هذه المقالة كتبتها عام 2009 بعد زيارة إلى برلين بدعوة من مؤسسة إبن رشد و ما أشبه اليوم بالبارحة :
زائر كتب2009 ”
أن يغترب الإنسان عن وطنه لأي سبب من الأسباب أمر في غاية الصعوبة، واقعة تولد شعوراً بالاغتراب والحنين، فليس المكان الذي ولدت فيه وترعرعت مجرد مكان جغرافي، إنه علاقات معشرية،لعب، أهل، ذكريات…
والهجرة الى أوروبا أقسى أنواع الهجرة على الجمهور العربي العادي خاصة. فبعض النخب الثقافية ذات الثقافة الغربية, والتي درست هناك عاشت وتزوجت تعتاد الحياة وتنخرط في البنية الثقافية, بل أولاد هذه النخب لا يستطيعون أن يألفوا …
الحياة خارج أوروبا، وقس على ذلك بعض رجال الأعمال الذين يجعلون من أوروبا مركز حياتهم وأعمالهم.
غير أن الفئات الوسطى والفقيرة-وهي العدد الأكبر من المهاجرين- تعيش حالة جد مأساوية في أوروبا.
فأغلبها يعيش على مساعدات الدولة. وتظل خارج البنية الثقافية الغربية-وخاصة الجيل الذي هاجر بعد أن تكوّن ثقافياً في وطنه.
فهو يعيش الاغتراب عن وطنه من جهة والاغتراب عن العالم الذي يعيش فيه.
و لقد قيض لي أن أزور برلين وأمضي فيها أياماً عشرة وألقيت مجموعة من المحاضرات.
ولقد فوجئت في النقاش الذي دار بيني وبين الجمهور أني لم أغادر دمشق أو عمان أو القاهرة أو الجزائر أو الرباط أو أي مدينة عربية ألقيت فيها محاضراتي.
ففي المحاضرة التي ألقيتها في مؤسسة ابن رشد للفكر الحر أدهشني بعض المتساءلين والمتداخلين والنقاد أنهم لا علاقة لهم بالحياة الديمقراطية التي يعيشونها في برلين- لم يتأثروا بحرية المعتقد في هذا البلد. بل إن تعصب بعضهم فاق تعصب أمثاله في بلادنا.
إنه لا يستطيع تحمل رأي مخالف، إني لا أحاسب الناس على آرائها ومعتقداتها، فالإنسان حر في الاعتقاد. لكن كيف للإنسان أن ينفي حرية الاعتقاد عن الآخر وهو يعيش في بنية ثقافية قائمة على حرية الاعتقاد والتعبير عن الاعتقاد.
أي اغتراب هذا عن العالم المعيش. لم أصدق أن شخصاً بكامل قواه العقلية يعيش في برلين ويشاهد مظاهر الحرية الفردية من الكتابة على جدار برلين إلى التظاهر أمام البوابة، ثم يتصرف وكأنه لم يغادر عالمه القديم.
لم أصدق أن شاباً بدأ حواره معي – والذي أعتقدَ هو أنه حوار (أريد أن أوجه إليك دكتور بعض النصائح).الدينية طبعا.
وكان على وشك أن يتوجه بها إليًّ لو لم أمنعه من ذلك انطلاقاً من حريتي في عدم رغبتي في سماع النصائح من أحد.
المهاجر الذي يتحصن بهويته تحصناً شديداً وهو يدرك أن حياته ستمضي في الوطن المهاجر إليه يعيش اغتراباً صعباً.
هذا الذي تحصن بهويته بذل جهداً كبيراً لنيل الجنسية، إنه الآن ألماني أو فرنسي أو أميركي.
أن يحب وطنه ويحن إليه ويأتي لزيارته فهذا الأمر طبيعي.
فالحنين صعب وممض. أماأن تعيش وأنت بنية قديمة جداً في بنية جديدة فهذا شكل من الانفصام الذي يحتاج إلى علاج وقد لا ينفع مع فصام كهذا أي علاج.
Social Links: