ثلاثية الخروف السوري والدولار الأمريكي – عبدالرزاق دحنون

ثلاثية الخروف السوري والدولار الأمريكي – عبدالرزاق دحنون

ثلاثية الخروف السوري والدولار الأمريكي

عبدالرزاق دحنون 

قيل لفقير جائع: كم اثنين في اثنين, قال: أربعة أرغفة. 

1

حادثتان منفصلتان تتعلقان بالدولار الأمريكي أصابتا رأسي  بالدوار وتركتاني  في ذهول  عمّا يحدث  في عالم المال  والمصارف والبنوك.الحادثة  الأولى, و كنتُ الشاهد الوحيد فيها, حيث صادف وجودي  مع توقف سيارة  فارهة على إحدى  الطرق العامة بالقرب من  راعي غنم  في السفوح الجبلية لقرية معترم التابعة لمدينة أريحا في محافظة إدلب شمال سوريا وذلك  في أحد أيام  ربيع عام 2009بينما كنتُ أتفحص موقعاً أثرياً إلى الغرب من قرية معترم.  ترجّل السائق من الحافلة وراح يفاصل الراعي في ثمن رأس الخروف الحي. وبعد جدل قصير, دفع المُشتري قطعتين من فئة مئة دولار, ثم حمل الخروف إلى صندوق سيارته ومشى. وقبل أن يغيب الراعي بين أغنامه, سألته عمّا سيفعله بالدولارات الأمريكية  في هذه القرية النائية. أجاب الراعي موضحاً: اتفقنا على تسعة آلاف ليرة سورية ثمناً للخروف,  إلا أن المشتري لا يحمل المبلغ بالليرات السورية , وقد رضيت بتلك  الدولارات؛ لأنني الرابح  في هذه الصفقة فهي تساوي أكثر من المبلغ المطلوب. كان الدولار يومها بخمسين ليرة سورية. فهمتُ من الراعي أنه يعمل في ورشة بناء في لبنان, وطبيعي أن يتعامل بالدولارات  ويعرف قيمتها الشرائية.وقد لا تكون هذه الحادثة فريدة كما نظن, لأن الدولار كعملة يتم تداولها في أنحاء الأرض جميعاً. والعملة في المعاجم, أجرة العمل. يقال: سعيد رديء العملة أي المعاملة إذا كان لا يفي ما عليه من النقود. والنقد مصدر نقد, والجمع نقود ما يعطي من الثمن معجلاً. و اليوم انتقل دور العملة التاريخي من وسيلة للبيع والشراء  إلى بضاعة أو سلعة  تباع وتُشترى بحد ذاتها وصار لها أسواقاً وزبائن في كل أرجاء العالم.                                    

2

الحادثة الثانية جرت وقائعها على شاشة قناة الجزيرة الإخبارية.فقد استضاف أحمد منصور في برنامجه بلا حدود يوم 18 /3/2009 أحد أشهر خبراء الصين في المال والبنوك السيد سونغ هو نغيينغ. فقال إن حكومته تحتفظ في خزائن مصرفها المركزي في بكين بأكثر من ترليونيين من الدولار الأمريكية  وهو أكبر احتياطي في العالم. والصين تستعمل هذه الدولارات  كبيضة قبان للمحافظة على نمو وتوازن اقتصادها بعيداً عن الهزات المفاجئة وكي تشتري النفط الذي يباع في الأسواق العالمية بالعملة الأمريكية. وفي معرض حديثه عن سيطرة الدولار في المعاملات التجارية  العالمية  قال: إن تصنيع الورقة الواحدة  من فئة مئة دولار تكلّف الحكومة الأمريكية أقل من نصف دولار. والمفاجأة التي أذهلت الخبير الصيني ومن ثم أحمد منصور ومن ثم العبد الفقير الذي يكتب هذه الكلمات  هي: يُعتقد أن الحكومة الأمريكية تملك حق السيطرة على طبع  العملة من الدولار. هذا هو  الطبيعي و المعهود، الكل يفكر بهذه الطريقة, لأن العملة  هي السبيل القانوني المشروع الوحيد لتسوية الديون والمستحقات. إذاً كيف يمكن لهذا الأمر أن يترك بأيدي قطاع خاص أو عائلات؟ نعم, البنك المركزي الأمريكي يخضع لسيطرة صيارفة من القطاع الخاص وهذه مفاجأة كبيرة لأننا نعتقد أن البنوك المركزية التي تطبع العملات  يجب أن تكون خاضعة لسيطرة الدولة لكن الحقيقة أنها من أملاك القطاع المصرفي الخاص.  وهذه المعلومات دوختني, وبلبلت عقلي , وجعلتني أفكر على النحو التالي:                                                                        

3

 

لو تعاملنا مع العملة الورقية على أنها سلعة . والظاهر أنها سلعة, أو بضاعة حقيقية, حسب تعريف  السلعة في الصفحات الأولى من كتاب كارل ماركس رأس المال. فالعملات الورقية تُباع وتُشترى. والدولارات هي في حقيقة الأمر بضاعة والقطعة الواحدة من فئة مئة دولار كُلْفة تصنيعها في الولايات المتحدة الأمريكية  أقل من نصف دولار, ولكنها تطرح في أسواق المال العالمية   بقيمتها الورقية المطبوعة عليها, إن صح التعبير, أو لنقُل  هي تشتري بقيمتها المتعارف عليها الكثير من البضائع.  وبما أن القطاع المصرفي الخاص في الولايات المتحدة الأمريكية  يحتكر صناعة الدولار, فإن بيع كل مئة دولار في السوق يعود عليه بربح قدره  تسعة وتسعين دولاراً  ونصف الدولار.وبما أن  أصحاب رأس المال في الولايات المتحدة الأمريكية  يبادلون النفط والمواد الأولية من مختلف بلدان العالم بعملة ورقية تعرف بالدولار فماذا يعني هذا؟ والسؤال الآخر هنا هل هذه الكتلة النقدية الضخمة تعادل قيمة البضائع المنتجة ؟ المؤسف  أن أغلب التقديرات تُشير إلى أن الكتلة النقدية بالدولارات الأمريكية  تزيد كثيراً عن حاجة الإنتاج الفعلي للتبادل بين الكتلتين العملة والبضاعة . وهذه المعادلة الاقتصادية في نهاية الأمر تكون في صالح أصحاب رأس المال. والنتيجة النهائية لتبادل السلع هذا لا يذهب بكل تأكيد إلى جيب الراعي السوري المسكين الذي  بادل بضعته وهي الخروف  بدولار أمريكي واحد فقط, وذهبت باقي الدولارات إلى خزينة المصرف المركزي الأمريكي, فتأمل هذه المفارقة العجيبة. 

  • Social Links:

Leave a Reply