يسرني أن أتحدث للقراء الكرام على موقع الرافد منبر اليسار العربي كتابي الجديد إسلام بلا حدود، الذي صدر مؤخرا عن دار لامبرت الالمانية، والتي تعهدت بتوزيعه عبر 2000 منفذ بيع في العالم.
هل يمكن تقديم الإسلام رسالة خطاب حوار وتسامح وتكامل بعيداً عن ضوضاء الحرب وغبار الجهاد ونفير الغزوات والفتوحات؟
إن التصور النمطي للإسلام الذي قدمه التراث لا يساعد على فهمه ديناً بين الأديان أو أمة بين الأمم أو رسالة بين الرسالات، فقد ذهب خطاب النرجسية المتمكن في العقل العربي عموماً إلى منع أي صيغة تكامل مع الآخر، واستقر وعينا بالإسلام رسالة جهاد وفتوح، قائمة على منطق الهيمنة والتغلب، وأننا مأمورون بقتال الناس بالسيف حتى نستخرج من عقولهم لوثة الشرك، وفق ظاهر النص الوارد في السنة: أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم ……
وربما كانت هذه الصورة محل جدل في العقود السابقة، ولكنها باتت اليوم تشكل القناعة المباشرة للجمهور الغربي وللثقافات الأخرى في العالم وذلك بعد الممارسات العنيفة التي مارستها مشاريع الدولة الإسلامية التي مارست تجربة قاسية ومتوحشة في أفغانستان والجزائر وليبيا والعراق وسوريا.
ومن المؤلم أنه حالما تقوم بأدنى دراسة للمناهج التي يتم تدريسها في المناهج الشرعية في البلدان الإسلامية الرئيسية فإنك ستجد نفسك لا محالة امام هذا التصور الذي قدمته داعش، وستجد بكل مرارة أنها استطاعت أن تقدم تبريراً تراثياً موثقاً لكل ما قامت به من أفعال لا يقبلها العقل ولا المنطق ولا البرهان…
تتوجه هذه الدراسة في حقل ألغام مضطرب وتحفر في الرواية التاريخية للسيرة النبوية وتقدم قراءة أخرى تهدم هذه الأوهام جميعاً وتعزز مبدأ الحوار والتسامح والتواصل بين الإسلام والشعوب الأخرى، وتستخرج من التاريخ الإسلامي مواقف أبطال السلام الذين نجحوا بالفعل في تجنب الحروب وبناء علاقات حوار متكافئة مع الأمم.
يتناول الكتاب ستة رجال في التاريخ الإسلامي يقدمهم أبطالاً تاريخيين للسلام، ويقدم تحليلاً عميقاً للدور الذي لعبوه في التاريخ لخدمة السلام العالمي وتحويل الحروب إلى مفاوضات وسلام.
يبدأ الكتاب بالرسول الكريم مستعرضاً جهاده السلمي العميق لبناء دولة المدينة ويشير إلى أنها كانت المحاولة الخامسة لبناء المدينة وقد حافظت على سلميتها وإنسانيتها في كل التفاصيل، ولم يقبل ان تستخدم فيها أي نوع من السلاح، واستمر كفاحه السلمي إلى حين دخوله المدينة واستقباله فيها بالنشيد الخالد طلع البدر علينا من ثنيات الوداع؟
ثمانية وعشرون معركة فرضت على الرسول الكريم، ولكنه استطاع بحكمته وتشوفه للسلام أن يمنع القتال في ثلاثة وعشرين منها، ولم يحصل الاشتباك الحربي إلا في خمسة منها، ومع ذلك فقد كان باقل الخسائر.
وتعزز الدراسة بشكل واضح موقف الرسول التائق للسلام ونجاحه في النهاية أن يكف شر الحرب، وأن يحول الحروب إلى مصالحات ومعاهدات من دون أن يقضي على القدرات الدفاعية للأمة.
ثم تتحول الدراسة إلى عمر بن الخطاب، وتقدم قراءة غير تقليدية لهذا الصحابي الكريم الذي اشتهر في المحيلة العامة للناس أنه رجل بطش وقسوة وحرب، في حين انه كان أكثر الناس وعياً بالسلم ومطالب السلام، وتعدد مواقفه في رفض الحروب وتحويلها إلى سلام ووئام، وتشير بوضوح إلى موقفه المتميز في التعامل مع مشكلة الردة بوعي سياسي مسؤول ونجاحه في إيقاف حروب الردة، ثم قيادته الرشيدة لتحرير الشام من الروم والعراق من الفرس، ووعيه الكبير بمنع انسياح الفاتحين في الأرض ومنع تحول الفاتحين إلى محتلين يأخذون أرزاق الناس وأراضيهم تحت اسم الغنائم، ويستعمرون الأرض والإنسان.
وتشرح الدراسة موقف عمر بن الخطاب الفريد في تأمين القدس ومنحها موقعاً فريداً في التاريخ واحة للسلم والأمان والحوار، ومنع العسكر نم الدخول إليها وتنصيب رجال الدين عليها في إشارة واضحة للدور الروحي والحضاري لهذه المدينة المقدسة.
ثم تشير الدراسة إلى الحسن بن علي رائد الوحدة الإسلامية وموقفه الباسل في وقف الحرب مع معاوية، وقيادة الأمة الإسلامية للخروج من الحرب والدخول في السلام، وهو ما استحق به بحق لقب عميد الوحدة الإسلامية.
أما الرابع من أبطال السلام الذي تقدمه الدراسة فهو التابعي الجليل عمر بن عبد العزيز الذي قاد كفاحاً فريداً خلال خلافته لوقف نزعة الحرب لدى الجيوش المرابطة وعمل على تحويل هذه الجيوش إلى قوى تنمية وبناء ودعوة.
وتقدم الدراسة معلومات غير مشهورة تبدو صادمة للقراء حول موقف عمر الصارم من الفتوح التي كانت تتالى على تخوم الصين والقسطنطينية وجهوده للحوار والتفاهم مع أهل الأندلس وخروج المسلمين منها، وتوضح براعة عمر بن عبد العزيز بأصول الدبلوماسية الناجحة، وتشير بوضوح إلى نجاحاته المتتالية في بناء احترام كبير للإسلام في العالم.
ثم تتحول الدراسة إلى الأندلس حيث يختار الكتاب الخليفة الأموي الثاني في الأندلس الحكم المستنصر الأموي وهو أزهى عصور الحضارة الإسلامية في الأندلس، وتشرح دوره الرئيس في تأمين السلم الدولي وبناء علاقات دبلوماسية ناجحة بين أوربا والعرب، وتمهيده لأعظم عملية تكامل ثقافي ومعرفي بين الحضارة الإسلامية والمجتمع الأوروبي.
أما البطل السادس الذي تقدمه الدراسة فهو الخليفة الناصر العباسي الذي ولي الخلافة 545-622 وعاش خليفة لمدة 47 عاماً تعتبر أطول فترة حكم في التاريخ الإسلامي.
وتتابع الدراسة الجهود الفريدة للناصر العباسي في وقف الحرب الشيعية السنية التي كانت تتعاقب تأثيراً وعنفاً منذ العصر الأموي، والتي زادها البويهيون والسلاجقة اشتعالاً، وقد استطاع الناصر العباسي أن يقدم نموذجاً مختلفاً للإخاء السني الشيعي وشيد من بيت مال الدولة مرقد موسى الكاظم ومرقد الفقيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم في المكان نفسه واقام أكبر محج عاطفي لأهل العراق بمرقد مزدوج سني شيعي لا زال من أكبر معالم الوفاق والإخاء في العراق الجريح.
ولكن عبقرية الناصر في وقف الحرب كانت بلا حدود فقد استطاع أن يجنب الخلافة آثار المواجهة الطاحنة المفروضة من العدوين التاريخيين للإسلام المغول من الشرق والفرنجة من الغرب، وقد استطاع أن يؤمن حدود الخلافة وأن يواجه أطماع الفرنحجة بصلاح الدين الأيوبي دون أن يزج بالخلافة في أي من هذه الحروب.
وفي سابقة دبلوماسية ليس لها نظير نجح الناصر في التفاوض مع جنكيز خان الذي كان يجتاح العالم آنئذ وعقد معه اتفاقيات هامة وعميقة، تضمنت فيما تضمنت إصدار عملة مشتركة بين الاسلام وبين المغول تشتمل على صورة الخليفة الناصر وصورة السلطان جنكيز خان، وبذلك جنب بغداد حرباً ضروساً طاحنة كان يمكن أن تبيد كل شيء، وللاسف فإن ما نجح فيه الناصر مطلع القرن السابع الهجري فشل فيه حفيده المستعصم عام 656 حين فشل في حماية بغداد عسكريا ودبلوماسياً وسلمها للجيوش المغولية الفاتكة في أسوا اجتياح دموي في التاريخ الإنساني كله.
هل سينجح الكتاب في تقديم صورة أخرى للتاريخ الإسلامي؟ هذا ما يأمله الكاتب خاصة أنه يتم هذه المرة تبني هذا الكتاب من قبل جهة واسعة الانتشار وقادرة على الوصول إلى العقل الأكاديمي والبحثي في الغرب كما أنها متصلة بالجمهور الغربي ووسائل التواصل الاجتماعي فيه، وسيفاجأ الناس بأن الروايات المشهورة في تاريخ النبوة هي للاسف الجانب الأسواً من هذا التاريخ، فيما لا تزال روايات طافحة بالعدالة والأمل والإنصاف مسطورة في بطون كتب التاريخ.

Social Links: