التدين الإسلامي والثورة السورية من منظور نفسي/ اجتماعي – أحمد نظير الأتاسي 2-3

التدين الإسلامي والثورة السورية من منظور نفسي/ اجتماعي – أحمد نظير الأتاسي 2-3

أحمد نظير الأتاسي

                  أحمد نظير الأتاسي

علاقة التدين الإسلامي بالثورة السورية

هنا لا بد من الإشارة بدايةً الى أن أنماط التدين الليبرالية والهوياتية كان لحامليها مشاركة في الثورة، وخاصة السلمية. لكن المعارف والقرارات والممارسات الخاصة بحاملي هذين النمطين من التدين في الثورة السورية ليس لتدينهم أثر كبير فيها وإنما اعتمدوا على أيديولوجيات أخرى مثل القومية أو اليسارية أو الليبرالية الديمقراطية (حقوق الإنسان، الحريات، الدولة الحديثة، البرلمانية) التي أصبحت اليوم أيديولوجيا عالمية يتعامل معها الكثيرون على أنها أمر واقع أو آخر مراحل تطور التاريخ أو أفضل الموجود أو نتاج تطور العلم والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية. ولذلك فإننا سنركز على دور أنماط التدين الشعبية والملتزمة والسياسية والجهادية. ولا يعني اهتمامنا بدور التدين أن الأيديولوجيا الدينية كانت العامل الأهم في قيام الثورة، أو أنها ساهمت في صنع الصياغة الأكثر انتشاراً لسردياتها ومطالبها أو حددت الممارسات الأكثر انتشاراً في كل مراحلها، أو أنها المعبرة عن تطلعات كل السوريين، أو أنها التي ستقرر مصير الأزمة السورية ومستقبل البلد والدولة في سوريا. كان للتدين كأيديولوجيا وممارسات وتجارب شعورية أدوار مختلفة الانتشار والقوة في المراحل المختلفة للثورة، ويمكن أن نصوغ مقاربات نظرية متعددة أخرى لفهم الجوانب الأخرى لهذه الثورة الشعبية والأزمة الدولية التي نتجت عنها.

الثورات من منظار نفسي اجتماعي (5)

 

لماذا يشارك الإنسان في فعل جمعي مثل الثورة؟ هناك منحيان للتفكير النظري في هذا السؤال: منحى المعضلة الفردية (individual dilemma)، ومنحى المعضلة الجمعية (social dilemma). المنحى الأول يرى أن قرار المشاركة في النهاية قرار فردي تحكمه المنفعة الفردية، وبالتالي فإن الفعل الجمعي هو مجموع ميكانيكي للأفعال الفردية. أما المنحى الثاني فيرى أن المجموعة البشرية تتخذ قرار الفعل جمعياً وتنفذ الفعل جمعياً من أجل تحقيق منفعة جمعية، بغض النظر عن زيادة أو نقصان المنفعة الفردية.

يعتقد المنحى الأول أن كل فرد هو إنسان عاقل يسعى لتحقيق أقصى منفعة فردية ممكنة في أي فعل يقوم به. هذا النموذج النظري للإنسان المتخذ للقرار يسمى النموذج العقلاني النفعي (rational utilitarian). هذا المنحى يعتقد بأن المنفعة الجمعية لا تحصل إلا إذا تحققت المنفعة الفردية لكل فرد مشارك في الفعل الجمعي، أي الثورة. وبالتالي فإن القرار الفردي بالمشاركة يقوم على ضمانات الحصول على منفعة فردية بعد القيام بالفعل. فإذا لم توجد مثل هذه الضمانات فإن الثورة تصبح مستحيلة. هذه هي المعضلة الفردية؛ الإنسان العقلاني النفعي لن يشارك غالباً في أية ثورة إلا في حالات نادرة. فكيف تقوم الثورات إذن، الناجحة منها والفاشلة. الوجه الآخر للمعضلة الفردية هو أن المساهمة الفردية في النجاح المحتمل، حتى ولو كان مضموناً، تبدو صغيرة إلى درجة أن اختفاءها لن يؤثر على الناتج العام. وبالتالي فإن الإنسان العقلاني النفعي لن يتغلب على عطالته الذاتية ولن يحس بأهميته؛ فاستحالة الثورات إذن مضاعفة إذا اعتمدنا النموذج العقلاني النفعي؛ وقيام أية ثورة هو إما بسبب عدم عقلانية الأفراد أو عدم معرفتهم كيفية حساب منفعتهم الفردية. أي أن الأفراد قد يخطئون في تقييمهم لفرص النجاح أوفي تقييمهم لأهميتهم الفردية في زيادة فرص النجاح (أوهام أو خطأ في الحساب العقلاني). وبالتالي فإن قيام أية ثورة حسب النموذج العقلاني النفعي يأتي من أخطاء، وهذا ما يقود إلى الاعتقاد بأن الثورات تقوم على تناقض (paradox). بعيداً عن فرضية الأوهام، إذا أصرينا على عقلانية قرار المشاركة فلابد من حل للخروج من المعضلة. قد يعتقد بعض الأفراد أن الضرر (وليس المنفعة) من عدم قيام الثورة سيكون له تأثير على الجميع وبالتالي فإن الضرر الفردي ينتج عن الضرر الجماعي (عكس المنفعة، حيث المنفعة العامة تحصل من المنفعة الفردية). وكذلك قد يكون بعض الأفراد متفائلين ويعتقدون أن أهمية مساهمتهم ضئيلة لكن ليست معدومة. وبالتالي فمن الممكن وجود كتلة حرجة (عتبة الثورة) من المتفائلين تجعل البدء بالثورة ممكناً. لكن ما هو احتمال أن يكون هناك ما يكفي من المتفائلين حتى نصل إلى عتبة الثورة؟ لا نعرف، وبالتالي فإن قيام أية ثورة هو مسألة حظ لا أكثر ولا أقل.

 

الوسيلة الوحيدة لتفسير قيام الثورات باستخدام النموذج العقلاني النفعي هو إدخال متحولات جديدة في الحسابات العقلانية؛ على سبيل المثال، الفائدة المحتملة وليس الفائدة الناجزة، والأهمية المحتملة وليس الأهمية الأكيدة. لو نجحت الثورة سنستفيد جميعاً وسيكون لفعلي الفردي أهمية كبيرة جداً. هنا تصبح الخسارة المحتملة في حالة عدم المشاركة الفردية متبوعة بفشل الثورة كبير جداً. لا بل إن مشاركتي الضئيلة ومشاركة الأفراد أمثالي ستزيد من فرص النجاح أو ستقلل من فرص الفشل، وبذلك تصبح أهمية المشاركة الفردية هائلة. كذلك فإن الثورات ليست فعلاً واحداً وإنما أنواع كثيرة من الأفعال، أي أن نوعية مشاركتي قد تكون بالمقارنة مع من يملك مؤهلاتي وليس بالمقارنة مع كل المشاركين في الثورة، وهذا قد يزيد من أهمية مشاركتي، لا بل قد يجعلها ضرورية.

 

الفرق بين الاعتبارات الأولى التي ترى أن الثورة تناقض، والاعتبارات الثانية التي تحافظ على عقلانية المشاركين لكنها تطرح متغيرات جديدة هو إدخال المصلحة العامة في الحسبان. النموذج العقلاني الأناني الذي ينطلق من الفرد لا يشرح قيام الثورات، ولا يمكن شرح قيام الثورات إلا بإدخال المصلحة العامة (مثل: نجاح الثورة سيزيد منفعتي الفردية؛ أو مشاركتي ستزيد فرص النجاح) ولو كعامل سلبي (فشل الثورة سيضر الجميع ومنهم أنا؛ عدم مشاركتي ستكون كارثية للجميع ومنهم أنا). إذن شرط المنفعة الجمعية ضروري حتى في النموذج العقلاني النفعي الفردي. هذا يشجع على دراسة المنحى الثاني في تفسير مشاركة الناس في الثورات؛ ونعني منحى المعضلة الجمعية الذي يقول بأن قيام الثورة يكون دائماً قراراً جمعياً للقيام بفعل جمعي من أجل تحقيق منفعة جمعية. في هذه الحالة هناك سيناريوهان يمكن تخيّلهما لاتخاذ مثل هذا القرار.

 

في السيناريو الأول (حلاوة النجاح، تعميم النجاح الجمعي) نجد أنفسنا مهتمين بالمصلحة العامة لأنها متماهية مع المصلحة الفردية، وننتظر ما يجعلنا نعتقد بأن الثورة ستحقق منفعة للجميع لنسارع إلى المشاركة. هنا نجد أنفسنا متفائلين بفرص نجاح الثورة، ومعتقدين بأن ثمن المشاركة الفردية لا يهم مادامت المنفعة الجمعية عالية، لا بل إن التضحية تصبح ممكنة كلما زادت الفائدة الجمعية. كما ولا نقلل من احتمال أن تكون مشاركتنا الفردية أساسية من أجل النجاح. في مثل هذا السيناريو، وحسب علم النفس الاجتماعي، ما هي الشروط التي تحفز الناس على المشاركة؟ يبدو أن هناك أربعة شروط:

 

  • الأول (دوام الحال): يجب أن يؤمن الناس بأن القهر والقمع لن يزولا إلا بالثورة. فإذا كان هناك احتمال بأن الأوضاع ستتغير قريباً، فإن الناس لن تثور لأنها تعتقد بأن وضعها السيء هو وضع مؤقت.
  • الثاني (الجدوى الجمعية): يجب أن يؤمن الناس بأنهم معاً قادرون على تغيير الوضع. أي يجب أن يؤمن الناس بوجود موارد بشرية ومادية كافية يمكن تجييشها بنجاح من أجل الانتصار. وكلما كانت فرص النجاح أكبر كلما زادت المشاركة حتى ولو لم يكن الحنق الجماعي عالياً.
  • الثالث (الطريق المسدود): يجب أن يتأكد الناس بأن فرص اختراق جدار النخبة الحاكمة فردياً شبه معدوم. معظم الناس يفضلون العمل لوحدهم، فإذا كانت فرص الانتقال من طرف المضطهَدين إلى طرف النخبة المتسلطة ممكنة فإن معظم الأفراد سيفضلون هذا النوع من الفرص على الاستراتيجية الجمعية في تحقيق التغيير.
  • الرابع (نحن المضطهَدين): يجب أن يشعر المشاركون بأن هويتهم متماهية تماماً مع الجماعة المضطهَدة (6). يجب أن يحس المشاركون في الثورة بأنهم ينتمون إلى جماعة متماسكة ومضطهَدة. الإحساس الفردي بالعوز النسبي (ما أحصل عليه لا يتناسب مع ما أستحقه) ليس كافياً، يجب أن يكون هناك إحساس مشترك بالاضطهاد وعدم تكافؤ الفرص.

 

في السيناريو الثاني (حلاوة التضحية، تعميم الفشل الجمعي) نجد أنفسنا مندفعين لتحقيق المنفعة العامة حتى ولو كانت النتيجة ضارة على المستوى الفردي، أو لأن المنفعة الفردية لا تهم أمام احتمال الفشل الجمعي. هنا نجد أنفسنا غيريّين متعففين عن المصلحة الفردية في سبيل المصلحة العامة، وأحياناً غير عقلانيين في غيريتنا. في مثل هذا السيناريو، وحسب علم النفس الاجتماعي، ما هي الشروط التي تحفز الناس على المشاركة؟ إن الشرط الأكثر وضوحاً هو حجم المنفعة الحاصلة من احتمال النجاح بالمقارنة مع حجم الضرر الحاصل من احتمال الفشل. فإذا كان الفرق شاسعاً سيسعى الناس إلى المشاركة بدلاً من التقاعس والهرب. كما أن الإحساس بأن عدم المشاركة سيكون كارثياً على الجميع يدفعنا إلى المشاركة بدل أن يثبطنا عنها. وإذا كانت شخصية الفرد اجتماعية ومحبة للتعاون والعمل الجمعي فإن المشاركة ستكون كبيرة. وكذلك فإن درجة التماهي مع الجماعة المضطهَدة ستحدد درجة المشاركة. المنتمون إلى مجموعات صغيرة متماسكة ضمن المجموعة الكبيرة قد تكون مشاركتهم أقل في هذا السيناريو. كذلك فإن درجة التواصل بين أفراد المجموعة سيزيد من المشاركة لأن التواصل يزيد اللحمة والتماهي مع الهوية الجمعية ويزيد من الوعود التي يعطيها الفرد لجماعته، بالتالي التزامه تجاهها.

الهوامش :

5- Torbjörn Tännsjö, “Social Psychology and the Paradox of Revolution.”

6- الهوية أيديولوجيا تكوّنها وتحملها الجماعة المترابطة المتماسكة لترسم حدودها وتحدد من ينتمي إليها ومن هو خارجها ولا ينتمي إليها.

 

  • Social Links:

Leave a Reply