الهيئة السورية للإعلام _ منار يوسف عبود
دونما مبررات اقتصادية كافية أو مقنعة، تحسن سعر الليرة السورية أمام الدولار، بأكثر من 30 ليرة خلال شهر، ليبلغ اليوم 478 ليرة ببعض المناطق المحررة “سرمدا ” الحدودية مع تركيا، ويتراوح على عتبة 485 ليرة، زائد ناقص ليرتين، بمناطق سيطرة بشار الأسد “دمشق”، ما يترك جملة من الأسئلة، بواقع عدم تغير المحددات الاقتصادية المؤثرة بسعر النقد، كالتصدير والاحتياطي النقدي الأجنبي والسياحة.
وربما السؤال الأول هنا، لماذا تحسن سعر الليرة السورية بمناطق المعارضة الخارجة عن سيطرة الأسد، بشكل يفوق سعره بمناطق النظام، بل ويتفاوت بين، ربما قرية وأخرى بالمحافظة ذاتها.
فأن يكون سعر الدولار بسرمدا 478 ليرة وبسرمين وسراقب القريبتين منها 474 ليرة، في حين لم يهبط عن 480 ليرة بدمشق واللاذقية، فلذلك تبرير واحد، بواقع عدم تغّير المحددات الاقتصادية كما أسلفنا، وهو العامل النفسي.
والعامل النفسي أو الخوف من الإبقاء على حيازة الدولار بواقع تراجع سعره، ربما هو السبب الأهم لتذبذب سعر الصرف بسوريا بالآونة الأخيرة، طبعاً مدعوم بإجراءات وقرارات، اتخذتها السلطات النقدية بدمشق، ما زادت من مفاعيل هذا العامل .
قصارى القول: تراجع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية، إلى أدنى سعر له منذ عام، بل وإلى أدنى وبكثير من سعر دولار الموازنة العامة لعام 2018، الذي حددته حكومة بشار الأسد ب500 ليرة ومن سعر الحوالات ودولار تمويل التجارة .
وفي البحث عن الأسباب المنطقية، يمكن الاستشفاف، وفضلاً عن العامل النفسي الذي تأتى عبر الترويج لانتصارات جيش الأسد والميليشيات المساندة، وما قيل عن اقتراب ضخ أموال ضمن ما يسمى إعادة الإعمار، نرى تحركاً وتدخلاً مهماً في الآونة الأخيرة، من المصرف المركزي، متزامناً مع الهدن وشبه توقف القتال بمناطق خفض التوتر وما تمخض عن مؤتمر أستانا.
ومن إجراءات المصرف المركزي التي أتت بعض أؤكلها، تخفيض سعر صرف دولار الحوالات من 510 إلى 508 ليرة سورية، و شراء الدولار من السوريين وبسعر أعلى من سعر السوق، ربما بثلاثين ليرة.
إذ بدأ المركزي ومنذ أكثر من شهر، يشتري الدولار عبر المصرف التجاري، وبسعر 515 ليرة، وهو سعر أعلى من السوق السوداء بأكثر من ثلاثين ليرة، ما دفع كثيرين للتخلي عن بعض مدخراتهم بالعملات الأجنبية، بواقع المستجدات السياسية والعسكرية، التي يروّج إعلام النظام السوري، أنها ستحسن سعر صرف الليرة.
فرغم أن وتيرة بيع الدولار للمصرف التجاري، بدأت تتراجع لنحو 5 مليون دولار يومياً، بعد أن تعدت خلال الأسبوعين الفائتين 10 مليون دولار، بسبب قرار المصرف المركزي بإلزام بائع الدولار بإيداع العملة السورية، بحساب مجمّد، لمدة لا تقل عن شهر، مقابل فوائد بنسبة 14% . إلا أن إغراء الفارق الكبير، بين سعر السوق الهامشية وسعر شراء المصرف التجاري، دفع ولم يزل، كثيرين لبيع الدولار والاستفادة من “جني الأرباح ” .
وغني عن القول ربما، تفسير إجراءات المصرف المركزي وسعيه لامتلاك الدولار، إذ عودة بعض الاحتياطي الأجنبي إلى خزائنه، بعد تبدد نحو 18 مليار دولار كانت احتياطيات سوريا عام 2011، لم يبق منها أكثر من 500 مليون دولار اليوم، أهم الأسباب، إضافة إلى السعي لامتلاك الكتلة الأكبر من القطع الأجنبي، للتحكم بالعرض والطلب بالسوق، وبالتالي المحافظة على سعر محدد لليرة السورية.
نهاية القول: قد يكون السؤال الأهم هنا، هل تحسن سعر صرف الليرة أمام العملات الرئيسية، و الدولار خاصة، والذي فقد هذا العام أكثر من 8% من قيمته، هو حالة دائمة ويمكن تثبيتها إن لم نقل متابعة ضخ الدم بعرق العملة السورية، أم تراها فورة آنية ستزول بزوال المسببات غير الاقتصادية.
أرجح الظن، أن انتعاش الليرة التي خسرت نحو 1000% من قيمتها منذ مطلع ثورة السوريين عام 2011، هو ردة فعل وحالة خوف، سببها هروب صغار المدخرين والمكتنزين من الاحتفاظ بعملة “الدولار” تتهاوى، وفق أبسط مبادئ السوق “إذ هبط السعر بع وإذا تحسن اشتر “.
والبراهين على آنية التعافي كثيرة، قد يكون أولها، أن نقص الدولار بالسوق وبواقع الطلب، إن من التجار لتمويل الاستيراد أو المرضى والمسافرين وغيرهم، سيرفع من سعره بمجرد فتور عقابيل الدور الإعلامي الذي يلعبه إعلام الأسد باقتدار . كما أن فائض سيولة الليرة السورية المتأتية من بيع الدولار أو التي قد تنتج عن زيادة بالرواتب، تبدو قريبة، سيعيد الدولار لعتبة ال500 ليرة وهو السعر الأنسب بواقع تراجع الانتاج والتصدير والسياحة، بل وكل ما له علاقة بتوليد القطع الأجنبي .
اللهم، إلا إن توازى مع خوف السوريين من امتلاك الدولار، قرارات أخرى من المصرف المركزي وعودة خطوط الإنتاج للعمل والتصدير وضخ الكتل الدولارية بالسوق السورية عبر اقتسام كعكة الخراب وما يسمى إعادة الإعمار، فحينذاك، قد تستمر الليرة السورية بتحسنها المرتبط مع التبدلات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

Social Links: