رسالة وداع  .. من طفل لا يُحسن الإنشاء .. ويعيش في الغوطة – متابع

رسالة وداع .. من طفل لا يُحسن الإنشاء .. ويعيش في الغوطة – متابع

رسالة وداع  .. من طفل لا يُحسن الإنشاء ..

ويعيش في الغوطة ~

   _ كنتُ دوما أحتفظ بدفاتر أخي الأكبر “معاذ” الخاصّة بالمدرسة .. كي أستعين بها لاحقا ..  حيث أجد حلّ مسائل الجبر والهندسة .. وإجابات أسئلة العلوم والجغرافية  .. وإعراب الجمل ومواضيع التّعبير والإنشاء ~

   _ وكنت أعجب أنّ كلّ دفاتر التّعبير في كلّ السّنوات المتلاحقة .. تحمل موضوعا مكرّرا  .. “اكتب عن الغوطة” .. وكأنّ كلّ معلم يريد أن يقرأ في هذا الموضوع .. أو يريدُ أن ييّسر على الطّلاب ليكتبوا بشيء يجيدونه .. وعن مكان يعرفونه ..

  – فالغوطة مكان النّزهات العائلية .. ووجهة الرحلات المدرسيّة ..

  _اليوم جلستُ أقرأ .. دفتر أخي وأنا في الملجأ  ..

    “غوطة دمشق” .. ذلك المكان السّاحر الأخضر ..

الّتي أعتقد أنّ اسمها جاء من غطاء الشّجر .. وكثافة الثّمر ..

 هناك .. يتمتّع الإنسان بأجمل رحلة .. فالهواء نظيف .. والعصافير تغرّد بأروع نشيد .. والّلحم طرّي ولذيذ ..

 وكانت أجمل لحظة .. عندما نحلب بأيدنا البقرة .. ثمّ نشرب حليبها طازجا بعد غليه ..

    ثمّ  نصنع أرجوحة من الحبال .. نربطها على جذوع الأشجار .. ونبدأ بالشّجار من يركبها أولّا” ..

 _ كنتُ أقرأ ..  وعيوني تذرف دمعا  .. كشلّال لا ينضب ..

فكلّ كلمة .. بل كلّ حرف يدمي القلب ..  فغطاء الشّجر غطّى عليه أزيز الطّائرات .. وأصوات العصافير تبدّلت بأصوات انفجارات .. وضحكات الأطفال تحوّلت إلى صرخات وآهات ..

 أين الثّمار؟! .. وأين الأزهار؟!!

  بل أين الأغنام والأبقار ؟!!

لقد هزمنا الجوع يا أيّها النّاس .. يا إخوة الإسلام ..

 وبدل شواء الأنعام .. أصبحت لحومنا شواء ..

وهذه البيوت التي كانت تجمع المحاصيل لتطعم الشّام .. وما حول الشّام .. تحوّلت إلى حجارة وركام ..

 _جائع أنا حتّى الموت ..  يا أمّة محمّد ..

 لكنّني لا أريد أن تحزن أمّي ..

فقد رأيتها  تبكي بحرقة .. وهي تقيس خصري لتعدّل ملابسي .. وتخطيها .. بعد أن هزل جسمي .. وأصبحتْ بضعف حجمي !!

كانت يداها ترتجف فهي أيضا لم تأكل منذ فترة ..

 قالتْ : الآن عرفتُ لماذا يلبس الفقراء “شروالا” ويربطونه بحبل ..

     _كانت تلك الأفكار تدور في رأسي .. عندما لم أعد أقوى على إكمال القراءة ..

فقد منعتني كثرة الدّموع من المتابعة ..  إذ اختلطت في نظري الحروف والكلمات وذكريات باهتة ..

كما بدأت يدي تؤلمني وأحسّها مشنّجة .. فأنا محصور بين النّاس منذ فترة .. وأملي أن أستطيع تعديل الجلسة ..

لكنّ طفلا جائعا نام بجانبي جعلني أصبر .. كي لا أزعجه ..

 _ نسيتُ أن أخبركم .. أن الملجأ صغير لا يكاد يتسع للجميع إلّا مكتظّا ..

  _كان أكثر من حولي يتساءل .. لمَ حِرصي على هذا الدّفتر ..

وربّما أنا نفسي أتساءل .. فأنا إنْ عدتُ إلى المدرسة .. فلن أحتاجه أبدا ..

 فقد  تغيّرت الأحوال من ناحية ..

كما كتب الجميع عن الحال في أيّامنا ..  وهكذا يمكنني اختيار موضوع من بينها  ..

وإن كان كلّ ما قرأتُه .. لا يصف وضعنا ..

  -ففي مثال بسيط عنّي أنا ..

أذكر لكم .. أنّني من شهر فات .. بتّ أنام وأقوم وأنا منتعل للحذاء .. مخافة أن يحدث لي مرة أخرى ..  واضطّر للهروب حافيا  .. كما حدث في إحدى المرّات ..

 إذ لا وقت لانتعال الحذاء أو حتّى جلبه .. بل إنّ الرّعب يجعلك تنسى حمله ..

 والآن  .. و رغم  مرور مدّة على ذاك .. إلّا أنّ قدماي ما زالتا متورّمتان و تنزفان ..فالفرار عاري القدمين فوق الأبنية المهدّمة  ..  بما فيها من حديد وشظايا وزجاج  ..  ليس أمرا هيّنا ..

 وإن كان هذا أيسر ما نكابده هنا .. من عناء ..

 …………….

  _ أريد أن أشكر كلّ من كتب .. وكلّ من تفاعل معنا فدعا لنا أو شجب

 لكنّني أوّد أن أقول لكم ..

  أنّ من عاش الواقع ورأى .. ليس كمن سمع ..

    -ولأنّني  سأتّكل عليكم  في الكتابة ..  وحتّى تكون الصّورة أكثر مطابقة   ..

أرجو أن تذكروا  .. أنّ طفلا في  السّابعة رعى أخاه الأصغر ..بعد أن استشهدت الأم ومن قبلها الأب  .. فكان يحتضنه عند كلّ غارة .. ويُهدّأ من روعه كالرّجال الكبار .. حتّى قضى نحبه .. ووجدنا الصّغير نائما بجواره ~

  -كما أرجو أن تذكروا الأطبّاء .. الذين يعملون فوق طاقة البشر ..

وتذكروا المصابين الذين يحتملون ما لا يُحتمل .. حيث لا تخدير ولا أدوية تخفف الألم .. وتذكروا المعاقين الذين  يعيشون بالإيمان والأمل ..

كما أرجو أن تذكروا .. أنّ كلّ عائلة فينا تودّع كلّ يوم أفرادها .. وتودّع  أصدقاءها وجيرانها .. فنحن لا ندري ماذا يخبّأ الغد لنا !!

  فمما يزيد حزني أنّني لم أفطن لهذا باكرا .. حيث لم أوّدع  أخي الحبيب “معاذ” كما يجب ..

ولعلّ هذا ما يجعلني أعانق دفتره ..

 أقرأ  كتاباته  عن وصف الغوطة .. فأغبطه ..

وأحسّ أنّني قريبا  سألحق به ..

 لكن دون أن أرى الغوطة كما رآها هو ..

 لكنّني واثق بأنّها أرض مباركة ..  فهي معبره للجنّة  .. ومعبر كثير ممن عرفتهم هنا  .. وربّما معبري  أنا ..

  اذكرونا  ..

 عندما تعود الغوطة  غنّاء .. وتعود الأشجار إلى الحياة  .. ويعود الأطفال إلى طفولتهم  ..

 واحتفظوا بدفتر أخي معاذ .. فقد يمرّ عليكم طالب كسول مثلي يحتاج لدفتر ينقل منه مواضيع الانشاء~

  • Social Links:

Leave a Reply