مخاض المصطلح الجديد (11/2) ــ إبراهيم اليوسف

مخاض المصطلح الجديد (11/2) ــ إبراهيم اليوسف

 

_ ذروة الضمير الجمعي :

بات الحديث عن أخلاقيات الخطاب الثقافي، يزداد يوماً وراء يوم، ولاسيما في ظلّ هذا الانتشار الهائل لوسائل وقنوات النشر، الإلكترونية منها والورقية، ناهيك عن الوسائل والقنوات الأخرى المرئية والمسموعة، إذ صارت جميعها تلهث وراء التقاط المعلومة التي ستقدمها وفق طريقتها الخاصة، وبما يخدم أجنداتها وسياسات النشر عندها .

وإذا كانت ثورة الاتصالات والمعلوماتية قد استطاعت أن تحول العالم – كما يقال – إلى قرية صغيرة، وباتت المعلومة تصل إلى أي مكان في العالم، ربما قبل أن يتمكن قاطن الشارع أو الحي الذي تم فيهما الحدث الإطلاع عليه، وهو ما يؤثر في الرأي العالمي، لدرجة أن أية دمعة تسيل من عيني طفل، أو أية أنة يصدرها جائع أو جريح، أو أي منظر فظيع من مناظر العنف التي تضخها الشاشات، أوغيرها من وسائل الاتصالات، تجعل الضمير العالمي كله شاهداً عليها، بل إنه يتخذ موقفه الأخلاقي منها، الأمر الذي بات يهدد آلة الشر-أينما كانت-لأن مثل هذه المناظر المروعة لا مناص من رؤيتها، وبتنا نتابعها منذ أن نفتح أعيننا، لنظلّ تحت أسرها، على امتداد ساعات نهاراتنا، ونكاد لا ننفك عنها، ونحن نكمل ملامح ما يجري تارة عبر الرائي، وأخرى عبر الجريدة، أو غيرها مما قد غدا متاحاً أمام جميعنا .

ومادام ثمة ضمير جمعي بات يبرز على نحو واضح، في ظل مثل هذه الثورة في عالم الاتصالات والمعلوماتية، فإن هذا الضمير صار يبلغ آماده القصوى، وتوسعت دائرته على نحو يكاد يشمل العالم أجمع، وهو ما يمكن وسمه “بالضمير العالمي” الذي غدا يؤسس ل “الرأي العالمي” تجاه ما يدور في العالم، خلال مدد زمنية وجيزة جداً، الأمر الذي كان يحتاج في ما قبل إلى مزيد من الوقت والانتظار، حتى يتم قبوله، وانتشاره، والإقرار بمصداقيته، وهو ما يساعد على تمييز “الخيط الأبيض من الأسود” في كل قضية يتم تداولها من حولنا .

ولعلّ آلة الشر المشار إليها، لن تقف مكتوفة أمام هذا الصدع اللافت الذي ينال منها، حيث باتت تظهر على حقيقتها، وتتضاءل دائرة سطوتها باستمرار، وينحسر جبروتها، أمام انكسار هيبتها الزائفة، التي باتت تتداعى إزاء انكشاف ِخدعها التي تمارسها أمام أعين العالم، ما يدفعها في مثل هذا المقام، لأن تطور أدواتها، في المقابل، وهو ما يرتب عليها إطلاق الذرائع الواهية، وقلب المعايير، بل تزوير الحقائق، من خلال تزيين صورة المجرم، وجعله ضحية، وتحويل الضحية إلى مجرم في الوقت نفسه .

وبدهيٌّ أن هذه الآلة العتيدة ستعتمد على طوابير من أدعياء الكتابة، ممن هم مستعدون، باستمرار، للانخراط في الانضمام إليها، والإسهام معها في تزوير الحقائق، وفق ما يملى عليها، بل والشروع بابتكار المسوغات المطلوبة منها لأداء مهماتها اليومية، ضمن جسد مثل هذه الآلة، لعلها تستطيع أن تحقق بعض ما يطلب من توازن، لا مستقبل له، لتواصل هذه الآلة هيمنتها، وتمرير خططها المعادية لكل مفاهيم الخير، والعدل، والجمال، بيد أن تنامي مثل هذا “الضمير الجمعي” واستطاعته قراءة الحقائق كما هي، اعتماداً على قدر عال من الوعي، بات عقبة كأداء في وجه جبروت هذه الآلة الرعناء والملحقين بها أينما كانوا .

 – الكتابة والكاتب :

_ اللاكتابة

  • ما نقيض الكتابة؟

قد يتفاجأ الكاتب، أمام سؤال من هذا النوع”، وهو سؤال إشكالي، يبدو طرحه الأولي، في غاية السهولة، بل تبدو الإجابة عنه واضحة، بيد أن الأمر في حقيقته، أبعد من ذلك، في ما إذا تم وضع النقيضين: الكتابة واللاكتابة، على طاولة التشريح، حيث أن هناك عالمين، لكل منهما خصوصيته، حتى وإن تواشجا، في ذهن أحدنا، لأن الحديث عنهما ليذكر بالحديث عن” اليقين” أو” اللايقين”، “الشيء” “أو اللاشيء”، أو”الوجود” و “اللاوجود””الفعل” و” اللافعل”، “الحدث” و”اللاحدث”، وهي سلسلة متناقضات لا يمكن أن تجتمع إلا من قبيل الطرح الافتراضي، في ذهن أي منا، في لحظات التجلي، والبحث، ونحن نمضي في مقاربة المشخص بالمتخيل، في محاولة لنا شخصنة المتخيل، بما يجعلنا في مواجهة الحدود الفلسفية.

لقد كانت الكتابة، منذ اكتشافها الأول، من قبل الكاتب الأول، عبر التاريخ، محاولة لتوثيق لحظته،وعالمه، في مواجهة النسيان، كي تتطور تدريجياً، مبدعة أشكالها، المتعددة، لتصل إلى طورها الحالي، في كل حضارة إنسانية، متواصلة، بين ماضيها، وحاضرها، وغير بعيد عن التفاعل الحضاري الإنساني، على امتداد المراحل الزمنية، من دون أن يتوقف التطور عند الشكل الكتابي، المناسب، الذي استوعب حركة الحياة، منذ رصدها الكتابي، وحتى اللحظة المعيشة، كي يغدو التدوين حاضناً للمدون- بفتح الواو المشددة- غير بعيد عن أهواء المدوِّن-بكسر الواو نفسها- وهو ما يجعل الكتابة غير بريئة، وغير حيادية، من قبل القائم بها، وهو الذي يدأب ممارسة هذا الفعل، من خلال جملة مصالحه، وتصوراته، بعكس الصورة، التي يفترض-نزاهتها- لأول وهلة، بابتعادها عن سطوة ملتقطها، وإن كان في إمكان هذا الأخير-أيضاً- تطويع الصورة في خدمة مثل تلك المصالح والرؤى التي يفرضها المدوِّن، حيث لا كتابة بريئة، وهي العدوى التي ستنتقل إلى الصورة، في زحمة الصراع بين الأضداد والقيم.

وإذا كانت الكتابة، وهي أسُّ الوحي، وحاضنته، قد ولدت تحت سطوة الحاجة، من قبل أول من ترك أثراً على جدار كهف، أو على رُقم، أو نحوهما، وهي محدودة تاريخ البدء، بهذا الشكل من التأريخ، فإن اللاكتابة هي الأقدم، وهي المنتهكة بالكتابة، بل إن فضاءاتها مكونة من دعامتين، هما: “اللاوعي”، في جزء منه، و”التبطين” عكس المراد، أو سوء الطوية، في جزئه الآخر، وكلاهما الخطر على الكتابة، وهما تلتقيان في”النتيجة”، وإن كانت اللاكتابة”العامدة” تضاداً، ومواجهة للكتابة، وقد يدخل محو الكتابة، ونسف الكتابة، ومقاصل الكتب، ومحارقها، بل وحتى  نهب الأوابد،  والآثار، ضمن هذا الإطار ذاته، بل وتستوي الكتابة، و اللاكتابة، في حالة الوعي بهما- حيث الكتابة معطى  عال للوعي- في أن كليهما موقف من الحياة، وما فيها من حركة دائبة أزلية منذ بداية الخلق وإلى هذه اللحظة الكتابية.

اللاكتابة، هي أيضاً تاريخ، وهي سلسلة أحداث،  تحاول الكتابة، منذ نشأتها، ملامسة مكنوناتها، وعوالمها، من خلال كشف النقاب عنها، من قبل الكتابة المحايدة، في إطار مواصلة الكشف المعرفي،  وإن كانت الكتابة- مسبَّقة التأطير- أو الكتابة المؤدلجة، تمارس فعلها، وانتهاك طهارة الكتابة، كي تكون إلى جانب الكتابة واللاكتابة، الكتابة”اللاكتابة”، واللاكتابة” الكتابة”، على اعتبار أن كتابة الزّيغ هي مفسدة للفعل الكتابي كاملاً، كي تكون هناك، بالتالي : كتابتان متناقضتان، للمكتوب عنه ذاته، بل لانهاية لها من كتابات…!

  • ما نقيض الكتابة؟

أجل، ويظل السؤال نفسه مفتوحاً على الكتابة..!

 _ ثورة القراءة :

لعله بات من المعروف جداً، أن المادة المكتوبة، على اختلاف الأوعية التقليدية، والإلكترونية التي تحتضنها، تتوجه إلى متلق ضمن دائرة افتراضية، مفتوحة، من المتلقين، ولا يمكن لها أن تنتمي إلى المشروع الثقافي لمنتج المادة، أو مؤسسته التي يترجم رؤيتها، إلا عبر المعني بالخطاب، وهو هنا المتلقي/القارئ الذي به تكتمل دورة القراءة الأولى، في الوقت الذي نجد فيه دورة أخرى للقراءة، موازية، تتم من خلال الأثر الذي يتركه الخطاب، في عملية ما بعد القراءة، على صعيد نشر الوعي والمعرفة، وتأصيل الإبداع، وحب الجمال.

وتتعدَّد مواقف الكتاب مما يمكن أن يصطلح عليه ب”دورتي القراءة” تبعاً لمواقفهم من وظيفة الكتابة، إذ هناك من قد ينظِّر لإلغاء الدورتين، في آن واحد- ولعلهما تكونان دورة واحدة- تحت دعوى أن المعول على الكتابة-بحسب رؤيته-لا يتعدى إرضاء شغف وسؤال ذاتيين، ولا يضع في عين الاعتبار أيَّ متلق لخطابه، وهو ما اشتغل عليه هؤلاء الكتاب والفنانون الذين نافحوا عن شعار” الفنِّ للفنِّ”، بعيداً عن مثل تلك الوظيفة، وهو أمر مردود عليه، لسبب بسيط، مفاده أن من يضع إنتاجه الإبداعي بين يدي متلقيه، فهو لم ينتجه من أجل نفسه، وهناك وظيفة ما لإبداعه، بل إن أي إبداع لا يمكن أن يكتسب شرطه الإبداعي، من دون متلقيه، كما أن اللاوظيفية هي في نهاية المطاف وظيفة..!.

ولعل أية عملية كتابة، لا يمكن أن تتمَّ بمعزل عن تصور مثل هاتين الدورتين، منفصلتين، أو متواشجتين، وإن كان الاهتمام بالأولى بادياً للعيان، وأن الدورة الثانية، يتمّ التركيز عليها، من قبل الكاتب المهموم بقضايا وطنه، وأهله، وهو يسعى للمساهمة، في تقديم رؤية معينة، من دون أخرى، موظِّفاً ما يقدِّمه، كجزء من مشروع خاص، أو عام، بعيداً عن سِمة المشروع، وهل هو تكتيكي، أو استراتيجي، أيديولجي أو إنساني، وغير ذلك.

لقد بات كثيرون يعتقدون أن لثورة الاتصالات والمعلوماتية، وفي التالي، هيمنة الصورة الإلكترونية الأثر السلبي، على عملية القراءة التي باتت تنحسر- بسبب هؤلاء-بيد أن هذا الاعتقاد، قد يتزعزع قليلاً لو علمنا، أن هذه الثورة وسعت دائرة القراءة، بل أنَّها أوجدت نوعين منها، أولهما القراءة المتسطحة، السريعة، وهي قراءة الخبر الموازي للصورة الإلكترونية، وثانيهما القراءة العميقة، لا فرق. سواء أكانت المادة المقروءة إبداعاً، أو بحثاً، أو فكراً. وفي ما لو كانت القراءة السريعة هي الأوسع انتشاراً، فإننا نجد -في المقابل- أن مجال استقطاب أعداد لا متناهين إلى مجال القراءة العميقة مفتوح، هو الآخر،ولعلَّ الاستعانة بأية استبيانات للمقارنة بين أعداد القراء، ضمن الأسرة الواحدة، خلال عقدي تسعينيات القرن الماضي، والعقد الأول في الألفية الثالثة، ستضعنا أمام وقائع تثبت أننا أمام ثورة في عالم القراءة.

وإذا كنا نتحدث عن اختطاف الصورة الإلكترونية للمتلقي، كونياً، فإن هذه الصورة نفسها، لتحفز عملية القراءة التقليدية، والإلكترونية، بل إنها تتفاعل مع الكتابة، ولوفي حدود الإنتلجنسيا، وتكرسها، كما أنها نفسها بحاجة إلى البعد الكتابي.

 _ حوارية الكتابة والصورة : 

تعدُّ الكتابة، منذ أولى انطلاقتها، لدى الإنسان القديم سجلاً للكائن البشري، ومرجعاً لأثره على وجه البسيطة، يضم  كنوز النصوص التي تركها، ولا يزال، على امتداد الخطّ البياني للزمن، وهي أصداء جملة علاقاته، مع الطبيعة، وأبناء جنسه، لتكون بين قوسين يدخل في فضائهما،حزنه، وفرحه، وحلمه، ومجمل تفاصيل يومياته، وتغدو هذه الكتابة صدى صادقاً، لكل ذلك، بعيداً عن أي تحوير أو تزوير.

وقد اكتسبت الكتابات الأولى، احترام قارئها، وأصبحت جزءاً من ذاكرة التاريخ، نتيجة تعبيرها عن واقعها، وليصبح التدوين رمزاً للحقيقة، يحتكم إليه الباحث، أنى التبست ترجمة أي حدث عليه. وقد ظلت الكتابة محافظة على صورتها -وهي الصورة أصلاً- عند متلقيها، لاسيما أن صيرورة دورة الوقت، تدأب على محو الحدث، إثر سواه، ليظل الراهن المتحوِّل ماثلاً في لحظة الرؤية، وهو يلغي ذاته، لئلا يبقي منه إلا ما هو موثق في قرطاس، بوساطة حبر، ومدون أمين.

وظلت الكتابة الحكم الأصدق، أنى اصطدمت ذاكرة واهية بسواها، أو تهاوت في درك النسيان، كي تنهض ذاكرة الكتابة، رافعة راية حجتها التي لا تدحض، في رداء اليقين الذي لا يساوره الشك، من أية جهة، وهو ما يجعل الكتابة نفسها حامل النص المقدس، كي يزيد من طهرانيته، ناهيك عن أنها البوابة إلى حديقة الأثرالتي دونها الأقدمون، آباءاً، وجدوداً، وهم يستخلصون تجاربهم، وحكمهم، ومأثوراتهم، وفنونهم، وآدابهم، وحضاراتهم، لتصير ضالة المرء،المتبوعة أبداً، كلما اشتعلت روحه بغواية اقتفاء أثر المعرفة، للإحاطة بها، وهي الأكثر سعة من حدود ظفره المنظور.

-هكذا هي الكتابة..!

هكذا ألقها، وجمالها..!

هكذا شأن مضامينها الهائلة..!

هكذا دلالاتها، وأفقها، وعوالمه..!

هكذا فيصل تفاصيلها المفردة على طاولة اللحظة..!

يقول ذلك كله، وسواه، المدون، وهو يقود جيش ذرائعه، ليدكّ معاقل الشك، يواجهه باليقين المرام، إلى أن يجد شريك مدونته الإلكتروني، وهو يشير إلى الصورة، في تفاصيلها الأكثر دقة، ونبضها المتماهي بالحياة، وسطوتها الأكثر انتشاراً،رامحاً في اللحظة المعيشة، قائلاً:هي ذي براهيني الأكيدة، لا تساور حبرها الإلكتروني شائبة،أو شائنة، مادامت العدسة تقرأ ما هو ممتد أمامها، تنقله،طافحاً برائحة الأصل المستنسخ، كي يكون الحدث ذاته، والواقع ذاته، دون أي شطط، أو بلاغة تحطّ من قيمة الدليل المقدم، في أشكاله، المتواردة.

-أنا الأكثر صدقاً..!

تقولها الكتابة، وهي تشير إلى خطواتها الجديدة، في فضاء روزنامة المرحلة، ثم تستشهد بإرثها الهائل، منذ أولى ولادة لحروفها الأولى، وحتى أواخر معطياتها اليومية، مادامت تعدم المسافة بين عالمين، هما: الواقع وصورته المكتوبة. وهو تاريخ شاسع، كافي الشفاعة..!

-أنا الأكثر صدقاً…!

تقولها الصورة، وهي تسرد وقائعها الجديدة، منذ أولى صورة، هزمت فلول المفردات، مادامت آلة التصوير مجردة الأهواء، ولم تتعلم لغة الزيف، في مدرسة، ولم تتلوث مساحاتها بالمنفعة العمياء، هذه المنفعة التي هي أم كل أكذوبة، صنعت كل هذا البون الشاسع بين الفعل والقول، وبين الدال والمدلول، في سياق البلاغة المترفة.

تستجمع الكتابة كل حبرها، وإرثها النصي،  مدلية ببرهانها الأعظم، في وثبة الحسم المطلق لتؤكد  أن الصورة كانت بذرة الكتابة الأولى، وأداتها العاجزة الأولى،  قبل أن يقلع عنها الإنسان، صانعاً إبداعه، ومجده ، وأن من يزور الكلمة، لقادر أن يزور الصورة، كما أن الصورة، منذ أول باب كهف، عرفها، وحتى آخر لقطة توثق، الآن، لا يمكن لها أن تفسر دون الكتابة، التي هي خزان الحضارة، وصانعتها العظمى..!

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply