التدمير الجاري الثورة  والقمع والتخطيط للحرب في سوريا (2011 وما بعد)  4/4

التدمير الجاري الثورة  والقمع والتخطيط للحرب في سوريا (2011 وما بعد)  4/4

 

معهد العالم للدراسات – ترجمة: يسرى مرعي

ومن المثير للاهتمام، أن من بين الأسباب المختلفة المُقدّمة من قبل السلطات لتسويغ التجريف، يستطيع المرء أن يجد ذكراً للوائح التخطيط الحضري (الحالات 3 و4 و5 و6 و7) و/أو مشاريع إعادة تنمية (الحالتان 4 و7). وقد تبدو حجة كهذه إما سوريالية أو ساخرة في سياق الحرب، ولا سيما أن عمليات التجريف مرتبطة بالنزاع. على أية حال، فإنه يتناغم مع حقيقة أنه في عام 2012، عُزِّز الإطار التنظيمي على الأحياء المخالفة/غير القانونية، خاصة من خلال مرسومين: المرسوم رقم 40 الصادر بتاريخ 20 أيار/مايو من عام 2012، والذي يأمر بهدم كل المباني غير المرخّصة في أحياء المخالفات؛ والمرسوم رقم 66 الصادر بتاريخ 18 أيلول/سبتمبر من عام 2012، والذي يقدّم لبرامج إعادة تنمية وإزالة الأحياء الفقيرة في منطقتين من جنوب العاصمة دمشق(22). والمرسوم الثاني هذا هو ما يشير إليه المسؤولون في حالة أعمال التدمير التي تجري حول مطار المزة (الحالة 4).

 

إن الاستعانة بمراسيم التخطيط لعام 2012 لتسويغ تجريف الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة يمكن قراءته بوصفه استخدام براغماتي للوائح التخطيط، من أجل متابعة عمليات هدم غير قانونية ذات صلة بالقمع “بشكل قانوني”. والواقع أنه إذا كان التجريف يمتثل لقانون الحرب، الذي يجيز باستخدام محدود ومسوّغ للتدمير، فلن يكون هناك حاجة للجوء إلى لوائح التخطيط الحضري لتبريره. كما يمكن التشكيك في توقيت إصدار هذه المراسيم التقنية أيضاً، بما أن موضوع تنظيمها قد يبدو ثانوياً في أوقات الثورة والنزاع المسلح. فقد صدرت هذه المراسيم بعد أسابيع قليلة فقط من معكرة حمص (شباط/فبراير 2012)، ومعركة حلب، ومحاولة معركة دمشق (صيف عام 2012). ولا يمكن للمرء استبعاد أن مرونة الروتين الإداري قد تفسّر إصدار المراسيم، أياً كانت الظروف. وعلى أية حال، من المرجح أن إصدارهم في ذلك الوقت قد خدم هدفاً واحداً: لتوفير حماية قانونية لمواصلة التدمير غير المشروع المتعلّق بالحرب.

 

وتذكّرنا فاليري كلير (2014) (في دراسة ترجمت أيضاً على موقع العالم للدراسات/ المحرر) أنه في سوريا، لم تكن مسألة الأحياء المخالفة/غير الرسمية جديدة عند إصدار المراسيم. وقد اكتسبت أهمية في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (في أعوام ال 2000). كما نوقِش خياران أساسيان: التنظيم والارتقاء من جهة؛ أو التجديد الحضري (أي الهدم وإعادة الإعمار) من جهة أخرى. وقبل الانتفاضة، لم يكن القرار قد اتُّخِذ بعد. ووفقاً لكلير، يبدو أنه منذ ذلك الحين، مالت سلطات دمشق لصالح الخيار الثاني، أي خيار التجديد الحضري. ولا ترتكز افتراضات كلير فقط على صدور المرسومين، بل على حقيقة أن مخططات التجديد لعدد معيّن من الأحياء المخالفة شبه المركزية في دمشق، والتي صُمِّمت في نهاية العقد الأول من القرن العشرين (أواخر أعوام ال 2000) (المعروفة ب “الدراسات التفصيلية”)، قد أعيد إطلاقها.

 

وجرى النقاش حول التعامل مع الأحياء غير الرسمية في النصف الثاني من أعوام ال 2000 في سياق تحديث اللوائح والإطار المؤسساتي الذي يحكم العقارات السورية (Clerc and Hurault 2010). وتطوّرت عندما بدأ المستثمرون في تحويل مشاريع تطوير العقارات في سوريا. وفي دمشق، بشكل خاص، تكاثرت بشكل كبير إعلانات “المشاريع الضخمة” (Vignal 2014b). على أية حال، كانت واحدة من العقبات للمستثمرين المحتملين ندرة الأراضي المتوفرة في المواقع المركزية أو شبه المركزية. ولذلك، نبع الاهتمام بمشاريع “التجديد” الحضري جزئياً من الإمكانيات التي تمثّلها العديد من الأحياء المخالفة، التي تقع في أماكن ملائمة. وستوفر هذه المشاريع الإطار القانوني لإتاحة أراض للاستثمار الخاص.

 

وبعد بضع سنوات، وفي غمار الحرب، لم يعد يبدو الاستثمار في العقارات وتطوير المشاريع الحضرية أولوية. وعلى أية حال، تقدّم أوقات الحرب المضطربة الكثير من الفرص أيضاً، كما يمكن أن نستشف من خلال إصدار المرسومين حول أحياء المخالفات لعام 2012، أو من خلال إعادة إطلاق الدراسات التفصيلية. ومن بين المناطق التي دُرِست من أجل إعادة التنمية في الدراسات التفصيلية هي المناطق التي تنطوي على امكانات كبيرة لمشاريع عقارية. وهذه هي على سبيل المثال حالة جوبر (شمال غرب دمشق، وتقع على الطرق السريعة الرئيسية). كانت حياً مؤيداً للمعارضة في عام 2011، وكانت على الجبهة منذ عام 2013، وبالتالي دُمّرت المنطقة بشكل كبير في عام 2014، مقدّمة بذلك سبلاً محتملة لإعادة التنمية في المستقبل. وجرت عمليات التجريف، الموثّقة من قبل هيومن رايتس ووتش، في أحياء غير قانونية ذات إمكانيات مماثلة لاستثمارات عقارية: فعلى سبيل المثال، تقع مشاع الأربعين بشكل مثالي على الطريق السريع الرابط بين حمص وحلب، وعلى مقربة من مجمع فلل سكني غني (الحالة 7). وفي القابون، تقع المنطقة المجرَّفة قرب الطريق السريع، في شمال شرق وسط دمشق مباشرة (الحالة 1). ووفقاً للمعماريين الدمشقيين، فقد كانت العديد من الرسومات لإعمار مجمعات شقق راقية على الحافة الجنوبية لمطار المزة العسكري (الحالة 4) قد وُضِعت بالفعل (منطقة كفرسوسة).

 

كما تتيح أوقات الحرب في سوريا الفرصة لاستخدام الوضع العسكري لتمويه أو لتعزيز مصالح أخرى. إذ أن تأمين الأراضي الحضرية القيِّمة هو فرصة تعلّم النظام السوري أن يقدرها بالفعل منذ أعوام ال 2000، عندما روّج العقارات بوصفها أداة للتطوير الاقتصادي، ومستفيداً بشكل مباشر من مؤيديه السياسيين (Vignal 2014b). وقد يكون التدمير والنزوح الجماعي للسكان، جنباً إلى جنب مع تفريغ الأحياء الحضرية، قد وفّر واحدة من هذه الفرص. وعمليات التسوية بالأرض هي جزء من مجموعة من عناصر متلاقية توحي بأن التدمير يُستخدم كأداة “تخطيط للحرب” كذلك. ويجد منطق التدمير والإعمار، الذي استكشفه والتر بنيامين في السياق الباريسي، والذي تجلّى في البحث حول بريشتينا في كوسوفو (Herscher 2007)، أو ديلي في تيمور الشرقية (Philipott 2007)، يجد تجسيداً جديداً في سوريا.

 

الخلاصة:

وفي الحرب بين النظام السوري والجماعات المسلحة المعارضة، يشكّك التدمير الشامل للنسيج الحضري في سوريا في دور التدمير بوصفه نوعاً محدداً من العنف السياسي. وفي النزاع الحالي، فإن التدمير مؤطر من خلال مكانه غير المتناسب واستخدامه في الحرب.

 

أولاً، قوات النظام هي الطرف المتحارب الوحيد الذي يملك قوة عسكرية ليدمّر، وهي تستخدمها بلا هوادة؛

ثانياً، المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة هي الأكثر تأثُّراً بالتدمير؛

ثالثاً، النسيج الحضري مستهدف بشكل واسع.

 

لذلك، يُظهِرُ تصنيف الأنماط المكانية المختلفة للتدمير أن التدمير ليس نتيجة حرب فحسب ولكنه محوري لاستراتيجية النظام. فهو سلاح عسكري في مواجهة معارضي النظام، وهذا ما ظهر من خلال تكتيكات الأرض المحروقة. وكما يشير القصف العشوائي الذي يحدث في المدن، فهو محوري لمزيج القمع والانتقام أيضاً. وأخيراً، فهو محوري للحفاظ على الدولة المستندة إلى العميل: فتحرير المواقع الحضرية المركزية من سكّانها ومبانيها، يوفّر موارد سياسية واقتصادية جديدة محتملة لازمة لتغذية ولاءات وشبكات عملائها. وفي هذا الصدد، فإن مكانة التدمير في حرب النظام ترقى إلى استراتيجية “حرب شاملة”، والتي تعرّف باشتراك جميع الموارد المتاحة في الحرب، وباستخدام كل الوسائل المتوافرة.

 

وفي سوريا، من الواضح أن التدمير أداة موظّفة على نطاق واسع للسعي لتحقيق أهداف قمعية وعسكرية. على أية حال، يلقي نطاق التدمير وطريقة تطبيقه ضوءاً جديداً على التدمير نفسه. وفي الواقع، من الواضح أن استراتيجية النظام لا ترمي إلى صون البلد ومواطنيه: فعلى النقيض من ذلك، يوحي اللجوء إلى القصف الجماعي للمدن بعمى رهيب تجاه المستقبل فيما يخص الرفاه الجمعي. وإن كان بإمكان جماعة صغيرة سعيدة أن تكسب من التدمير، في السعي لتحقيق مصالح شخصية، فإن الأصول البشرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلد، على أية حال، ستتهدم وسيستغرق الأمر عقود لإعادتهم سوية، إن تحقق ذلك مطلقاً (Yazigi 2014). وفي وقت كتابة ورقتي، لا يبدو النظام في وضع تحقيق أي مكاسب عسكرية حاسمة، والمعارضة المسلحة ضعيفة ولكنها تقاوم، والمناطق الشرقية من البلاد تخضع لسيطرة الجهاديين التابعين لتنظيم داعش سابقاً، وقد يستمر النزاع لسنوات (ما لم تحدث تغييرات هيكلية). وحتى على افتراض أن النظام سجّل نصراً عسكرياً، يبدو من الصعب التنبؤ كيف يمكن لذلك أن يرسي أي أسبقية دائمة في البلد: يبدو من الصعب رؤية كيف يمكن أن يكسب السلام. لذلك فإن تغذية دوامة العنف هي في منفعته المباشرة. ومن المفارقات أنه في هذا التكوين السياسي الخاص، يغذّي التدميرُ بقاءَ النظام.

 

هوامش المترجمة:

22- الجانب الجنوبي الشرقي من المزة، وكفرسوسة، وقنوات بساتين وداريا والقدم.

المراجع:

 

   Ababsa, M., Roussel, C. and Al-Dbiyat, M. (2007) Le territoire syrien entre intégration nationale et métropolisation renforcée, in Beaudoin, D. et al. (eds.) La Syrie au present. Arles: Actes Sud/Sindbad.

  Amnesty International (2014) Squeezing the Life Out of Yarmouk. War Crimes against Besieged Cities. Available at: Link.

  Campbell, D., Graham, G. and Monk, D.B. (2007) Introduction to urbicide: the killing of cities?

Theory and Event, 10(2).

  Clerc, V. (2014) Informal sett lements in the Syrian conflict: urban planning as a weapon. Built

Environment, 40(1), pp. 34–51.

  Clerc, V. and Hurault, A. (2010) Property investments and prestige projects in Damascus: urban and town planning metamorphosis. Built Environment, 36(2), pp. 162–175.

  Coward, M. (2009) Urbicide, The Politics of Urban Destruction. London: Routledge.

  Filiu, J.-P. (2013) Je vous écris d’Alep. Paris: Denoël.

  Fregonese, S. (2009) The urbicide of Beirut? Geopolitics and the built environment in the Lebanese civil war (1975–1976). Political Geography, 28, pp. 309–318.

  Graham, S. (2004a) Cities as strategic sites: place annihilation and urban geopolitics, Graham, S. (ed.) Cities, War and Terrorism: Towards an Urban Geopolitics. Oxford: Blackwell, pp. 31–54.

 Graham, S. (2004b) Constructing urbicude by bulldozer in the occupied territories, Graham, S. (ed.) Cities, War and Terrorism: Towards an Urban Geopolitics. Oxford: Blackwell, pp.192–213.

  Herscher, A. (2007) Urbicide, urbanism, and urban destruction in Kosovo. Theory and Event, 10(2).

  Human Rights Watch (2014a) Syria: Unlawful Air Attacks Terrorize Aleppo. New York: Human

Rights Watch. Available at : Link.

  Human Rights Watch (2014b) Razed to the Ground. Syria’s Unlawful Neighborhood Demolitions in 2012–2013. Available at: Link.

  Kodmani, B. and Legrand, F. (2013) Empowering the Democratic Resistance in Syria. Beirut/Paris: Arab Reform Initiative. Available at: Link.

  Leenders, R. and Heydemann, S. (2012) Popular mobilization in Syria: opportunity and threat,

and the social networks of the early risers. Mediterranean Politics, 17(2), pp. 139–159.

  Lefevre, R. (2013) Ashes of Hama. The Muslim Brotherhood in Syria. London: Hurst.

Local Coordination Committ ees (2012) Punitive House Demolition in Syrian Cities. 10 September. Available at: Link.

  Majed, Z. (2014) Syrie, La révolution orpheline. Arles: Actes Sud/Sinbad.

  Nassief, I. (2014) The Campaign for Homs and Aleppo. The Assad Regime’s Strategy in 2012. Middle East Security Report. Washington DC: Institute for the Study of War. Available at: Link.

  O’Bagy, E. (2013a) The Free Syrian Army. Middle East Security Report, no. 9. Washington DC:

Institute for the Study of War.

  Philipott , S. (2007) Another go at life: Dili, East Timor. Theory and Event, 10(2).

  Rey, M. (2013) La révolte des quartiers: territorialisation plutôt que confesionalisation, in Burgat, F. and Paoli, B. (eds.) Pas de printemps pour la Syrie. Paris: La Découverte, pp. 84–91.

 Save the Children (2013) Children Under Fire: The Impact of Two Years of Confl ict in Syria. London: Save the Children. Available at: Link.

 Sayigh, Y. (2013) Syria’s Strategic Balance at a Tipping Point. Riad El Solh, Lebanon: Carnegie

Middle East Centre. Available at: Link.

 Simon, P. (2007) Another go at life: Dili, East Timor. Theory and Event, 10(2).

 Sullivan, M. (2014) Hezbollah in Syria. Middle East Security Report, no 19. Washington DC: Institute for the Study of War. Available at: Link.

 UNICEF (2014) Under Siege. The Devastating Impact on Children of Three Years of Confl ict in Syria. New York: UNICEF. Available at: Link.

 UNOHR (2013) Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, A/HRC/22/59. Available at: Link.

 UNOHR (2014) Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, A/HRC/25/65. Available at: Link.

 UNRWA (2014) Socioeconomic and Damage Assessment Report: UNRWA Microfi nance clients in Syria. East Jerusalem: UNRWA. Available at: Link.

 Verdeil, E. (2001) Reconstructions manquées à Beyrouth. La poursuite de la guerre par la projet urbain. Annales de la recherche urbaine, No.91, pp. 84–93.

 Vignal, L. (2012) Syria: anatomy of a Revolution, in Books and Ideas. Available at: Link.

 Vignal, L. (2014a) La révolution ‘par le bas’:l’engagement révolutionnaire en Syrie, in Camau, M. and Vairel, F. (eds.) Soulèvements populaires et recompositions politiques dans le Monde arabe. Montreal: Presses Universitaires de Montréal.

 Vignal, L. (2014b) Dubai on Barada? The making of ‘globalised Damascus’ in times of urban crisis, in Bromber, K., Krawietz , B., Steiner, C. and  Wippel, S. (eds.) Under Construction. Logics of Urbanism in the Gulf Region. Farnham: Ashgate.

 Yazigi, J. (2014) Syria’s War Economy. Policy Brief. London: European Council on Foreign Relations. Available at: Link.

 Yazbek, S. (2012) A Woman in the Crossfire: Diaries of the Syrian Revolution. London: Haus Publishing.

  • Social Links:

Leave a Reply