المعركة تحسم فكريا قبل أن تحسم سياسيا
نصرة الأعرج
ا لعلمانية فزاعة بالنسبة ليس فقط للجمهور بشكل عام وإنما أيضا لقسم لا يستهان به من المثقفين العرب . والسبب هو أنها تطابق الإلحاد في الوعي الجماعي . فعندما نقول دولة علمانية فكأننا نقول دولة إلحادية! وهذا شيء مناقض ومنافي للحقيقة تماما. فالدولة الإلحادية هي تلك التي أسستها الشيوعية وفرضتها على جمهوريات الاتحاد السوفياتي طيلة سبعين سنةالماضية فكان ا ستالين مثلا يمنع الناس بالقوة من الذهاب إلى الكنيسة الأرثوذكسية ل حضور القداس. ولذلك ما إن انهارت الشيوعية في التسعينيات من حتى عادت الديانة المسيحية إلى روسيا بقوة . فالتاريخ ينتقم لنفسه. فالناس تعطشو للدين بعد أن حرموا منه طيلة سبعين سنة. وحتى الروايات لدوستيوفسكي كانت ممنوعة و محاربة خلال الفترة الشيوعية لأنها «رجعية» تنضح بالروح المسيحية. وأصبح بطريرك موسكو شخصية يحسب لها حساب، يتمسح به بوتين ويتقرب منه.. بل ويخشى أي نعود إلى محاكم التفتيش اللاهوتية بعد أن كنا في محاكم التفتيش الشيوعية!.. ف بالنسبة لإيران وبعض الدول الأصولية الأخرى يحصل العكس تماما. ف التدين ليس ممنوعا وإنما إجبار الناس بالقوة على التدين وأداء الطقوس (ستالين معكوسا). ولذلك فأن الشبيبة الإيرانية تنفر الدين بعد وصول النظام الأصو لي إلى سدة السلطة في حين أنها كانت متدينة جدا في عهد الشاه. فمن الناحية السيكولوجية كل ممنوع مرغوب.
فلو اردت أن يكره الشعب شيئا فأجبره عليه إجبارا.. هذا أسوأ مبدأ من مبادئ التربية.
من هنا فشلت كل الأنظمة التوتاليتارية ذات الحزب الواحد. ومن هنا أيضا ملل شعوبنا من الأنظمة المركبة على الطريقة الستالينية وعبادة الزعيم والصور والتماثيل! لماذا التماثيل؟ ألا تكفي الصور؟ وهذا ما يفسر سبب نجاح الربيع العربي وانتشاره في الناس كانتشار النار في الهشيم. فالناس تريد أن تتنفس خارج إطار الحزب الواحد والفكر الواحد
.. إذا كنت تريد أن تقتل روح الإبداع في شعب ما فأسس اتحادا رسميا للكتاب واتحادا للشبيبة والطلبة الخ.. الأدب العظيم لا ينتعش إلا خارج كل هذه الاتحادات. السوريين؟ ميزة الغرب الأوروبي على كل النطاقات الحضارية الأخرى هي أنه يسمح وفي آن واحد بالتدين وعدم التدين . أي يسمح بالحرية الدينية.. وهذا هو معنى العلمانية
هذا هو جوهرها.
ففي فرنسا مثلا لأي شخص يمكن أن يمارس طقوس دينه أي كان و يمكنه أيضا ألا يمارسها إطلاقا! ويظل مع ذلك مواطنا له كافة الحقوق.
الحرية لا تكون في اتجاه واحد فقط، .
كل متدين مواطن بالضرورة لكن ليس كل مواطن متدينا
فمثلا . لا يحق لجاره المتدين أن يعيّره بذلك أو أن ينظر إليه شذرا وكأنه فاسق ..
فالدولة تقف على الحياد من الأديان والمذاهب لتكوينات المجتمع .
تقف على الحياد أي لا تعادي الأديان. وهنا فرق كبير بين المعنى الأول والثاني
. فهنا يكمن الفرق الأساسي ليس فقط بين الدولة العلمانية والدولة الإلحادية وإنما أيضا بين الدولة العلمانية والدولة الأصولية الطائفية
فالدولة العلمانية تعامل جميع المواطنون على قدم المساواة أيا يكن دينهم أو مذهبهم. لا تنظر إليهم من خلال أديانهم ومذاهبهم وأماكن ولادتهم. هذا الكلام يشكل طفرة هائلة في تاريخ السياسة والفكر البشري. فالدولة الأصولية في فرنسا قبل الثورة الفرنسية تعامل الناس من خلال انتماءاتهم الدينية أو الطائفية
كانت الدولة الفرنسية إبان العهد القديم تعطي الأولوية لأبناء المذهب الغالب. فإذا ما شاء لك الحظ أن تولد في عائلة مسيحية كاثوليكية فأنت شخص شرعي لا غبار عليك. وستكون الافضل لو ولدت في عائلة من النبلاء الإقطاعيين!
أما لو ولدت في عائلة مسيحية بروتستانتية فكل الويل لك! إنك ليس فقط زنديقا وإنما شبه مجرم! فأنت منبوذ ومحروم من أبسط الحقوق بالكاد يتحملون وجودك على البقعة بينهم . يكفي صمتهم عليك وعلى رجسك وعقيدتك المنحرفة الضالة
فأنت شيطان ملعون مطرود
وبالتالي فالدولة لا يمكن أن تفتح لك أبواب العمل على مصراعيها كما تفعل مع شقيقك الكاثوليكي المؤمن المحترم، أو المسيحي الصحيح العقيدة، المستقيم
في هذا المنحى العميق ينبغي طرح الأمور لكي تُفهم على حقيقتها. ولكن هذه القفزة النوعية لم تحصل بين يوم وليلة وإنما لزمت مائتا سنة لكي يدركها العالم المتقدم و تقتنع الجماهير العريضة من المسيحيين بها.
لكنهم عندئذ قد أصبحوا مسيحيين علمانيين أو ليبراليين لا مسيحيين أصوليين طائفيين. هذا التطور المذهل لم يحصل إلا بعد انتشار الأفكار الفلسفية العلمية والدينية المتنورة في أوساط واسعة من الجماهير عن طريق المدارس والصحافة ، الخ. ولم يحصل ذلك إلا بعد انحسار الأفكار الأصولية القديمة المتجزرة في العقول منذ مئات السنين. وهنا أصل إلى الوضع العربي الراهن. لماذا تبدو الدولة العلمانية أو المدنية امرا” مستحيلا في المدى المنظور؟
اجيب فاقول لأن المعركة بين الأفكار الحديثة والأفكار الأصولية لم تحسم بعد، أو أقول إنها محسومة بشكل شبه كلي لصالح الأفكار الأصولية الراسخة في أوساط الجماهير و الشعب . و الدليل على ذلك اكتساح الأصوليين لكل الانتخابات الحرة فالفكر الأصولي يحظى بمشروعية تاريخية ضخمة لم يتجرأ أحد حتى الآن على مساءلتها، ناهيك عن تفكيكها وتبيان تاريخيتها ونسبيتها. من خلال اطلاعي على الصراع بين الحزب الكاثوليكي والحزب العلماني الليبرالي في فرنسا في عهد فيكتور هيغو بل وحتى منذ أيام فولتير صدمت واتضح الأمر . فالعلمانية في فرنسا لم تتحقق إلا بعد حسم المعركة الفكرية .
لذلك أقول بأن المعركة لن تحسم فكريا لتحسم سياسيا

Social Links: