على المرء أن ينتظر، في ما قبل، أياماً وأسابيع، حتى تصله “رسالة” أو “طرد” بريدي، من الطرف الآخر، وكان يحتاج إلى وقت مماثل لأن يصل ردّه إلى الآخر، إلا أنه الآن بات يستطيع أن يختصر الزمن الذي تحتاج إليه الرسالة، إلى مجرد ثوان، بعد أن يضغط بإصبعه على إشارة الإرسال في “لوحة المفاتيح”، وهو الزمن نفسه الذي يلزم لتلقيه الردّ على ما يكتب .
إن تأمل مثل هذا “الاختصار” لعامل الزمن في مثل هذه الاتصالات، وحدها، من قبل الفرد، يومياً، عبر مراسلاته مع الآخرين، يبين أنه قد تم توفير وقت هائل بالنسبة إليه، فكيف بنا إذا نظرنا إلى الوقت الذي يتوافر لهذا الإنسان، طوال الشهر، أو العام، بل إننا نكون أمام كم هائل من الزمن، إذا تم حساب كل ذلك الوقت الذي يتم توفيره، بالنسبة إلى الأسرة الواحدة، أو البلد الواحد، وبالتالي بالنسبة لمجموع المستخدمين في القرية الكونية .
وإذا كان عالم الإلكترون، ضمن هذا الحيز، وحده، في التواصل بين الناس، أفراداً ومؤسسات، ودولاً، قد وفر على البشرية وقتاً عظيماً، شاسعاً، فإنه من الممكن أن يتم استثماره من أجل خدمة الإنسان، أينما كان، ناهيك عن أن من شأن توافر الاتصالات الأكثر سرعة، توثيق العلاقات الإنسانية بين الناس، ولمّ شمل الأسر التي طالما افتقدت خيط التواصل بين أفرادها، وهو ما يضع حداً للفرقة، والعزلة، والنفور، بل ونبذ كل ما يشوب طهر هذه العلاقات، من خلال تعزيز أواصر المحبة والتعاون والوئام، بما يخدم البشرية جمعاء .
بيد أن ما يجري الآن، وفي هذه المرحلة الانتقالية بين ضفتي عالمين يمكن وصفهما ب “ما قبل مصالحة الإنسان مع ذاته والآخر، وما بعد هذه المصالحة”، أن هناك من لا يزال يتصرف بذهنيته القديمة، من خلال الإساءة في استخدام “نعمة الإلكترون” عبر الإصرار على إقلاق غيره، وإرسال معلومات خاطئة، أو رسائل إزعاج لمتلقين محددين، مستفيداً من هامش الحرية الذي يتيحه هذا الفضاء، وفي ظل كسر شوكة الرقابة على “البريد الإلكتروني” لنكون أمام رسائل مضللة، استفزازية، ترسل بأسماء مستعارة، إلا أنها تبقى في حدود معينة، وها هي تتراجع، وتنحسر، يوماً بعد يوم، أمام ما يفرضه هذا الفضاء من حرية، وما ينشره من محبة، هما أسطونا مستقبل العالم، بالتأكيد .
يتبع ..
Social Links: