رسالة إلى مسلمي العالم ولبنان: لا خلافة ولا دولة دينية في القرآن(1/2) ــ رؤوف قبيسي

رسالة إلى مسلمي العالم ولبنان: لا خلافة ولا دولة دينية في القرآن(1/2) ــ رؤوف قبيسي

 

28 تشرين الثاني 2015

لا أريد لهذه الرسالة إلى مسلمي العالم ولبنان، إلا أن تكون حديث النفس المطمئنة إلى النفس المطمئنة، النفس التي يدعوها القرآن إلى أن ترجع إلى ربّها راضية مرضية، لتدخل في عباده وتدخل جنته، والتي يقول “المسيح” إنها به تحيا وإن ماتت. تركتُ شيعتي وديني منذ زمن بعيد. لم أخرج لأصير كافراً، أو زنديقاً، أو هرطوقياً، أو مرتداً يستحق القتل أو العذاب، بل شديد الإيمان، بأن المرء، لا يمكن أن يكون مؤمناً، إذا كان يعتبر دينه الحق وأديان الآخرين باطلة، وأن “النعيم” له، وللآخرين الجحيم! هي رسالة أكتبها مستوحياً القرآن والأناجيل، وبوحي من الإيمان، بأن أي تديّن ينافي أديان الآخرين، ليس درباً سليمة إلى “الله”، وما يحدث في شرقنا “العربي العبري السرياني- مهد الرسالات السموية” خير دليل! حروب دينية لا مثيل لها في العالم، بين “مسلمين” و”مسيحيين”، بين “سنّة” و”شيعة”، بين “سنّة” و”علويين”، بين “دواعش” وأقليات عرقية دينية ومذهبية، وبين “مسلمين” و”يهود”، عمرها من عمر الإسلام، وقبل أن تولد إسرائيل بقرون!

الأديان والمذاهب تصنيفات تُحدث شروخاً بين البشر. هكذا كانت عبر التاريخ، ومهما عقد رجال الدين والمذاهب في الشرق والغرب، مؤتمرات وندوات ومجالس، تحت عنوان “حوار الأديان”، أو “حوار الحضارات”، فسوف يفشلون. قد يخرجون بقرارات ووعود، وأدعية وصلوات، غالباَ ما تكون مسكّنات تخفف الوجع إلى حين، لكن هيهات أن تستأصل المرض من أساسه، لأن التديّن، ساعة يشتد، لا يعود للإيمان وجود، وخصوصاً إذا سادت الجهالة والبطالة والأمية. لذلك خاطب “المسيح” أتباعه بالقول: “لا تفسدوا الوصية بالتقليد”، وقدّم الإيمان على الطقوس بقوله “إن الله يريد رحمة ولا يريد ذبيحة”، ولذلك جاءت الآية القرآنية لتقول: “ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر”.

الدين يصادر الإيمان، يسجنه في طقوس تتحجر مع الزمن، وتشعل الفتن والحروب، ولا غرابة أن يقول ماركس إن الدين أفيون الشعوب. لم يقل صاحب نظرية الحتمية المادية، إن الإيمان أفيون الشعوب، بل قال إن الدين أفيون الشعوب، لأن في الإيمان أبعاداً إنسانية لا يظهرها التديّن، أو هي في الدين، لكنها لا تظهر إلا “لمن أتى الله بقلب سليم”. هكذا أفهم القرآن، “ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله”، وهكذا أفهم حوار “يسوع” مع السامرية عند بئر يعقوب، ساعة قالت له: “آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي يجب أن يسجد فيه، أجابها: لا يا إمراة، لا في هذا الجبل ولا في أورشليم، الله روح، والذين يسجدون له، فبالحق والروح يجب أن يسجدوا”

بحثتُ عن “الله” في الكتب علّني أقف على شيء من أسرار الوجود. جعلني البحث عن هذا “الخالق” أجلّ “الكتب السموية”، ومنها هذا القرآن الذي عليه عاش آبائي وأجدادي. لا أميل إلى رأي من يزدريه، كما يفعل بعض العلمانيين والملحدين والدارسين، ولا آخذ برأي متديّن يعتبر كتابه خير الكتب، ويسفّه كتب الآخرين. أقول هذا على رغم إعتقادي الذي لا يتزعزع، بأن لكل إمرئ الحرية أن يقول ما يشاء. فولتير “الكافر” بنى كنيسة لأهل قريته، وكان يقول: “لا أومن بما به تؤمن، لكني أجرّد سيفي للدفاع عن حقّك في أن تؤمن بمعتقدك الذي لا أصدّقه”. عاش فولتير في القرن السابع عشر، لكن قبل أن يولد هذا الفيلسوف الفرنسي بمئات السنين، جاء القرآن فقدّم المعنى بكلام أوضح وأكثر إيجازاً، وأشار على “نبي” الإسلام بأن لا يكون على الناس وكيلاً ولا وصياً، وخاطبه بالقول: “ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”.

كثيرون يفسرون هذه الآية، وآيات تدعو إلى حرية الاعتقاد، كآية “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” على أنها لا تلغي “الجهاد”، ولا تنفي واجب قتال “المشركين”. يستشهدون بآية تقول: “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله”، وآية ثانية “واقتلوهم حيث ثقفتموهم”، وآية ثالثة تقول: “إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم”. يسمّونها “آيات السيف”، على رغم اعتراض بعض الفقهاء على الاسم، ويأخذون بمبدأ “الناسخ والمنسوخ”، أي السور التي تسود على ما جاء قبلها من سور، لتكون عندهم أساس الشريعة.

لن نأخذ بشروح المفسّرين والشرّاح، هي كثيرة وفيها تناقض، وقد تضعنا في مأزق، وخصوصاً ما جاء قبل من السور، وما جاء بعد، وما هو مديني من الآيات وما هو مكي، في حين أن المطلوب قراءة إيمانية غير حرفية للنصوص، وهذا كل شيء! قراءة، ترفض مبدأ “الناسخ والمنسوخ”، وتأخذ بفقه التيسير، وتعتبر أن “آيات السيف” من أحكام الزمن الغابر، وأنها كانت مرتبطة بظروف استثنائية، وبسياق تاريخي جاءت فيه. من ثمّ، ألا يعلم أهل “الجهاد” أن “كفّار الأمس” غير “كفّار اليوم”؟ “كفّار الأمس” سلاحهم السيف، مراكبهم الخيل والإبل، في حين أن “كفّار اليوم”، سلاحهم أسلحة دمار شامل، يستطيعون أن يبيدوا بها “المسلمين” في عقر دارهم، إذا حاربهم “المسلمون” في عقر دارهم! عليه نتساءل: ما الأفضل للإسلام والمسلمين، أن يأخذوا بالسيف، ويقوم من بينهم، من يفجر نفسه في بيروت ودمشق، وبغداد وباريس، أم يأخذوا بآيات السلم والصفح والرحمة والمحبة؟!

القرآن يقول لـ “النبي”: “ولو كنت فظاً غليظاً لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين”. أما التكابر الذي يلجأ إليه المتزمّتون، فجهلٌ مطبق بتاريخ الأديان، ولقد ذكرت في غير موضع، أنني لا أغيّب السيف من المعادلة، وأقول إن الإسلام لم ينتشر بحدّ السيف، وإنه لم يُفرض عنوةً. في مراحل كثيرة قام على السيف وساد من غير شك، لكنه لم يقم بالسيف وحده ويسد، انتشر أيضاَ بالهجرة وحرارة الإيمان، ولو لم تكن فيه أشياء تلبّي حاجة لدى البشر في طريق بحثهم عن “الله”، لما وصل إلى أماكن بعيدة في العالم لم تطأها أقدام “الفاتحين”. مهما يكن، السيف ما كان يوماَ وقفاً على الإسلام وحده. المسيحية فُرضت عنوةً أيضاً، وفي أمكنة وأزمنة كثيرة في التاريخ. فرضها قسطنطين ديانة رسمية في الأمبراطورية الرومانية، وفرضها الأمير فلاديمير في روسيا قبل نحو ألف عام، وجعلها الملك هنري الثامن بروتستانتية خالصة، حين فصل مملكته عن بابوية روما الكاثوليكية، ومهّد إلى ما عرف في ما بعد بكنيسة إنكلترا. شبيهٌ بذلك أيضاً ما فعله الشاه اسماعيل الصفوي، قبل نحو 500 سنة، عندما أخذ بالسيف القاطع وسيلة، وجعل من إيران “السنّية” دولة “شيعية”، ليصدّ خطر العثمانيين عن حدود مملكته الفارسية.

وجود السيف في “الكتب المقدسة” الأخرى، مسيحية ويهودية، خير ردّ على القائلين إن من المستحيل أن تولد دولة مدنية من رحم قرآن يوصي بقطع يد السارق، وقتل الكفّار، وجلد الزاني والزانية، وأن تكون هذه الدولة علمانية دهماوية (الدهماوية، هي الترجمة العربية للكلمة اليونانية ديموقراطية، وقد جاءت في معاجم اللغة بمعان مغايرة، لأن الحاكم لم يستأنس بمعناها الذي يعني الحكم للشعب)! هؤلاء ينسون، أو يتجاهلون، أن الدولة المدنية في الغرب لم تنشأ إلا بعدما تخطت نظرة الكنيسة الضيقة إلى الحياة، وحسبت العنف الذي في “الكتب المقدسة”، من أحكام الزمن الغابر. لذلك، على المتنورين من المسلمين، ورجال الدين الورعين الأتقياء، أن يطرحوا تفسيراً معاصراً للقرآن، يتخطى أحكام الزمن القديم، ويأخذ بفقه التيسير، الذي يستوحي الأحكام من آيات كثيرة مثل آية “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”، وآية “وما جعل عليكم في الدين من حرج”، وآية أخرى تقول: “يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا”، ومثلها أيضاَ “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها”.

هنا لا بد من التذكير بموقف شيخ الأزهر السابق، محمد سيد طنطاوي، من الحجاب في فرنسا، عندما وقف إلى جانب الحكومة الفرنسية في منعه في المدارس، قائلاً إن لكل دولة قوانينها، وعندما أحلّ الفوائد الربوية لدى البنوك، واعتمد التيسير، وأدرج كتابه “فقه التيسير” في برامج التعليم في الأزهر، بدلاً من كتب المذاهب الأربعة (الشافعي والحنفي والحنبلي والمالكي)، في بادرة رحّب بها المعتدلون وكانوا الغالبية، وأثارت حفيظة قلة من المتنطعين والمتحفظين، الذين ما إن علموا برحيل الشيخ، حتى تنفسوا الصعداء، وأوقفوا العمل بكتابه! علينا أن نفهم رجال دين، مثل الشيخ محمد سيد طنطاوي، ومثل الشيخ الجليل عبد الله العلايلي، وإمام كبير مثل الشيخ محمد عبده، لندرك أن بعض ما في القرآن من قوانين وتعاليم هي “أشكال” لزمن معيّن، ومكان معيّن، ولا تتماشى مع عصر كعصرنا الذي يشهد أكبر ثورة معرفية وتكنولوجية في التاريخ، وأما في “الجوهر” فالقرآن كتابٌ باقٍ لا تستقيم الحياة من دونه، وصالحٌ لكل زمان ومكان.

في “العهد القديم” من “السيف” والترهيب أكثر مما في القرآن. نقرأ في سفر إرميا: “ملعون من يمنع سيفه عن الدم”، ونقرأ في سفر حزقيال: “فزعتم من السيف أنا أجلب عليكم السيف يقول السيد الرب”، وفي سفر صموئيل: “الآن اذهب واضرب عماليق، وحرّموا كل ما له، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة وطفلاً ورضيعاً، بقراَ وغنماً، جملاً وحماراً”. أما في العهد الجديد، فلم يتورع “يسوع” الرحمة والمحبة، الذي قال لأتباعه، أحبّوا أعداءكم باركوا لاعينيكم، لم يتورع عن الأخذ بالترهيب. في أحد المواقف يدخل الهيكل ويأخذ بالسوط، يقلب موائد الصيارفة ويصرخ في وجه الجموع: “بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص”. “مسيح” الرحمة هذا قال أيضاً: “لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً”.

من “المسيحيين” ورجال الكنيسة من يعترض على هذا التفسير، بحجة أن كلام “يسوع” هنا استعارات ورموز لمعان أخرى، ولا يصح إخراجها من السياق العام الذي يرسم شخصيته الرحيمة السمحة، وأن “يسوع” الذي قال لبطرس “من يأخذ بالسيف بالسيف يُؤخذ”، لا يلجأ إلى العنف. مهما يكن التفسير، يبقى “العنف” هنا واضحا، ولو على نحو رمزي ومجازي، هو أمر لا يشين الرسالة على أي حال، لأن “يسوع” القائل: “ما جئت لأنقض الناموس جئت لأكمل”، والذي لم ينقض شريعة “موسى والأنبياء”، هو ذاته “يسوع” الذي قال غير مرة: “قد قيل لكم كذا وكذا، أما أنا فأقول لكم”. خرج من التقليد ليحفظ الوصية، وترك للناس حرية وضع النظام الذي يلائمهم، كما في قوله: “مملكتي ليست من هذا العالم”، وفي قوله الآخر: “أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، هكذا وصلت رسالته في الأناجيل الأربعة المعتمدة، بسيطة وديعة غنية وقوية. أما ما شابها من طقوس وشروح في ما بعد، فلا علاقة له بالجوهر، بدءاً بتفسيرات “الرسول بولس”، الذي يرى كثيرون، ومنهم جبران في كتابه “يسوع ابن الإنسان” أنه، أي بولس الرسول، “أفسد رسالة الناصري بما أدخل عليها من تعاليمه”!

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply