الزراعة السُّورية تاريخُ وانهيارُ وآمالْ – د. أحمد سعد الدين 3/3

الزراعة السُّورية تاريخُ وانهيارُ وآمالْ – د. أحمد سعد الدين 3/3

ندوة لمنتدى الجبل الثقافي

 4- الزراعة والحرب السورية

نوهنا فيما سبق إلى أن القطاع الزراعي كان القطاع الأكبر من حيث الحجم منذ استقلال سورية وبقي هذا القطاع أكبر القطاعات الاقتصادية حيث كانت تبلغ نسبته 35% في 1994 ، لكن هذه النسبة بدأت منذ ذلك الوقت بالانخفاض فبلغت 27% في 2001 ثم انخفضت إلى 19% في 2011 . إلا أن مساهمتها في الناتج المحلي بقيت أكبر من ضعف مساهمة قطاع التصنيع الذي بقي هشا معتمداً على الصناعات التحويلية وتابعاً في الوسائل التقنية لدورات إنتاج تقع خارج حدود البلاد. الأمر الذي طبع التحول الهيكلي في الاقتصاد السوري بصفة الريعية التي تعتمد على تضخم قطاع الخدمات دون نمو صناعي صلب. فانخفاض أهمية الزراعة لم يترافق مع نمو في القطاعات المشغلة لقوة العمل كالتصنيع ، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على معدلات البطالة (الظاهرة والمقنعة) خاصة في فترة بدأت الدولة فيها بالانسحاب من مسؤولياتها في موضوع التوظيف.

بعد 6 سنوات من الأزمة بقيت الزراعة مصدرا أساسيا للرزق لغالبية سكان الأرياف، حيث تشير التقديرات أن حصتها في الناتج المحلي (الذي انخفض تقريبا إلى النصف مقارنة بمستوى 2011) ارتفع إلى 26% مما يشير إلى أن الزراعة تمتعت بمرونة وقدرة على التأقلم فاقت باقي القطاعات الاقتصادية فهي مازالت تشكل مصدراً للرزق وشبكة أمان حيوية لحوالي 6,7 مليون سوري يعيشون في المناطق الريفية الآن بما فيهم الأسر المهجرة من أماكن أخرى من الداخل السوري.

حين بدأت الثورة في 2011 كان نصف سكان سورية يعيشن في الأرياف بينما كانت الزراعة تُشغّل حوالي ربع القوة العاملة النشطة. ومع حملة التدمير المُمَنهجة التي طالت كافة مناحي الحياة واحدثت دماراً غير مسبوق على مستوى البني التحتية يصعب تقدير حجم الخسائر في قطاع الزراعة . هناك محاولة وحيدة جادة في هذا اإطار قامت بها منظمة الزراعة والأغذية بالتعاون مع البنك الدولي. ويشير هذا التقرير إلى أنه ومنذ 2011 انخفض عدد سكان الأرياف بشكل كبير، حيث ان سكان الريف الآن يشكلون فقط 70% من عدد سكان الأرياف في سنة 2011 مما يهدد، فيما لو استمر هذا الاتجاه، بتفريغ مناطق الريف من السكان مما يجعل عملية استرجاع النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة في المستقبل. لكن في المقابل مازالت حوالي 75% من الأسر الريفية تنتج الطعام لاستهلاكا الذاتي مع أن الغالبية العظمى لا يكفيها إنتاجها الذاتي لتغطية أكثر من ربع استهلاكها، وذلك بسبب صعوبات كبيرة تواجهها الأسر في توفير مستلزمات الإنتاج نتيجة ارتفاع الأسعار وانخفاض القوة الشرائية حيث ارتفعت أسعار الغذاء بمعدل 800% في الفترة 2011-2016.

دمرت الحرب مساحات كبيرة من البساتين والحقول التي خرجت من دائرة الإنتاج بشكل كلي أو جزئي ويواجه المزارعون صعوبات بالغة في الحصول على مستلزمات الإنتاج من بذار وسماد وغيرها، عدا عن التدمير الكبير في البنى التحتية المتعلقة بقنوات الري ومستودعات التخزين والتبريد، حتى وصلت القيمة الكلية للخسائر والأضرار إلى 16 مليار دولار أمريكي بالأسعار الجارية وهذا ما يعادل ثلث الناتج المحلي السوري في 2016. منها حوالي ب 3,2 مليار دولار كلفة الأضرار في البنى التحتية.

أما بالنسبة للمساحات المزرعة بالمحاصيل فقد انخفضت بنسبة 30-40% منذ 2011 وانخفضت إنتاجية الأرض بشكل كبير، ووصلت كلفة الدمار في الأشجار المثمرة إلى أكثر من 900 مليون دولار نتيجة للقصف والتحطيب خلال السنوات الست الماضية، بينما وصلت تكاليف الخسائر والدمار في قطاع المحاصيل كاملة لأكثر من 7 مليار دولار. وتضررت أيضا نشاطات الإنتاج الحيواني حيث تجاوزت التكاليف 5,5 مليار دولار أمريكي أي ما نسبته 45% من كلفة الخسائر والأضرار في القطاع الزراعي بينما كانت نسبة الإنتاج الحيواني في القيمة الكلية للإنتاج الزراعي لا تتجاوز ال 40% في 2011. وتسبب بيع الحيوانات نتيجة عدم القدرة على الاستمرار وضعف الرعاية البيطرية بالنسبة الأكبر من الخسائر، بينما تسبب انتشار السرقة والاستهلاك الأسري والقتل من جراء القصف بالباقي.

وقد ترافق كل ذلك مع ضعف شديد أو غياب كامل للخدمات التي كانت تقدمها الدولة للقطاع وأدى غياب المبيدات المعتمدة إلى  استخدام مبيدات خطيرة او ضارة مع ما يرافق ذلك من مشكلات صحية وبيئية. ويمكن القول أن 20% من الأرض المروية فقدت مصدر الري بشكل كامل بينما تواجه 40% أخرى صعوبات في الري بسبب التكاليف المرتفعة للفيول.

رتب التقرير المحافظات بحسب حجم الأضرار والخسائر فجاءت الحسكة والرقة في المرتبتين الأولى والثانية تليها ريف دمشق ودير الزور ثم درعا وإدلب حيث فاقت القيمة الكلية للخسائر والأضرار المليار دولار في كل منها. أما باقي المحافظات فكانت كلفة الخسائر والدمار فيها أقل من مليار دولار بينما لم تتجاوز نصف مليار دولار في كل من اللاذقية وطرطوس والسويداء (لا يذكر التقرير أرقام دقيقة عن توزيع الخسائر بحسب المحافظات بل يكتفي بخرائط يصنف فيها المحافظات وفق عتبات أكثر أو أقل من حد معين).

سيناريوهات المستقبل لتنشيط القطاع الزراعي

هذه أفكار أولية.. لا بد من تطويرها وفق أبحاث مفصلة!

بالتأكيد سيكون للقطاع الزراعي دور حجر الزاوية في عملية إعادة الإعمار بعد ان تضع الخرب أوزارها، ويمكن لعملية تنشيط الزراعة حتى أن تبدأ قبل ذلك حيث أن عملية بناء السلام والانتقال السياسي المزمع لا بد أن يأخذ وقتا طويلا . لكن ما أن تتشكل حكومة ذات مصداقية لغالبية السوريين حتى يمكن البدأ بخطوات إصلاحية في المجال الاقتصادي للتمهيد لعملية إعادة الإعمار الشاملة حتى قبل نهاية حالة الفوضى بشكل كامل. بل إن عملية إعادة الإعمار يمكن أن تكون حافزا للكثيرين لينخرطوا بالعملية السياسية والتنمية الاقتصادية.

في المرحلة الأولى لا بد من التركيز على تزويد القطاع الزراعي بالمدخلات الأساسية من البذار والسماد للإنتاج النباتي والعلف والدواء للإنتاج الحيواني. أما في المرحلة الثانية فيبدأ العمل على تأمين التمويل والقروض والتسويق والتصنيع إضافة لإصلاح البنى التحتية. وبناء على حجم الدمار وصورته يمكن تصور عدد من السناريوهات لتنشيط القطاع الزراعي. التقديرات الحالية أن كلفة تنشيط القطاع الزراعي تتراوح بين 11 – 17 مليار دولار وهو رقم صغير قياساً بالكلفة المقدرة لإعادة الإعمار الشاملة والتي تصل إلى 200 مليار دولار، بالمقابل فإن الفوائد من تنشيط هذا القطاع كبيرة جداً إذ انه سيوفر الغذاء والكثير من السلع اللازمة للتصنيع الزراعي والغذائي والتي من المعروف أنها تتطلب كثافة في قوة العمل مما يعني خالق فرص عمل كثيرة ممكن أن تسد حاجة الكثيرين ممن يعانون من البطالة.

