نهاية ثورة أكتوبر -انهيار الاتحاد السوفيتي والتجربة –الاشتراكية ــ فالح عبد الجبار

نهاية ثورة أكتوبر -انهيار الاتحاد السوفيتي والتجربة –الاشتراكية ــ فالح عبد الجبار

 

إن دراسة تجربه الانهيار المدوي، والمفجع، لأول تجربة اشتراكية مستقرة نسيا، يمكن أن تتخذ أشكالا عديدة: دراسة العوامل الظرفية التي رافقت محاولات التجديد وأدت إلى الانهيار، أو دراسة العوامل البنيوية التاريخية للتجربة ككل من منظور ما ركس نفسه ٠

يستطع الدارس أن يورد وفرة من الاسباب عن طبيعة النخب السياسية، وتركيبه الحزب، واسلوب عملها، وبنية الدولة، والضغوط الخارجية، التي ادت إلى الانهيار. ويمكن، بالمثل، إيراد ١سباب معاكسة، تؤدي الوظيفة التبريرية أو التفسيرية نفسها. ما نحتاج اليه هو تحليل بنيوي، تاريخي، في ضوء الفهم الماركسي لبنية الرأسمالية وتطورها، وليس تحليلا ظرفيا آنيا.

قد جاءت الثورة الروسية، في أكثر البلدان الرأسمالية تأخرا، أي في بلد لا يصلح للتطور ما بعد الرأسمالي، بالمعنى الماركسي للكلمة؛ فالبلاد شهدت لتوها نمو اولى نبتات الرأسمالية الصناعية الحديثة، على شكل جزر في المدن الكبرى الرئيسية وبخاصة موسكو وسانت بطرسبرغ. وكان مدراء المصانع يستوردون من انجلترا، ويعملون في ظروف لم يتبلور فيها بعد حتى انضباط العمل المصنعي المعروف. ولم تمد الرأسمالية فيها بعد تأثيرها التنظيمي (الانتاج لأجل السوق، عقلنة الانتاج، الحساب الاقتصادي، انضباط العمل، اعادة الانتاج الموسع وهلمجرا) أو تأثيرها المؤسساتي. (اتحادات الصناعيين، نقابات العمال، المؤسسات القانونية لحماية الملكية الخاصة المستقلة من الدولة…الخ) أو تأثيرها الثقافي (فكرة الفرد المستقل، التعاقد الحر، حرية السوق).

لينين نفسه يعترف في كتابات عديدة (راجع كراسه: حول رأسمالية الدولة) ان ما كان موجود في روسبا عصر ذاك هو رأسمالية برجوازية صغيرة، أي انه يعترف بعدم كغاية التطور الرأسمالي في روسيا لأجل الانطلاق إلى اي شكل ما بعد رأسمالي (ناهيك عن الاشتراكية). ويعترف أيضا بان الثورة الروسية لا تملك من (الاشتراكية) سوى السلطة السياسية للعمال، وهم اقلية في المدن ويعيشون وسط بحر من الفلاحين.

الثورة الروسية نفسها كانت ثلاث ثورات في آن، فهي ثورة (او قل تمردات) فلاحية ضد اشكال القنانة البالية، وثورة ليبرالية سياسية ضد الشكل الأوتوقراطي للقيصرية، وهي ثورة عمالية في المدن. وقد اكتسبت هذ٥ الثورات الثلاث طابعا حادا، متوترا، متداخلا، بفعل ظروف الحرب العالمية الأولى. والسؤال الآن إذا كان العمال اقلية، والرأسمالية غير متطورة في روسيا، فما الذي دفع لينين إلى تغيير الدفة باتجاه الثورة العمالية ذات المهام الاشتراكية في بلد ينتظر انجاز مهمات رأسمالية ديمقراطية)؟ هل كان لينين متطرفا، كما قال بعض معاصريه؟ أم كان لينين غير واع لنظرية ماركس؟ لا هذا ولا ذاك.

كان لينين يعي تماما شروط التطور التاريخي للرأسمالية والسعي للخروج منها وتجاوزها كما وضعها ماركس وهي:

1 – لا يمكن تجاوز الرأسمالية إلا بعد وصولها مرحلة عليا من النضج.

2- ان الرأسمالية نظام عالمي وليس محليا.

3 – إن روسيا تفتقر الى هذه الشروط٠

ماذا نقصد بمرحلة نضج الرأسمالية؟

ا — وصول القوى المنتجة درجة عالية من التطور يكفي لإشباع الحاجات المادية لأفراد المجتمع.

ب — نضج مؤسسات الإدارة الذاتية داخل المجتمع وتمايزها عن بعض (المنظمات الاجتماعية).

ج – نضج مؤسسات الادارة السياسية للمجتمع، الديمقراطية، تمايز السلطات وانقسامها (تنفيذ، تشريع، قضاء… إلخ).

د – انفصال الملكية الاجتماعية عن المالكين، في الطور المتقدم من الرأسمالية (ظهور طبقة المدراء والمنظمين من خارج طبقة المالكين الرأسماليين، تطور نظام الائتمان، تطور التنظيم الواعي داخل المؤسسات الرأسمالية التعميمية على المجتمع -لاحقا)، تطور نظم الاتصالات (سكك الحديد؛ الهواتف، السيارات، الطرق والجسور)، تطور المؤسسات ت الاجتماعية المستقلة… ابخ.

لقد كانت هذه الشروط غائبة تماما عن روسيا. وقد اعترض مفكرون ماركسيون عظام على فكرة استلاء الطبقة العاملة الروسية على السلطة.

فهتاك اعتراض (بليخانوف) الذي قال إن بلدا (مثل روسيا) يقوم على انتاج سلعي صغير، وبحر من الفلاحين (البنية التحتية) لن يسمح بنشوء نظام غير نظام استبداد قيصري حتى لو ارتدى رداء بلشفي.

وهناك اعتراض (كاوتسكي)، الذي أكد ان ضعف التطور الراسمالي لروسيا لا يتيح للبلاشفة الاستمرار في السلطة على قاعدة مثل هذه. وتنبأ في دراسات عديدة له (مطلع ثلاثينيات القرن وفي مقال قبل وفاته عام 1938) بتعذر استمرار التجربة.

وهناك اعتراض أو استغراب المفكر (اذطونيو جرامشي- ايطاليا) الذي أكد ان الثورة الروسية هي ثورة مخالفة ل (رأس المال)، اي ضد منطق ماركس الوارد في كتابه “رأس المال” باعتبار روسيا البلد الافقر والاقل تطورأ.

وهناك اعتراضات أخرى من مفكرين غير ماركسيين تنبأوا بان الدولة (البيروقراطية) ستبتلع الحزب، وان الظلم السياسي سيتحول الى اوتوقراطية مطلقة (ماكس فيبر وآخرون).

إذا كان لينين واعيا للمنزلق الروسي فما الذي دفعه الى تغيير الدفة باتجاه البحث عن تجاوز الرأسمالية في ظروف بلد لم تتطور فيه الرأسمالية بدرجة معقولة؟

الجواب انه كان ينتظر، ويأمل ان تحرك الثورة الروسية فتيل ثورات عمالية في القارة فتكون بمثابة المهماز السياسي. وكان يتطلع الى المانيا المتطورة، مثله الأعلى في التنظيم الصناعي والعسكري الى ثوره عمالية ظافرة هناك، تذكي بدورها وبأثرها، ثورة تالية في فرنسا، وإيطاليا، أي ثورة بروليتارية في معاقل الرأسمالية المتطورة. ولكن لم تأت هذه الثورات.

فلثورة المجالسية (العمالية) الاولى اندلعت في ١لمجر، ثم جزئيا في ايطاليا، اما في المانيا فلم تستطع الخروج من القماطة. ولم يتحقق هذا الرهان التاريخي.

كان النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي بناه لينين هو نموذج رأسمالي حكومي مؤقت بانتظار النجدة التي لم تأت. وان هذا النموذج سار في اتجاه التطور الذي تنبأ به (بليخانوف) و (كاوتسكي) و (فيبر) وحتى (روزا لوكسمبورغ)، أي قيام دولة بيروقراطية، مركزية، استبدادية، تفتقر الى أي من معالم الديمقراطية (حتى للبلاشفة أنفسهم ناهيك عن المجتمع) وتجمع بيدها في آن واحد السلطة السياسية بالسلطة الاقتصادية، وتهيمن على إنتاج الثقافة، على يد طبقة بيروقراطية تحكم باسم التاريخ وباسم الطبقة العاملة. لقد كان هذا النموذج يعيش انفصالا بين واقعه المتخلف (تدني الانتاج، ضعف المؤسسات المجتمعية، غياب التمايز المؤسساتي في الدولة… الخ)، وادعائه الايديولوجي بأنه يبني الجنة الموعودة، جنة التحرر من الحاجات المادية، وجنة التحرر من القمع الرأسمالي… الخ.

لقد ادى هذا النموذج إلى النزع القسري للفلاحين (راح ضحيته 20 مليون انسان)، والى القمع الجسدي لصغار المنتجين والهين (راح ضحيته 10 ملاين انان).

كان هذا النموذج مرشحا للانهيار لولا بضعة عوامل انجدته، منها:

1- التحام البلشفية بالنزعة الوطنية الدفاعية خلال الحرب العالمية الثانية، مما اكسبه شرعية لدى جيل ما بين الحربين، شملت حتى الكنيسة الأرثوذكسية.

2 – توفر لروسيا الثورية على مصادر كبيرة (النفط، الذهب)، التي سدت الثغرات الاقتصادية لفترة.

3 — تمتع روسيا الثورية بتعاطف ثوري عام في البلدان الرأسمالية والعالم الثالث وسط قطاعات الطبقة العاملة، واليسار الثوري، وغيرها من القوى٠

إن النموذج الروسي يقوم على بنية سياسية شديدة التمركز والاستبداد، وعلى بناء اقتصادي أوامري، ضعيف الانتاجية، وخاضع لتحكم طبقة بيروقراطية متنعمة.

لقد لعب هذا النموذج دوره في التطوير الجزئي للقوى المنتجة (التصنيع الثقيل، الكهربة، مد سكك الحديد) وهي مهمات رأسمالية أصلا، إلا أنه عجز عن مواكبة تطور الثورات العلمية والتكنولوجية اللاحقة. كما لم تسمح الييروقراطية المتحكمة بالفوائض، بإجراء اي تعديل في بنية النظام السياسي.

لقد كان النموذج: رأسمالية موظفين مستبدة، انهارت تحت وطأة تناقضاتها المستحكمة… إنها رأسمالية مشوهة.

إن التجربة الروسية تعيدنا إلى أصل نظرية ماركس: لا تجاوز للرأسمالية الا في اطارها، وبفضل انجازاتها، وتطورها بالذات. ولا يمكن تجاوزها بمراسيم وادعاءات ايديولوجية فارغة.

لقد سعت محاولات الاصلاح إلى الفكاك من الاقتصاد الأوامري، فاكتشفت ان البيروقراطية غدت فئة اجتماعية عاتية تحتل مفاصل الدولة. فلما اتجه الاصلاح إلى الدولة ذاتها، اصطدم بمقاومة أعتى من الطبقة البيروقراطية، التي انقسمت وتوزعت إلى تيارات.

هناك في الحياة الاكاديمية منهج يقول إن لمشكلة معينة سبعة أسباب محتملة. فيتولى كل فريق عمل البحث في سبب من الاسباب، وهكذا تعمل سبعة فرق ابحاث لتثبت ان ستة من التفسيرات هي خاطئة، وان تصورا أو سببا واحدا هو الصائب.

وتجربة اكتوبر برأيي تنطوي على اهمية كبرى؛ إنها تثبت بالملموس ما هو الطريق الخاطيء الذي لا يتوجب علينا اتباعه.

البروليتاريا الروسية، وشعوب الاتحاد السوفييتي، وخاصة الشغيلة، تحملوا اعباء لا تقوى عليها الجبابرة، من دمار الحرب الاهلية، وخراب حربين عالميتين وحصار، وسباق تسلح واعباء اطعام حركات التحرر لبلد لا يقوى اقتصاده بالكاد على كفاية حاجات مجتمعه.

تقول لنا الثورة الروسية ما لا ينبغي عمله، وما لا ينبغي السير عليه. وقد دفعت روسيا ثمن ذلك بالدم والدموع.

لقد أطلقت الرأسمالية، كتشكيلة عالمية، عدة ميول اجتماعية- فكرية، هي النزعة الفردية (الليبرالية)، النزعة الاجتماعية

(الاشتراكية)، النزعة الدولية (الفاشية والنازية).

وانتصرت كل نزعة سياسيا حيثما كان الخلل الذي ولدته الرأسمالية يفغر فاه في ذلك المجال المحدد. وتحولت هذه النزعات بانتصارها السياسي، إلى دول ليبرالية، ودول اشتراكية ودول نازية، اي تحولت إلى نظام فرعي في مضمار العالم الرأسمالي. ودخلت هذه النظم الفرعية في احتراب وتلاقح متبادل. فالليبرالية تمجد الفرد المنتج الرأسمالي) والحريات المدنية، والنازية تمجد الأمة والدولة، والاشتراكية تمجد

الجماعية، لكنها كلها انحبست في إطار الدولة القومية nation-state وهذا امر طبيعي، لأن معمار العالم الرأسمالي، كما وصفه ماركس في مخططه الاخير لكتاب “راس المال” بانه يتألف من اربعة عناصر:

ا – راس المال.

2 – الدولة.

3 – السوق العالمية ٠

4 ~ التجارة الدولية

لقد كتب ماركس باستفاضة عن العنصر الاول؛ ولم تتح له امه الطبيعة ان يبحث باسلوبه المستفيض، الموثق، العناصر الثلاثة الاخرى، رغم انه اشار اليها اشارات لا تخطئها العين؛ رغم انها اشارات متتاثرة.

ترك ماركس ارثاً يقوم على:

1 –تركيب المناهج العلمية في اعلى نقطة من تطورها في عصره.

2 – نقد الرأسمالية وتحليلها وصولا إلى تعيين تخومها، وامكانات تجاوزها.

لقد مر على انجازه قرن ونصف القرن وحصل ما يلي:

1 – ان الرأسمالية نفسها اكتسحت العالم (كما توقع لها ماركس) وصارت المحيط الذي توجد فيه جزر صغيرة من اقتصاد

الكفاف، بعد ان كانت جزيرة وسط بحر متلاطم من الفلاحين والحرفيين.

2 – ان تطور الرأسمالية يتخذ اشكالا عديدة متنوعة يمكن تنميطها في ثلاثة انماط رئيسية تجريدية:

3 -ا – الرأسمالية الفردية.

3 – ب – رأسمالية الدولة.

3 -ج- الرأسمالية القرابية.

نشأ النمط الاول كلاسيكيا في بريطانيا (ولاحقا امريكيا)، ونشأ النمط الثاني كلاسيكيا في المانيا (ثم روسيا الثورية) أما النمط الثالث فيترعرع امام انظارنا في دول عديدة (اندونيسيا، السعودية، من بين امثلة وفيرة) هناك هجائن بالطبع، او مزيج من هذه الانماط.

4 – لقد ظلت الرأسمالية نظاما قائما داخل الدولة القومية، ومتحققا خارجها (في السوق العالمي) عبر التجارة الدولية، وهي

تجارة كانت تدار بقوة السلاح (فتح اسواق اليابان عام 1802 على يد البوارج الاميركية، وكذلك الصين)، اما اليوم فإنها تخرج من هذا الإطار لتتطابق أو تقترب بالأحرى من النموذج النظري الذي ابتدعه ماركس، مع وجود تعديلات مستمرة على البنى الاجتماعية

و1لسياسية والثقافية.

5 – ان الرأسمالية كنمط انتاج، أو كتشكيلة (سياسية، اقتصادية ثقافية، مجتمع مؤسسات). هي نات طابع مزدوج.

علمنا ماركس ان عملية الانتاج هي عملية عمل، تنظيم للقوى الحية، حساب اقتصادي عقلاني، تفاعل مع الطبيعة، لا نتاج الخيرات المادية التي لا تحرر من عالم الضرورة بدون وفرتها الغزيرة. ولكنها في الوقت نفسه عملية استغلال، نظام علاقات اجتماعية.

ومن الواضح وضوح النهار، ان عملية العمل، هذه لن تتوقف فى أي تشكيلة ما بعد رأسمالية.

وما يصح من ازدواج على عملية العمل، يصح أيضاً على بقية مكونات التشكيلة الرأسمالية: تقسيم السلطات، تجديد الشرعية بالاقتراع، حرية المعلومات، تعميم الثقافة (التعليم العام)، تعميم منجزات العلم، الحريات الفردية (حرية الضمير، المعتقد… الخ)، مقابل سطوة الشركات، الهيمنة على وسائل الاعلام، التعصب العرقي والديني والقومي، انفصال مؤسسات الدولة عن الرقابة، إلخ… إلخ٠

6 – تعمل الرأسمالية في إطار معولم (كوني) وليس صحيحاً المساواة ين الرأسمالية والعولمة فالعولمة، هي الإطار العام لذي يسمح لكل القوى والمؤسسات المتناقضة داخل الرأسمالية بالعمل والتحرك، على نطاق واسع. وهي ذاتها متناقضة ومتصارعة. وهي تتحقق نظم الاتصالات الكونية، وثورة المعلومات، وتداخل كل العمليات في حياة المجتمعات البشرية تداخلاً لا فكاك منه.

ان نقد الرأسمالية شيء، ونقد العولمة شيء آخر. ان بعضاً من النقاد يشبه ذهنية نشطاء حركة (اللوديت) الذين أرادوا تحطيم الرأسمالية في بريطانيا بتدمير الآلات الحديثة.

  • Social Links:

Leave a Reply