الخوري إبراهيم خمسيني وسيم أنيق، بلحية خفيفة مشذبة، وثياب مدنية. قميصه شديد البياض، وبنطاله الأسود مكوي بأناقة، مع محرمة (كلينكس) تحيط رقبته تحت ياقة القميص لامتصاص العرق. التقيته في يوم رمضاني، عندما ضرب المدفع معلناً نهاية يوم طويل من أيام الصوم الصعب، حين كانت المدينة شبه خالية.
مظهر الخوري بعيد جداً عن مظهر عمي إبراهيم، خوري حزور، والذي كان يشبه القديسين في الأيقونات ولوحات القديسين المعلقة على جدار الهيكل في الكنائس الأرثوذكسية، الجدار الفاصل بين الناس وأسرار الكنيسة، مضفياً الغموض على حركات الكاهن أثناء ممارسة طقس قداس الأحد. أما صديقي الخوري إبراهيم فكان أقرب في مظهره إلى رجال السياسة الذين التقيت بعضهم في إسطنبول، في مكاتب المعارضة.
وصلنا معاً إلى بيت الدكتور طلال العبد الله، وهو البيت الذي سيستقبلني طوال خمسة أيام هي فترة وجودي في المدينة. كان الرجل أحد أوائل السوريين الملتحقين بالثورة السورية في تركيا. بعد قليل من وصولي، اكتشفت أن الرجل مصاب بـ”مرض الثورة” وهو المرض الذي يصيب أصحاب الأحلام الكبرى، وأصحاب النفوس الكبيرة التي تؤمن بالوطنية الشاملة الجامعة لكلّ أبناء الوطن. والدكتور طلال خريج المدرسة الحزبية التي يقول مؤسسها أنطون سعادة: “كلّنا مسلمون لربّ العالمين، منّا من أسلم لله بالإنجيل، ومنّا من أسلم لله بالقرآن، ومنّا من أسلم لله بالحكمة، ولا عدوّ لنا يقاتلنا في ديننا وأرضنا وحقنا إلّا اليهود”.
وعندما حاول العبد الله أن يعمل في خدمة السوريين عرقل “الثوار” عمله لأسباب طائفية وحزبية ومصلحية، وأيقن حينها أنه انتقل من “تحت الدلف إلى تحت المزراب”، فقد سبق له الابتعاد عن رفاقه “السوريين القوميين” لأنّهم وضعوا أنفسهم وحزبهم في خدمة آل الأسد بدلاً من خدمة الوطن، ووجد في الثورة الأمل الضائع في الحزب، فلم يتردد بالالتحاق بها، لكنّ الآخرين كانوا يريدون “ثورة” على مقاسهم تحقق مصالحهم الضيقة، ولو كانت على حساب الوطن، فأصابه مرض “الثورة” وهو الانكفاء والعزلة والتشكيك بكلّ شيء، وما ينتج عن ذلك من أمراض عضوية. كانت أنطاكية خياره للاستقرار، فهو لا يستطيع العودة إلى مدينته وعيادته وأملاكه في السقيلبية، ولا يريد اللجوء إلى الغرب.
لم تكن الثورات في أيّ يوم صفحة بيضاء يمكن أن نكتب عليها ما نشاء وكيفما نشاء، هذه ثورتنا التي تشبهنا، حتى لو شكك “النساك” في طهارة بعض عناصرها.
في المساء التالي، عمل الخوري إبراهيم على كسر “حضورنا الأرثوذكسي الثلاثي” فجمع أصدقاء أدالبة في سهرة جميلة، استعادوا فيها ذكريات الحراك الثوري في منطقة كلّ منهم، وكنا فيها أقرب إلى مقولة سعادة: “كلّنا مسلمون لربّ العالمين فمنا من أسلم لله بالإنجيل، ومنّا من أسلم لله بالقرآن، ومنّا من أسلم لله بالحكمة….” وعدونا جميعاً هو نظام الاستبداد الأسدي، وكل استبداد.
——–
من مقالتي عن مدينة الله اانطاكية، المنشورة في العربي الجديد

Social Links: