بعد سلسلة من الهزائم الميدانية التي أصابت جيش نظام الأسد في عام 2015 ودفعت موسكو للتدخل من اجل حماية حليفها القديم، وقعت روسيا في 26 آب 2015 مع الطرف السوري اتفاقاً لنشر قوة جوية واصول عسكرية أخرى في القاعدة الجوية، حميميم، داخل محافظة اللاذقية، التي تعتبر مركز الأقلية العلوية التي ينتمي اليها (الأسد).
وخلال أسابيع قام الجيش الروسي بدعم وتعزيز بنية القاعدة ميدانيا لتتمكن من استضافة العشرات من طائرات الشحن الروسية والطائرات الحربية، وتم نقل عشرات الآلاف من الأطنان من المعدات والمواد الحربية عن طريق الجو والبحر في عملية أطلق عليها اسم “Syrian Express.”. وفي 30 أيلول أعلنت موسكو بدء حملتها العسكرية الجوية في سوريا، وتعتبر العملية العسكرية الأولى لها خارج الاتحاد السوفييتي السابق منذ انهياره.
التوتر مع تركيا :
لقد اغضب هذا التدخل تركيا التي كانت تدعو الى إزاحة الأسد وقامت بمساندة قوات المعارضة السورية منذ نشوب الصراع عام 2011.
وفي 24 تشرين الثاني من عام 2015 اسقطت طائرة مقاتلة تركية قاذفة روسية من طراز Su-24 على الحدود مع سوريا، وقتل طيارها من قبل مقاتلي المعارضة السورية المدعومة من تركيا بعد ان قفز من الطائرة بمظلته كما قتل ايضاً أحد افراد البحرية الروسية اثناء محاولته انقاذ الطيار الثاني. وقالت تركيا حينها ان الطائرة الروسية خرقت أجواءها وهو ما نفته موسكو. وقال (بوتين) حينها ان اسقاط الطائرة كان بمثابة “طعنة في الظهر” وأطلق على أثرها حملة المقاطعة الاقتصادية ضد تركيا بما فيها حظر الرحلات السياحية واستيراد الفاكهة والخضار التركية. وكذلك عزز الجيش الروسي من دفاعاته الجوية بصواريخ S-400 البعيدة المدى لإجبار تركيا على التراجع.
القتال من أجل تدمر :
في نيسان من عام 2016 قامت قوات الأسد وبدعم جوي روسي بتسجيل نصر رمزي كبير عند استرجاع بلدة تدمر القديمة من جماعة الدولة الاسلامية، ووضعت القوات الروسية المختصين لنزع الألغام من المواقع الأثرية القديمة ثم احتفلت بالنصر بعد ان استقدمت أوركسترا(ماريينسكي) من سانت بيترسبورغ وقادها الشخصية المعروفة (فاليري جيرجيف). غير انه وفي كانون الأول من عام 2016 خسر جيش الأسد بلدة تدمر مرة ثانية لصالح الدولة الاسلامية، ثم استعادتها قوات الأسد في شهر آذار بعد قتال عنيف وغطاء جوي روسي.
المعارك على الأرض :
رغم ان الاهتمام كان مركزا على الضربات الجوية الروسية ولكنها كانت تزداد تورطاً في العمليات البرية ونشرت في سبيل ذلك ضباطاً على امتداد تواجد قوات الأسد لتوفير التدريب ووضع خطط للعمليات العسكرية وتقديم التوجيهات لها اثناء خوضها المعارك. كما ان روسيا أرسلت قوات خاصة لتنفيذ عمليات استخباراتية وتنسيق الضربات الجوية، كما توجد مؤشرات على نشر المدفعية الروسية في المناطق العسكرية الهامة.
ومع ان وزارة الدفاع الروسية لم تقدم اية ارقام عن عدد قواتها في سوريا، فان معدل الاشتراك في التصويت للانتخابات البرلمانية في روسيا تدل على ان الحضور العسكري الروسي في سوريا قد يزيد على 4,300، ولقد بلغت خسائرها حتى الآن ما يقارب 38 فردا بحسب المعطيات الرسمية.
