الدولة الحديثة في المراحل الإنتقالية
نصرة الأعرج
سأطرح الموضوع عن طريق عرض مسألتين :
الأولى : مكونات الدولة الحديثة، والثانية : التحولات التي استجدت في المجتمعات المدنية العربية منذ انطلاق “الربيع العربي”، فالثورات ألقت مزيداً من الضوء كأيقونة للتغيير على تلك المجتمعات .
، الدولة الحديثة تقوم على معايير عَلمانية او مدنية، وهي مؤسّسة تبني سلطتها وَفْق مبادىء واسس وآليات قانونية وديمقراطية، وتعمل على تطوير قِيم الحرّية وممارستها، وكذلك المساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان والمرأة والطفل والأقلّيات، و تُوحّد بين كافة مُكوّنات شعبها، وتحمي “التعدُدية” بأشكالها والخيارات الثقافية والحضارية والتربوية، شرطَ عدم انكفاء مواطنيها إلى أفق طوائفهم أو مذاهبهم أو أعراقهم الضيّقة. فيجري تطبيق الديمقراطية على أسس المواطنة، فيتساوى جميعُ أفراد المجتمع وراءَ فكرةِ الهوية الوطنية.
فمفهوم الدولة الحديثة يأخد بعداً تنمويّاً عبر تأثير المجتمعات المدنية في رسم السياسة العامة للتنمية البشرية، و دور الدولة يكون في تهيئة بنية تحتية و بيئة قانونية ملائمة لنموّ القطاع الخاص. وفي الاقتصاد، ينبثق عن الدولة الحديثة استقرارٌ سياسي للحد الذي يوفر لجميع أفراد المجتمع ومكوّناته الحياة الكريمة والعمل وحقوقاً عادلة، وذلك من خلال آليات معروفة، كالمشاريع الاقتصادية، نظام ضريبي عادل يتم اعتماده، ونظام مصرفي يدعم الاستثمارات ، ضمن قضاءٍ عادل ونُظم قانونية تُطبَّق بنزاهة على الجميع.
فالدولةُ الحديثة، على الصعيد السياسي، هي التي تقوم على فصل السلطات، والتكامل بين الحقوق السياسية و المدنية، و تداوُل السلطة بطرق ديمقراطية، و قانون انتخاب يتمثّل فيه الجميع، والعمل على توحيد شعبها وحمايته من النزاعات الداخلية.
فأهم مقومات الدولة الحديثة هو الفصل بينها وبين الدين، وبينها وبين المجتمع. مؤديا ذلك لظهور مجتمع مدني و هُوية وطنية جامعة.
وفق تلك المواصفاتِ ، لا يوجود دولة حديثة ولامجتمع مدني في العالم العربي قبل الربيع العربي، والسبب :
1- هيمنةِ القائد الواحد (العسكري في معظم الأحيان) وتوارُث المناصب، او سيادة الحزب الواحد
2- حصر القطاعات الاقتصادية التقليدية والمشاريع في أيدي المتربّعين على السلطة و المتحالفين . وغياب برامج التنمية الاجتماعية
3- التناقضِ والمواجهة ما بين الدولة والمجتمع المدني، ، بدلاً من تكامل الأدوار.
4- إحكام القبضة على منظمات المجتمع المدني وجعلِها تابعة لها، أو إضعافها.
5- تغييب المؤسسات الفاعلة في الدولة ، وتسخير الأمن والعسكر بما يخدم مصالحها والهيمنة على القضاء وعدم استقلاليته
6- ارتباط دساتير الدول العربية بالتشريع الإسلامي، في حين أنّ فصل الدين هو أحد أهم سمات الدولة الحديثة، حيث يكون لشعبها حرية الاعتقاد ، بينما الدولة لا دين لها، وتتعامل مع شعبها على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والواجبات.
7- التشكيلات والاتحادات والجمعيات ووسائل الإعلام، والجامعات والنوادي… …، معظمها قائمة على أساس الطائفة أو الدين أو العائلية أو القبلية، فهي بقوة موجودة في العالم العربي، وتتناقض مع مبدأ المواطنة.
وبعد مرور سنوات على “الربيع العربي”، لا تزال مجتمعاتنا بعيدة كل البعد عن ولوج الدولة الحديثة. ولا يزال الصراع قائما” على الدساتير وقوانين الانتخاب في المرحلة الراهنة. وما تزال غالبية مؤسسات المجتمع المدني من الفئات القديمة ترتبط بمصالح أفراد أو طوائف، تنظر إلى السياسة باعتبارها وسيلة للاستيلاء على السلطة لا بوصفِها فاعلية اجتماعية. وبالتالي لن يكون لها دور فاعل في خلق وعي قادر على نهوض الجماهير و ظهور “الربيع العربي” في المستقبل.
فهناك الكثير من العوائق أمام ولادة مجتمع عربي مدني تغييري، أهم تلك العوائق دور الدين واستمراره في الحياتين السياسية والمجتمعية، غياب الديمقراطية ، وضعف الثقافة الديمقراطية، وعدم الفصل بين السلطات، والهيمنة على القضاء والتلاعب بالدستور والتصارع بين الأحزاب والقوى السياسية الذي يثير الشكوك حول الغاية من الربيع العربي.
ففي لبنان، على سبيل المثال تسود الطائفية والمذهبية التي تنخُر بنيانه ، و ساد الاعتقاد أن “ثورة الأرز” التي انبثقت عقب اغتيال الرئيس الحريري، و خروج السوري من البلاد هي أول ربيع عربي سيؤدي إلى ظهورِ مجتمع مدني يسير بالدولة اللبنانية الى طريق الدولة الحديثة. لكن في ظلِ المذهبية والطائفية المجتمعية والحزبية والعسكرة والطائفية السياسية ، واستدعاء الطوائف الخارج للتدخل في الشأن الداخلي اللبناني أصبح عرضة لتضارب المصالح الدينية – السياسية التي تُشكل خطراً كبيراً على السلم الأهلي. والهيمنة الشمولية لحزب الله على الحياتين المجتمعية و السياسية ، وجوده كدولة لها علاقاتها وتحالفاتها ومشاريعها وجيشها وحروبها الخارجية (سورية)، من المستبعد أن تكون هناك دولة حديثة أو حتى ذات سيادة، فأحزاب لبنان واتحاداته النقابية وروابطه وجمعياته معظمها طائفية محسوبة على مذاهبها،
اما في مصر، لا تزال المادة الثانية من الدستور المصري ومواد أخرى، عقبة أمام الدمج الإجتماعي بين الأقباط والمسلمين،
الإخوان المسلمون، منذ ما قبل “الربيع العربي” يعتزمون الى إقامة دولة اسلامية ومجتمع اسلامي أهدافهم مغلفة يقيمون “دولة مدنيةً ذات مرجعية إسلامية”، تماماً كما حزب الله يفعل في لبنان. ففي مصر صراع حاد بين القوى الإسلامية، إخوان وسلفيون تعمل على اسلمة الدولة والمجتمع والثقافة من جهة، وبين الليبراليين والعلمانيين تتدعي بانها تريد التغيير نحو الديمقراطية والمجتمع المدني الموازي للدولة من جهة اخرى وبالتالي وجود ، قوى مدنية واجتماعية متعددة بدلاً من أن يكونَ هناك مجتمع مدني موحد، فلقد خابَ الأمل في مصر بأن يحقق “الربيع العربي” المساواة المجتمعية وحقوق الإنسان السياسية والمدنية على أساس مواطنة مصرية وينهي وضعا شاذا . وبالتالي لا يمكن أن تقوم دولة حديثة في مصر في ظل مجتمعين مدنيين متناقضين في المصالح و الأهداف
فالثورات هي مخاض شاق طويل يتطلب من المجتمع المدني تضافر الجهود
و النزول للشارع لتحقيق تغيير يقلص التناقض بين المجتمع المدني و الدولة الحض على حرية الاعلام واستقلالية القضاء وتوحد مكونات المجتمع باطيافه وصولا لوضع الدولة على مسار مسمى الدولة الحديثة
وإلا فانه لن يبقى من ثورة الربيع العربي سوى ذكرى شهداء قد مضوا

Social Links: