تقوم المعادلة السياسية المُثبَّتة دولياً في سوريا منذ بداية الثورة حتى اليوم على محورين: الأول هو منع إسقاط الأسد بالقوة الشعبية الداخلية مهما كان نوعها؛ سلمية كانت أم عسكرية، والثاني هو منع إسقاطه خارجياً وعبر التدخُّل بالقوة العسكرية مهما تجاوز نظامه خطوطاً حمراء، ومهما ارتكب من مجازر ومحارق وبراميل. لا بل إن التدخل العسكري الحقيقي الذي حصل، كان هو التدخل لمنع إسقاطه.
اندرجت تلك المعادلة في سياق الربيع العربي بشكلها الأولي بعد إسقاط القذافي بالقوة، ودخول روسيا على خط الثورات لتثأر من استغفال الغرب لها وعدم إعطائها حصتها في ليبيا، كما لإدراكها أن نجاح الثورات عبر الإسقاط السلمي الداخلي أو التدخل الخارجي قد يتمدد إلى محيطها، وربما ديارها الواقعة تحت لعبة «الديكتوقراطية» التي مثَّلَها تناوب بوتين ومدفيدف على السلطة منذ مايو/أيار عام 2000، حيث أن مسار بوتين منذ استلامه الأول للسلطة حتى اليوم هو السيطرة على جميع مفاصل الدولة حرفياً، ووضع أزلامه وتابعيه على رأس مؤسسات الجيش والأمن والإعلام، والتحكم بمافيا الاقتصاد، إضافة لتصفية رؤوس المعارضة بالقتل أو السجن أو المنفى كما حصل مع المعارض الشهير بوريس نيمتسوف، أو الملياردير الروسي المعارض ميخائيل خودوركوفسكي وآخرين. والمرعب في الأمر -كما يصفه أحد المعارضين الروس- هو أنه لم يبقى أي بديل سياسي حقيقي عن بوتين لحكم روسيا، وهذا بالضبط ما تقوم عليه السياسة البوتينية، مثلما قامت عليه سياسة الأسدين في سوريا، أي منع السياسة بوصفها صراعاً سلمياً لتداول السلطة.
من المعروف أن ترك ليبيا السريع لتتعفن في فوضاها تم تحميله على ظهر تدخل فاشل سابق هو الاحتلال الأمريكي للعراق، فاجتمعت في المشهد الدولي ثلاث صور مخيفة، جميعها جاءت في مصلحة الأسد والروس وجميع الأنظمة المضادة للثورات: صورة التدخل الأمريكي في العراق في الخلفية، وصورة الوضع الليبي الكارثي في المقدمة، تقف بينهما صورة مصر بعد فوز الإخوان المسلمين في قيادتها، و«طحشتهم» باتجاه تديين الدولة وأخونتها. ومن تركيب هذه الصور بدأ انحدار الربيع العربي في المشهد الدولي (المدني والسياسي) نحو أمرين: الخوف من الأسلمة وتكرار «الثورة الإسلامية في إيران» في حال انتصرت الثورات، والخوف من الإسقاط بالقوة بما يكرر الفشل الأمريكي في العراق ثم الدولي في ليبيا، لتؤول الأمور نحو بداية المتلازمة الروسية حول سيادة الدول التي سادت أيام الحرب الباردة، وسقوط مبدأ التدخل الإنساني الذي ساد بعدها، وصعود صوت اليسار المناوئ للتدخل و«الامبريالية» في الشرق والغرب، ثم تَتوَّجَ كل هذا بانقلاب السيسي وبداية الانحياز الدولي نحو الرؤية الروسية لنتائج الثورات.
صعود روسيا في الصراع الدولي كان بمثابة المنجاة لعدد كبير جداً من الدول، مختلفة في المصالح ومتباينة في الرؤى، لكنها سعيدة بالنتائج. فأمريكا الأوبامية جاء من يريحها من عبء التدخل وحتى الضغط باتجاهه، كما جاء من ترمي عليه الحمل الأخلاقي في دعم الأسد الذي ترغب هي بدعمه وتغطيته، ولذلك كان الفيتو الروسي أشبه بالهدية الرائعة والمجانية لأمريكا. أما السعودية وإيران فقد كانا يهللان معاً، مرة لإيقاف الربيع العربي الذي كان في طور التوسع والعدوى والتهديد الديموقراطي، ومرة لاستغلال الثورات في تحقيق أعلى مستوى من التدخل والحرب بالوكالة، فجاء الدعم السعودي والإماراتي لانقلاب السيسي لاحقاً للدعم الإيراني الهائل لبشار الأسد، ومختلفاً عنه كماً وكيفاً وفي كل شيء، ما عدا الهدف الأخير في حماية الديكتاتوريات بوصفها نوعاً من الحماية الاستباقية للذات.
كان عام 2013 هو عام الانقلاب الأكبر ضد الثورات، والبداية المرعية دولياً للثورات المضادة، فبعد الامتصاص العربي والدولي لموجة الثورات التي وصلت أقصى مداها في العام 2012، حصلت في العام 2013 ثلاث ضربات قاصمة للثورات، كانت كفيلة بإعدام أي أفق ديموقراطي للمنطقة على المدى القريب والمتوسط بأقل تقدير، وهي:
1- استغلالُ الاحتجاجات الشعبية الهائلة ضد الإخوان المسلمين في مصر، وانقلابُ العسكر المصري بقيادة السيسي على الرئيس الشرعي المنتخب ديموقراطياً، بدعم سعودي إماراتي وتنسيق أمريكي.
2- تجاوز الأسد للخط الأحمر الأمريكي وإمحائه باستخدام الأسلحة الكيماوية، لتبدأ بعده الصفقة الكيماوية التي سمحت ببداية التنسيق الروسي الأمريكي الإسرائيلي، والتي أعطت روسيا مجمل مخرجات الحل في سوريا، وأعطت الأسد ضوءً أخضر لإبادة السوريين وإبادة الثورة دون محاسبة، ليبدأ نهاية العام نفسه ظهورُ داعش الذي أعلن عن نفسه عام 2014، وتحويل أنظار العالم من القضاء على تنظيم الأسد إلى القضاء على تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى، تلك التي لاقت ترويجاً إعلامياً هائلاً بِعَدِّها بديلاً عن الأسد. وبالفعل منذ عام 2013 بدأ تصاعد عنف الإسلام السلفي الجهادي يتناسب طرداً مع تصاعد الدعاية الإعلامية الدولية الكبرى له؛ وإن كان من موقع الخصم والعدو، بينما يتناسب عكساً مع ضعف الثورة بجميع مكوناتها المدنية والعسكرية والسياسية داخل سوريا وخارجها.
3- بداية المفاوضات السرية الأمريكية/ الإيرانية في عُمان، التي ترافقت مع وصول روحاني لسُدَّة الرئاسة في إيران، والتي كان جوهرها يقوم على تخلي إيران المشروط عن برنامجها النووي مقابل الاعتراف الأوبامي بالتمدد الإقليمي لإيران وضمان عدم إزاحة الأسد ورفع العقوبات الاقتصادية الغربية التدريجي عن إيران.
تلك الثلاثية التي حصلت عام 2013 ثبَّتت مجموعة من النتائج، كان من الصعب؛ إن لم يكن من المستحيل، تغييرها. فبالمعنى الإسرائيلي والغربي عموماً، تم التخلي عن خطرين كبيرين هما السلاح الكيماوي السوري والنووي الإيراني، وهو ما يصب في أمن إسرائيل ويفتح شهية الدول الغربية للاستثمار الاقتصادي في الأسواق الإيرانية الواعدة، ومن جهة أمريكا، الأوبامية وقتها، كان ذلك يعني من ضمن ما يعنيه، ليس التفرغ للصين وإكمال وعود أو من جهة امريكا الاوبامية وقتها

Social Links: