ماركس والدولة المدنية الناقصه ــ يونادم يونادم

ماركس والدولة المدنية الناقصه ــ يونادم يونادم

 

بدايات مشاريع

 الحلقه الثانيه :

تحوّل مركز الثقل في اعمال ماركس من تحليل الدولة إلى تحليل ((المجتمع المدني)) (اي المجتمع الرأسمالي) بعد المخطوطات الاقتصادية – الفلسفية، إلا أنه لم يتخل عن إفراد مكانة أساسية لتحليل الدولة.

ولتبيان هذه الحقيقة حسبنا الالتفات إلى خطط ماركس في مشروعه لدراسة التشكيلة الرأسمالية، على خطط كتابة “رأس المال”.

هناك ما لا يقل عن 14 خطة مختلفة صيغت بين أيلول 1857 ونيسان 1868 حسب قول روسدولسكي (انظر المراحع).

الخطة الأصلية تتوخى تقسيم دراسة التشكيلة الرأسمالية كنظام عالمي (لا كدولة قومية محددة) إلى ستة

مجلدات يتناول كل مجلد حقلا محددا على النحو التالي:

1 – رأس المال

2 – الملكية العقارية

3 – العمل المأجور

4 – الدولة

5 – التجارة الدولية

6 – السوق العالمية.

تعرضت هذه الخطة الأصلية، القديمة نسبيا، إلى التعديل. فمثلا إن العمل المأجور صار فصلا من فصول الجزء الأول من رأس المال، مثلما أن الملكية العقارية بحث بحثا مستفيضا في الجزء الثالث منه. واندمجت البنود 1 و2 و3 فيما بعرف الآن بالمجلدات الثلاثة لراس المال (1)

هذا التعديل اختزل التقسيم السداسي إلى تقسيم رباعي على النحو التالي: 1 -رأس المال

2 – الدولة.

3 ٠ التجارة الدولية.

4 – السوق العالمية.

من الواضح وضوح النهار أن ماركس لم يتمكن من تغطية المواضيع 2 و3 و4، لا في النصوص المنثورة لرأس المال، ولا في المخطوطات (2).

اعطى ماركس الأولوية في عمله التفصيلي لتحليل نمط الإنتاج بتلك الغزارة الأخاذة، وذلك التنقيب الدقيق المتأني، المركب، معتمدا على منهجية تجمع تقاليد المدرستين الألمانية والإنجايزية٠٠ومنهجية هيغل التاريخية النزعة إلى البناءات الكبرى (اي ما يدعى ب grand narratives حسب تعبير ليونارد)، ومنهجية بيكون التجريبية، المتفحصة لحالات مفردة، جزئية، كمقدمة لأي تعميم٠

ولا حاجة إلى القول إن هذا العمل الذي تواصل من عام 1843 حتى عام 1883 استغرق جلّ الحياة الواعية لماركس، واستنفد معظم جهده النظري. ومن الواضح ان هذا الاستنفاذ او الاستغراق يعكس اولويات منهجية، اولوية تحليل (المجتمع المدني)، (اي الرأسمالي) كلحظة مقررة وحاسمة، من اجل فهم المجال الآخر السياسي والحقوقي، او الدولة إن شئتم. إن الانتقال من لحظة المجتمع إلى لحظة الدولة لم يكن غائبا قط عن ذهن ماركس، إلا ان الانتقال من هذه إلى تلك لم يتحقق في مجال البحث النظري، مع انه كان ملازما لتفكيره. لقد نشرت أعمال ماركس وإنجلز الكاملة (طبعة MEGA الألمانية) في 52 مجلدا، تشكل المؤلفات الاقتصادية منها 17 مجلدا، أما الباقي فموزع على مؤلفات الشباب، والمباحث الفلسفية والتاريخية والسياسية، والمراسلات، علاوة على المقالات الصحفية الظرفية. وخلال هذه المجلدات برمتها لن يجد المرء اي نص مكرس للدولة، باستثناء نقد فلسفة الحق ونقد فلسفة الدولة لدى هيغل (1843).

ويقع هذا النص في نحو 70 صفحة من القطع الصغير (حجم طبعات بنجوين Penguin الشعبية) او نحو 45 صفحة من القطع الكبير ٠ ويعود تاريخ كتابة هذا النص الهام إلى آذار – آب 1843. (النص الكامل الذي وضعه ماركس في نقد فلسفة الدولة ثم نقد فلسفة الحق عند هيغل مع كتابات اخرى في كتاب مستقل بعنوان: “الكتابات المبكرة”)

 

ها نحن أمام حساب بسيط: 45 صفحة من 52 مجلدا أشرنا إلى أن الاستغراق في تحليل (لحظة المجتمع) كان أولوية منهجية، منعت ماركس من الانتقال إلى (لحظة الدولة) بعد هذا المستوى الوسيط، إلى اللحظة الأشمل: السوق العالمي. نرى في هذا النقص (خارج حدود الأولويات المنهجية) ذلك التضاد المؤسس، المستحكم بين

محدودية الكائن البشري، والامتداد اللانهائي لوقائع التطور البشري.

  • Social Links:

Leave a Reply