الاختبارات الميدانية :
لقد قدمت الحرب في سوريا ساحة واسعة لامتحان واختبار الأسلحة الروسية الحديثة ميدانياً بما فيها صاروخ (Kalibr) الجوال (cruise) الذي تطلقه القاذفات الاستراتيجية الروسية والسفن الحربية والغواصات، وهذا الصاروخ الدقيق والبعيد المدى ساهم في تعزيز القدرات العسكرية الروسية.
وفي نقلة أخرى ابحرت حاملة الطائرات الروسية الوحيدة (Admiral Kuznetsov) او (الأدميرال كوزينتسوف) الى شرق البحر الأبيض المتوسط في الخريف الماضي لتقوم بشن اول حملة بحرية في تاريخ البحرية الروسية وذلك خلال الأشهر الطويلة من سريان المعارك بين قوات الأسد وبين الثوار في مدينة حلب، وهي أكبر المدن السورية والمركز الرئيسي التجاري.
اما الأسلحة الأخرى التي جرى اختبارها فتتضمن الطائرات المقاتلة من نوع Su-34 و Su-35 والمروحيات من نوع Mi-28 و Ka-52.
وقد صرح الرئيس (بوتين) ان الحملة في سوريا قدمت تجربة لا تقدر بثمن للقوات العسكرية الروسية.
المعركة من أجل حلب :
في شهر كانون الأول عام 2016 سيطرت قوات الأسد وبمساندة الميليشيات الحليفة على مدينة حلب وكان ذلك يعتبر الإنجاز الأكبر الذي تمكن من تحقيقه خلال الحرب، بعد سقوط المدينة عام 2012 وسبب ذلك احباطاً كبيراً للثوار، وساهم في ذلك الدعم الجوي الروسي وقطع الاتصالات وخطوط الامداد للثوار. وأدت المعارك العنيفة التي سبقت سقوط المدينة الى قتل الآلاف وتدمير كامل للمناطق التي كلن يتحصن فيها الثوار. وقامت روسيا بعد ذلك بنشر المئات من الشرطة العسكرية وللقيام بدوريات داخل القسم الشرقي الذي كان تحت سيطرت الثوار.
التقارب الروسي التركي :
سعى الرئيس التركي (اردوغان) الى اصلاح العلاقة مع روسيا إثر الضرر الكبير الذي احدثه الحظر الاقتصادي الروسي، فقدم اعتذاراته لقيام تركيا بإسقاط الطائرة الحربية الروسية في شهر حزيران عام 2016 مما جعل بوتين يندفع لمساندة (اردوغان ) خلال فشل المحاولة الانقلابية في تركيا. وعقد الزعيمان منذ ذلك الحين عدة لقاءات وتحادثا هاتفياً مرات عديدة لتضييق الخلافات بينهما حول سوريا. كما قامت تركيا بلعب دور رئيسي في المفاوضات التي قادت الى انسحاب قوات المعارضة من مدينة حلب.
كما قامت كل من روسيا وتركيا وإيران بالتوسط في عقد سلسلة من محادثات السلام في (استانا) عاصمة (كازخستان) وهي محادثات مستقلة عن محادثات السلام التي تجريها الأمم المتحدة في جنيف-سويسرا ولكنها تمكنت من ان تجمع الحكومة السورية مع خصومها، ففي أيار قامت القوى الثلاث والتي تساند اطرافاً متعارضة في الحرب توصلت بعد مفاوضاتها في (استانا) الى اتفاق متعلق بالمناطق الآمنة في سوريا، وقد رحبت بها الأمم المتحدة ولكن ما زال على الأطراف الوصول الى تحديد حدود تلك المناطق وكيفية تنفيذ عمليات المراقبة فيها.

Social Links: