يونادم يونادم
الرجل الذي سيصبح، قريبا، ملكا على السعودية يخطط لطريق أكثر اعتدالا لبلاد بقيت تعيش في ظل نظام محافظ لعقود طويلة لدرجة انه لم يكن يوجد فيها حفلات موسيقية او صالات سينمائية وكان يجري فيها القاء القبض على النساء ممن اصابتهن الجرأة وحاولوا قيادة السيارة.
منذ ان قذف به والده الملك، الى مركز السلطة، فان الأمير (محمد بن سلمان) تحرك باتجاه التغيير الذي يؤشر لقدوم مرحلة مقبلة جديدة لواحد من حلفاء الولايات المتحدة. التغييرات التي ستوجه المملكة بعيداً، ومنذ عقود طويلة، عن القيود ذات الطبيعة المحافظة المتشددة الدوغماتية. لقد دفع البلاد نحو تجديد قيام الاحتفالات الموسيقية وعرض الأفلام السينمائية، واعتبره البعض انه هو الذي يقف وراء قرار الملك بمنح المرأة حق قيادة السيارة اعتباراً من العام القادم.
وحتى الآن تم لجم كل الاعتراضات على تلك الخطوات، بل جرى اللجوء الى اعتقال بعض نقاد الأمير. وأدى فتح كل تلك النوافذ الاجتماعية داخل المملكة المغلقة منذ أربعة عقود الى قيام المتطرفين السنّة والمعارضين للعائلة الحاكمة الى الهجوم على أكثر المواقع قدسية عند الاسلام في مدينة مكة.
ان برنامج الأمير محمد سيضع حدا للتحالف الطويل الأمد الذي كان قائماً بين (آل سعود) والمؤسسة الدينية في المملكة، وذلك لصالح التنسيق مع ما هو دولي، مع الرأسمال العالمي وسيجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين وللسواح القادمين حتى من أقطار غير إسلامية.
لقد لفت الأمير انتباه وكالات الأنباء العالمية، خلال الفترة الماضية القريبة، حين تعهد بالعودة الى (الإسلام المعتدل)، كما اقترح التخلص من الطريق الاشكالي الذي قاد فيه جيل والده البلاد.
وفي معرض مشروعه “رؤية 2030 ” يريد ابعاد السعودية من الاعتماد على النفط ووضع رؤيا لدولة يكون فيها الإسلام أساسا لدستورها والاعتدال طريقا لها. وقد نقل هذه الرسالة الهامة الى المشهد الدولي عندما ظهر في العاصمة رياض ضمن مؤتمر خاص لكبار المستثمرين.
داخل القاعة الكبيرة المزخرفة لفندق (ريتز-كارلتون) تحدث الأمير محمد بن سلمان قائلا “ان كل ما نريده هو العودة الى الإسلام المعتدل المنفتح على العالم، المنفتح على كل الديانات” ثم أضاف “نحن لن نهدر 30 عاما أخرى من حياتنا نتعامل فيها مع أفكار التطرف. لهذا سنقوم بتدمير تلك الأفكار اعتبارا من هذا اليوم.” وقد قوبلت كلماته هذه بالتصفيق وتبعها مقالة على الصفحة الأولى من جريدة (الغارديان) البريطانية. ومن خلال الملاحظات الإضافية التي ادلى بها للجريدة المذكورة فذكر الأمير سلمان، البالغ من العمر 32 عاما، ان العائلات الملكية السعودية المتعاقبة على حكم المملكة: “لم تدرك كيفية التعامل مع..” الثورة الايرانية عام 1979 التي جلبت معها قادة رجال الدين الشيعة الى السلطة ومازالت تمسك بزمام الأمور حتى هذا اليوم. وفي نفس ذلك العام واجه الحكام في السعودية هجوم مفاجئ: لقد قام المتطرفون السنّة بحصار الأماكن الاسلامية المقدسة في مدينة مكة لمدة 15 يوما، وقد قام بذلك الهجوم مقاتلون يعارضون المبادرة في الانفتاح الاجتماعي الذي كان يجري حينها، واعتبروه مظهراً غربيا وغير إسلامي. وفعلا، فقد لجأ حينها المتطرفون السنة الى الأيديولوجية الوهابية المتعصبة لتبرير استخدام العنف ضد الآخرين والتي سيطرت على مجمل الحياة في المملكة منذ تأسيسها قبل 85 عاما. لقد كان رد الحكام من آل سعود على تلك الأحداث عام 1979 بتعزيز السلطة بالاتجاه المحافظ المتشدد في الدولة، ومن اجل تطويق ما قد تلاقيه الثورة الايرانية من جاذبية لدى اوساط الشيعة بادرت المملكة الى تصدير الفكر الوهابي نحو الخارج، ثم بادرت لاسترضاء شريحة واسعة من سكانها بإقفال دور السينما ومنعت النساء من الظهور على شاشات التلفزيون السعودي ووسعت من صلاحيات البوليس التابع للمؤسسة الدينية.
الكثير بدأ يتغير الآن مع مجيء الأمير محمد سلمان الذي بدأ بتوسيع سلطاته الى حين استلامه للعرش الملكي. وتوضع الآن خطط لإنشاء حديقة كبيرة للتسلية والألعاب الترفيهية، بالإضافة الى انشاء مركز سياحي شبه مستقل على البحر الأحمر حيث لن يجري فيه التشديد على لباس النساء، وسوف يتاح للإناث إمكانية ممارسة الألعاب الرياضية، كما جرى الحد من صلاحيات البوليس وتسهيل القيود المفروضة للفصل بين الجنسين. وعلى خلاف من سبقه من الملوك، مثل الملك (عبد الله) الذي كان يدعم اجراء تغيير تدريجي بطيء وحذر، فان الامير محمد بن سلمان يحث الخطا سريعا باتجاه التغيير.
أكثر من نصف سكان السعودية البالغ عددهم 20 مليون نسمة، هم تحت سن ال 25 وهذا يعني ان الملايين من الجيل الشاب سيدخل ضمن قوة العمل خلال العقد القادم، وتجهد الحكومة لخلق فرص العمل لكي تتجنب آثار المظالم التي اشعلت الانتفاضات في البلدان العربية مع تفاقم البطالة ومنع الناس من ابداء رأيهم في الشأن العام او في كل ما يتعلق بالسلطة والحكومة. وسيتوجب على الامير إيجاد حلول للمشاكل التي سيرثها مع استلامه العرش.
يقول (مأمون فاندي)، مدير (معهد لندن للاستراتيجية العالمية) ان “الإسلام المعتدل” حسب وجهة النظر السعودية الجديدة يمكن فهمها بكونها ستتجاوب بمرونة مع الإصلاحات الاقتصادية، فهي لن تقوم بإغلاق المحلات التجارية عندما تحين مواعيد الصلاة او تقوم بإقصاء النساء من الحياة العامة. بتعبير آخر انه من اجل نجاح الإصلاحات الاقتصادية في المملكة لا بد من لها من إصلاحات اجتماعية.
ان التعابير الطنانة مثل: “الإصلاح، والشفافية، والمحاسبة” التي كان يستخدمها الأمير محمد بن سلمان في معرض ترويجه ل “رؤيا 2030 ” لا تعني ان السعودية ستسير في اتجاه ليبرالي او نحو الديمقراطية او التعددية او حرية الرأي. فالسعودية لن تمنح ترخيصاً لغير المسلمين لبناء دور العبادة لهم، كما انها ستقيد عدد دور العبادة لمواطنيها من الشيعة، بالإضافة الى ذلك فان الامير لم يقدم اية وعود تتعلق بحقوق الانسان، بل ان عددا من منتقديه هم قيد الاعتقال كتحذير مسبق لمن يريد ان يتكلم. بعض هؤلاء المعتقلين كان بسبب انتقادهم لسياسته الخارجية والتي تتضمن قطع العلاقات مع قطر، او بخصوص زيادة التوتر مع إيران، او الاشراف على الضربات الجوية في اليمن والتي أودت بحياة العديد من المدنيين وأثارت موجات الإدانة من قبل جماعات الحقوق الانسانية وبعض الأفراد في واشنطن.
ثم ان الأمير محمد بن سلمان سيواجه الشعب السعودي الذي يبقى شديد المحافظة من الناحية الدينية، وهذا يعني انه سيكون بحاجة الى تأييد قادة رجال الدين في الدولة لكي يتمكن من وضع اصلاحاته في الإطار الديني المقبول. ولقد ادلى العديد منهم بآراء تتعارض مع السماح للنساء بالعمل او قيادة السيارات ولكن هؤلاء لم يستطيعوا التصريح علنا بمواقفهم السلبية هذه. في السعودية حيث يسود الحكم الملكي المطلق، يمسك الملك بإحكام على مصير كل القضايا، ولكن كما يبدو الآن فان الشعب يرحب بهذا التغيير.

Social Links: