في ذكرى وفاة جمال عبد الناصر – د. عارف دليلة (٣)

في ذكرى وفاة جمال عبد الناصر – د. عارف دليلة (٣)

الستينات ومطلع السبعينات من القرن العشرين : ذروة النهوض التحرري في العالم الثالث, هل كانت بداية النكوص العربي ؟

تميز عقد الستينات من القرن العشرين بتحولات كبرى ، كان من أهمها النهوض السياسيي التحرري في العالم الثالث . فقد حصل العديد من المستعمرات السابقة على الاستقلال ، وكان أهم رموزه ،في افريقيا انتصار ثورة المليون شهيد في الجزائر ، وكان للجمهورية العربية المتحدة ( مصر وسوريا ) دور مؤثر في ذلك الانتصار ، وما تبعه من ظهور عدد من الدول الأفريقية الجديدة المستقلة .

وفي أمريكا اللاتينية ، كان لانتصار الثورة الكوبية تداعياته الكبيرة في “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة – أمريكا اللاتينية من ثورات تحررية في ما كان يطلق عليه “جمهوريات الموز ” , والتي كان الروائي الأمريكي اللاتيني غابرييل غارثيا ماركيز افضل من عبر عن مخاضات شعوبها التحررية ، وقد منح جائزة نوبل في الادب بعد صدور روايته الشهيرة ” مائة عام من العزلة ” المعبأة بالدعوة للتحرر من العبودية للإمبريالية الأمريكية ممثلة بشركة الخضار والفواكه الأمريكية وامثالها والحكومات العميلة لها ، هذه الرواية التي اصبحت في الادب الروائي العالمي مدرسة في ” الواقعية السحرية ” المستلهمة من ” ألف ليلة. ليلة” العربية الشهيرة .

 

ولقد طغى في ذلك الوقت الإشعاع الثوري الذي انطلق من فيدل كاسترو ، قائد الثورة الكوبية المنتصرة، ورفيقه تشي غيفارا ، الذي ترك منصبه كوزير للصناعة في الحكومة الكوبية لينقل الى البر الأمريكي اللاتيني الشعلة الثورية التحررية وليصبح رمزا نضاليا عالميا ملهما ، رغم فشل ، بل بالأخص ، بعد فشل حراكه الثوري واستشهاده في بوليفيا .

 

ولهذه اللحظة التاريخية المهمة في ذاكرتي مكان خاص تشكل خلال مشاركتي في “المؤتمر الثالث لجمعية اقتصاديي العالم الثالث” والذي انعقد في كوبا ربيع عام ١٩٨١ ، وكان يرأس هذه الجمعية آنذاك الاقتصادي الأردني الصديق يعقوب سليمان . كان قد مضى أشهر قليلة على بدء انتقالي من جامعة حلب إلى المعهد العربي للتخطيط بالكويت للعمل كخبير اقتصادي ( والذي انتقلت منه بعد سنتين إلى مكتب الاستشارات الصناعية التابع للأمم المتحدة في وزارة التجارة والصناعة -لاحقا وزارة الصناعة و النفط الكويتية ، لأعود بعدها عام ١٩٨٦ استاذا للاقتصاد بكلية الاقتصاد في جامعة دمشق).

 

لم نسمع اسم كاسترو مرافقا بأي لقب آخر . كنا نسمعه فقط فيديل سواء في الاعلام الرسمي أو على السنة الناس ، ولم نر له تمثالا أو صورة واحدة ، (بخلاف زعماء الدول الاشتراكية والعربية المبجلين) ، حتى بمناسبة الاول من أيار، عيد العمال العالمي، أكبر أعياد كوبا الرسمية. دعا كاسترو أعضاء المؤتمر مرتين إلى حفل كوكتيل في القصر الجمهوري، ذلك البناء البسط الجميل الأنيق، الذي كان لم يكن قد اكتمل بناؤه بعد عند سقوط ديكتاتور كوبا باتيستا ، الذي كانت كوبا في عهده مجرد مزرعة لقصب السكر للشركات الأمريكية يعمل فيها الزنوج (الذين يشكلون ٧٠٪ من الشعب الكوبي) بصفة عبيد ، بالإضافة إلى دورها ك “ماخور” يقضي فيه الأثرياء الأميركيون اوقات استجمامهم .

 

كان الانطباع الأهم عن اشعاع شخصية كاسترو ، وبالأخص في أوساط الشباب الأمريكيين اللاتينيين ، هو تماثله مع نظرتنا نحن الشباب العرب الى شخصية جمال عبد الناصر في الخمسينات ، والتي كانت تتصف بالإعجاب والانبهار العفوي الشديد ، (هذا قبل أن تتخلخل ، الى هذا القدر أو و ذلك ، بعد ما وقع من هزائم وانكسارات على عهد عبدالناصر في الستينات والتي تكاتفت فيها الكثافة الهائلة لعناصر المؤامرة الخارجية مع السلبيات المتزايدة في طبيعة النظام الناصري وممارسات اجهزته القمعية , والتي أصبحت بعده تحظى باعتراف واسع ، وبالأخص منها اخفاقه في حماية وتعظيم الوحدة العربية للحيلولة دون وقوع الانفصال عام ١٩٦١، واخفاقه في حرب اليمن ( رغم نجاحه الأولي بالإطاحة عام ١٩٦٤بنظام الإمامة هناك الذي كان ، ربما مع نظام الامبراطور هيلا سياسي في اثيوبيا ، من اكثر انظمة العالم بؤسا وتخلفا ) ، ثم الكارثة الكبرى المتمثلة بهزيمته العسكرية الفاضحة ، الى جانب النظام السوري وأنظمة العرب عموما ، أمام العدوان الإسرائيلي في الخامس من حزيران عام ١٩٦٧ ، والتي استطاع النظام الصهيوني- الامبريالي العالمي من خلالها أن يضاعف مساحة الأراضي العربية المحتلة من قبل اسرائيل احتلالا مباشرا الى ثلاثة أضعاف، هذا غير الاحتلال غير المباشر ، الشامل وغير المحدود ، من قبل النظام الصهيوني – الإمبريالي العالمي للوطن العربي ، وتزداد وطأة هذين الاحتلالين الباهظي التكلفة المهددين للوجود وللمصير العربي حاضرا ومستقبلا على ارض فلسطين و الجولان السوري والممثلة ايضا في السيادة المنتقصة على سيناء ، وصولاً أخيراً ، وأرجواً أن يكون آخرا ، إلى الانهيارات الشاملة في السنوات السبع الاخيرة على الساحة العربية ، بدءا بدول ما كان يجب أن يكون ” الربيع العربي”، هذه الانهيارات أو النكبات العظمى المحملة على الحروب العالمية على الوطن العربي ، بالأصالة وبالوكالة ، المستدعاة بكامل الوعي والاصرار من قبل السلطات المحلية بطبيعتها الديكتاتورية المستبدة الفاسدة المعادية لحقوق شعوبها في الحرية والكرامة والتقدم .

 

و مما احتفظ به في ذاكرتي عن مناسبة حفل الكوكتيل في القصر الجمهوري الجميل والانيق على تواضعه المعماري مقارنة بما نراه حتى من القصور الخاصة في الدول العربية ، صورة رجل حسن القوام متواضع اللباس جرى تعريفه على أنه شقيق الرئيس كاسترو (غير الشقيق الحاكم حاليا وزير الدفاع السابق ) وهو منذ عشرين عاما, اي منذ انتصار الثورة ورئاسة أخيه للدولة ، يعمل مديرا لإحدى الجمعيات التعاونية الحكومية ، ولا شيء آخر ، مما يتميز به المراهقون عديمو الشأن المنتمون الى مراكز السلطات العربية . ولا يفوتني هنا أن أتذكر تصنيفا من تصنيفات مجلة فوربس الشهيرة بإعداد قوائم اثرياء العالم سنويا صدر منذ سنوات وقبل ان يترك كاسترو الرئاسة (طبعا بسبب المرض وبعد نصف قرن في الرئاسة أو بعد ثمانين حولا من العمر ، كما يقول الشاعر العربي زهير بن ابي سلمى !) ، والذي يضع فيديل كاسترو بين أكبر أربعة اثرياء في العالم ، ناسبا إليه ملكية جميع الشركات والمؤسسات الحكومية الكبيرة في البلاد التي يرأسها ، على فقرها!

ولا يمكنني إنهاء الحديث عن كوبا بدون الاشارة القوية إلى مسالتين متعاكستين ، أولهما إيجابية ، وهي أن جزيرة كوبا المحاصرة والافقر في العالم بالموارد الطبيعية أصبحت تعد من بين أكثر دول العالم تقدماً في الصحة وفي التعليم، وثانيهما ، واعتبرها سلبية ، وهي أن كوبا استمرت حوالي نصف قرن على نظام سياسي ديكتاتوري يعاني الفقر والبؤس الاقتصادي والاجتماعي وهو يرى العالم كله في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب يفور ويثور ويعج بالتحولات الاقتصادية والسياسية والعلمية -التكنولوجية ودون أن يرف له جفن ؟

ولكن لا اعتقد ان الجواب سيكون صعبا على من يعيش على هذه الأرض المسماة ” الوطن العربي” ، والخالية، بالأخص ، من الإيجابية الكوبية ، وعلى العكس ، بالغة الغرق ، وعلى ابشع بكثير ، في السلبية الكوبية المشار إليها.

  • Social Links:

Leave a Reply