لكن إن كان على التخطيط الاقتصادي الجديد ان يتجاوز أخطاء الماضي فلا بد من التفكير بالقطاع الزراعي كجزء من كل وبالتالي النظر إليه من منظار سلسلة القيمة الزراعية المتعلقة بالتصنيع الزراعي والصادرات التي تدخل وفق التصنيفات الاقتصادية في قطاعي التصنيع والتجارة. إن النظر للقطاع الزراعي من منظور النشاط على مسوى المزرعة فقط يعني التقليل من أهميته التي تكمن في حجم وقوة الارتباطات التي يملكها القطاع مع القطاعات الأخرى والتي يجب العمل على تقويتها بدعم وتقديم التسهيلات لتنمية هذه القطاعات وفق احتياجات المناطق المختلفة وبحسب ميزاتها النسبية داخل البلاد. وفي هذا الإطار لا بد من العمل بشكل موازي على بناء البنى التحتية العامة كالطرق الزراعية والطرق العامة والخدمات الأخرى كالإرشاد وغيرها والتي يجب أن تتعاون فيها القطاعات الحكومية مع مؤسسات المجتمع المدني المحلية والوطنية والتي يجب تشجيع وتسهيل نشاطها بشفافية كبيرة.

ومن الأمور الهامة التي يجب الالتفات إليها في التنمية الزراعية المستقبلية هو دور الجاليات السورية في بلاد اللجوء. سنفترض أن جزءا كبيرا سيعود، هؤلاء المنتشرون الآن في دول الجوار العربية بسبب أوضاعهم غير المستقرة ، والكثير من هؤلاء سيكون قد راكم من الخبرات ما يساعده في المشاركة بإعادة الإعمار بطريقة فعالة. لكن الجاليات السورية في أوروبا وتركيا قد يعود جزء صغير منها على الأقل في السنوات الأولى لنهاية الحرب (تشير تجارب الدول الأخرى أن نسبة صغيرة فقط تعود بشكل نهائي وهي لا تشكل أكثر من 20%). لا بد لعملية إعادة الإعمار ان تستند على التشبيك مع هذه الجاليات في مجالات متعددة . فيما يتعلق بالزراعة ستكون هذه الجاليات سوقاً كبيراً للمنتجات الغذائية السورية بمختلف أشكالها، وقد تكون بوابة ، فيما إذا استغلت بشكل منهجي ، لنشر ثقافة الطبخ السوري، والتي قد تستطيع التحول إلى العالمية أسوة بالمطبخ الإيطالي الذي لا يتوفق بشيء على المطبخ السوري إلا من ناحية القدرة العالية على التسويق والدعاية. بالطبع هذا الموضوع يمكن الاسترسال به كثيرا لكن لا مجال لذلك الآن.

من الأمور الهامة التي يجب العمل عليها على المستويين المتوسط والبعيد هو إنشاء نظام مصرفي فعال وذو مصداقية ويلبي حاجات البلاد على مستوى الأفراد والأسر صعودا لمستوى القرية ، البلدة ، المدينة ومن ثم المستوى الوطني. هذا النظام يجب أن يتصف بالمرونة والشفافية وهو ضروري لاستدامة العملية الاقتصادية وتقوية مرونة المواطنين الاقتصادية عند حدوث أزمات اقتصادية كما أنه سيلعب دوراً في الحد من هيمنة السلطات المركزية في المستويات التي لا تكون فيها ضرورية. هذا النظام يجب أن يحفز الادخار والاستثمار في الاقتصاد المحلي بحيث يتم خلق دورات إنتاج محلية تتكامل مع الاقتصاد الوطني وتؤمن تنمية متوازنة. في هذه الإطار سيكون هناك دور كبير لمنظمات المجتمع المدني. وتكمن ضرورة هذا النظام في توقع وقوع البلاد في فخ الديون الخارجية اللازمة لإعادة الإعمار التي يجب على الحكومة أن تسددها وفق برنامج ما، مما يقتضي ضرورة حماية دخل الناس عبر دعم نشوء اقتصاد خاص ولكن غير استغلالي يقوم على تشميل كافة فئات المجتمع في التنمية وهذا ما يتطلب إحداث آليات إدخار فعالة لتعزيز الاستثمار الخاص المحلي غير المعتمد على الخارج. وأيضا في هذا الإطار يمكن الحديث مطولا ولكن لا مجال لذلك هنا.

في الخاتمة لا شكل أن هذه حزمة صغير من الإصلاحات المطلوبة ، والتي يجب ان تحدث في مناخ إصلاح شامل على المستوى السياسي، وهذا أيضا خارج اهتمام الورقة الحالية.

  • Social Links:

Leave a Reply