بحث موجز في تاريخ السياسة – القسم- ٢-  يونادم يونادم

بحث موجز في تاريخ السياسة – القسم- ٢- يونادم يونادم

بحث موجز في تاريخ السياسة
يونادم يونادم

القسم- ٢

لقد أدرك يونانيون المرحلة الكلاسيكية، من خلال وعيهم لأنفسهم، ان لهم ثقافة متميزة وانه من خلال وعيهم التاريخي لأنفسهم وللعالم من حولهم سيكون بإمكانهم ان يحددوا الاحتمالات الجديدة التي تقدمها الخبرة والتجربة البشرية، وهكذا تمت ولادة السياسة الى جانب التاريخ معاً، لأنهما يشتركان معاً في تحديد ماهية الانسان وما يستحق ان يتذكره التاريخ.

التاريخ ذاكرة لا تهدأ للكلمات والافعال، وكانت الكلمات بمثابة قاطرات الذاكرة، وعبر النشاط السياسي كان الناس يتخاطبون ويكلمون بعضهم البعض فتتطور لديهم مهارة الجدل والحوارالتي تتطلب القدرة على صياغة الأفكار وبناء هيكل للنقاش بالإضافة الى الاستعداد لفهم الجمهور وإدراك المشاعر المهيمنة على الطبيعة البشرية وغيرها من القضايا المرتبطة بهذه العملية. ولأول مرة في التاريخ جرى اتخاذ القرارات العامة تحت ضوء النهار وفي مجرى النقد المباشر من قبل الجمهور، واقتصر فن الخطابة على البارعين فقط من الأساتذة   او (السفسطائيون) الذين وضعوا أنفسهم في خدمة طموح الجيل اليافع من ابناء الارستقراطية وممّن استندت قوتهم على قدرتهم في التأثير على رأي الجمهور، لقد سرد (ثيوسيديدس) قصة حرب (البيلوبونيز) من خلال أقوال المشاركين فيها والتي تعتبر بمجموعها مرجعا في موضوعيّْ الحكمة السياسية والحماقة السياسية.

لقد اعتقد الاغريق ان كل شيء في هذا العالم موجود نتيجة لتصميم وهندسة مسبقة، حتى ان مدنهم تم تأسيسها من قبل اشباه آلهة كما هي الحال مع مدينة (اسبارطة) ومدينة (اثينا) التي شيدها (ثيسيوس)، وفي السياسة كان الاغريق يعتمدون على الناس ذوي الحكمة لإعادة الثقة بمدنهم حين يعم فيها الاضطراب كما حصل مع (سولون) في مدينة اثينا في بداية القرن السادس قبل الميلاد وحملت اصلاحاته على ميزتين انطبعت بهما السياسة الاغريقية، الميزة الاولى ان (سولون) كان حريصاً على بناء السياسة على اساس المقاطعات لكونها تعتبر مزيج من القبائل وعلاقات الولاء، بينما القاعدة الاجتماعية المعاصرة هي تجمّع غير متجانس من الناس على رقعة معينة من الارض، وهي تعلدل عن نفس النتيجة التي تنجم عن تفكك الولاءات الطبيعية داخل القبيلة والعشيرة والامة، بحيث يجري بعد ذلك تشجيع تلك المكونات بعد عملية التفكك والانحلال على اداء كل نشاط وفعل سياسي مبني على المصالح المشتركة العامة التي تتجاوز المصالح الخاصة لكل من تلك المكونات. اما الميزة الثانية فتتعلق بحرص (سولون) على مغادرة (اثينا) لمدة ١٠ سنوات مما سيتيح لسكانها الوقت الكافي لمراقبة كيفية عمل الدستور. وتعتبر هذا الحالة الاولى في مجال تطبيق مبدأ فصل السلطات، اذ ان الجوهري بالنسبة لمعنى السياسة هو انها نقطة التقاء عدد من الدوائر والمكاتب المجردة التي انيطت بها مهام معينة، ومن حيث المبدأ يمكن ان يقوم بهذه الوظيفة اي شخص يتحمل المسؤولية على العكس من النظام الاستبدادي الذي يعتمد في تسيير اموره على اشخاص يرتبطون بالطاغية.

علم السياسة يصبح ممكناً كعلم (على عكس الاستبداد) لأن السياسة تتبع وتسير وفق منهج خاص بها، رغم انها تصدر عن، وتبقى تحت رحمة، الطبيعة البشرية التي تنبثق عنها، اما مع الاستبداد فالحاكم الطاغية لا يمكن ان يخلفه الا وريث مجنون او مشوه، ولهذا فالاستبداد له ايقاع يترنح بين الصعود والهبوط ، مما يؤكد اعتقاد الإغريق ان الاستبداد، كأي تجمع للعبيد، ينتمي الى الجانب اللاعقلاني من الطبيعة، بينما الدساتير تنتمي الى الجانب العقلاني ولهذا يمكن دراستها دراسة اكثر علمية من الاستبداد، ويمكن تصنيفها حسب خصائصها التي تكشف الاتجاهات المهيمنة. في جميع الدساتير الحاكم اما ان يكون ملكاً او مجموعة من القادة الأقوياء او مجلس شعبي. اي ان الاحتمالات المتعلقة بالحاكم هي اما ان يكون فردا او عددا من الأفراد او جماعة من الافراد. واثناء المرحلة الكلاسيكية من السياسة الاغريقية كان الانقسام الاساسي هو بين الولايات الاوليغارشية التي كانت تفضل الثراء والسلطة القوية وبين الديمقراطيات التي كانت تستجيب لمصالح الفقراء.

توجه الفكر السياسي الاغريقي الى دراسة الاسس الدستورية وتعميم العلاقة بين الطبيعة البشرية والجماعات السياسية مستخدما لإجراء هذا التحليل اداة فعالة هي نظرية الدورات او الحلقات المتكررة، حيث الملكيات تنحل وتتفكك الى طغيان، والطغيان يتم الاطاحة به من قبل الارستقراطيات التي تتحلل وتتفكك بدورها الى اوليغارشيات تقوم باستغلال الجماهير حتى يتم الاطاحة بها من قبل الديمقراطيات التي تتحول بدورها الى فوضى يحكمها الرعاع، الى ان يبرز قائد قوي يفرض نفسه ملكا ومن ثم تعيد الدورة نفسها مرة اخرى، وقد استعرض (بوليبيوس)  هذا العلم السياسي في فترة لاحقة، وكان همّه الرئيسي ينحصر حول شرح وجهة نظر السياسة الرومانية لمعاصريه من الاغريق.

لقد أشار (فرنسيس بيكون) الى ان “المعرفة قوة”، ومعرفة ايقاع الدورة السياسية المذكورة استفزت فكرة ان هناك امكانية ايجاد مؤسسات قادرة على كسر ايقاع هذه الدورة السياسية وايقافها لصالح توفير استقرار طويل الأمد، ويكمن السرَ في كيفية ايقاف الدورة الهمجية من الانحدار والاستمرار ضمن مقدمتين: تنصّ الاولى على ان الحكومة تتكون من جملة من الوظائف يتم تصنيفها وتوزيعها بين عدد من المكاتب والهيئات المختلفة، بحيث ان القرارات التنفيذية تتطلب قيادة تستطيع اصدارها، اما المناقشات حول طبيعة الخطوات السياسية فتقتضي وجود جماعة او حلقة صغيرة من المواطنين ذوي الكفاءة والخبرة للتداول بشأنها، بينما يتوقف قبول تلك القوانين واستجابة الحكومة لها على مدى فعالية الطرق والوسائل المعنية باستشارة الناس والتفاعل معهم. اما المقدمة الثانية تنصّ على ان التوزيع السابق لوظائف الحكومة وهيئاتها يساعد على التوازن بين مصالح الأغنياء والفقراء ويمنع اي طرف من استغلال السلطة السياسية من اجل الاستغلال الاقتصادي ويشلّ الفساد. هذه هي نظرية التوازن الدستوري ودورها المركزي في الفكر السياسي الغربي.

لقد اعتبر (ارسطو) ان وجود بعض عناصر الديمقراطية هو ضرورة ملحة لوجود دستور متوازن واهتم (ارسطو) بمعرفة آليات التغيير السياسي: فاعتبر ان الثورات تنشب انطلاقاً من غياب العدالة وفي مجرى تحقيق المساواة. ومن خلال بحثه في قضية السياسة وقضية الأخلاق أطلق (ارسطو) سؤاله الساحر والآسر: هل المواطن الصالح هو انسان صالح؟ اذ ان بعض الحكام يطالبون مواطني بلدهم بارتكاب ممارسات سيئة وغير صحيحة.

السياسة لدى الاغريق، مثلها مثل كل شيء آخر في العالم الاغريقي، تم التنظير عنها وحولها بعمق لدرجة ان كل ما نردده لا يتجاوز حدود الامكانيات التي كشفت عنها التجربة الاغريقية وان الأحكام السياسية ليست سوى خيارات بين احتمالات محددة، لقد كان اختصاصهم هو رؤية كل ما هو مثالي: في الفلسفة، جمهورية افلاطون. وفي السياسة، دولة اثينا كما عبر عنها (بيركليس) ومثلما كتب عنها (ثيوسديدس) في تاريخه عن الحرب (البيلوبونيزية)

يتبع – السياسة في المرحلة الرومانية

  • Social Links:

Leave a Reply