مجنون حارتنا !! – رؤى عبد الصمد

مجنون حارتنا !! – رؤى عبد الصمد

مجنون حارتنا !!
جارنا كل ليلة ، يطرق بيوت الجيران بيتا” بيتا” يخبر الجميع أنه في الصباح سيكون ملكا” ، يسأل الجميع عن احتياجاتهم ، يسجلها في ورقة ..هدى ماذا تحتاجين غير الكتب ، هل تريدين صدرية و بسكليت و إوزة مشوية ؟!حسنا” غدا” ستكون كلها هنا عندك ..!! زاهر لماذا لا تصالح أخاك صبري ، إذا كانت مشكلتكم من أجل الأرض الغربية ، أنا غدا” سأشتريها منه و أقدمها لك هدية ، اذهب و صالحه الآن … أم جمعة ماذا تريدين ؟ فهمت فهمت تريدين أن يخرج ابنك من السجن ، سأخرجه من السجن غدا” لا تهتمي ، أنا أعرف أنه مظلوم ..، سمير غدا” يجب أن تترك هذا البيت المهلهل و تسلمه لصاحبه أنا سأشتري لك بيتا” جديدا” ، .. أم حمزة نظفي القبو غدا” صباحا” سآتيك بثلاث بقرات لتربيها و تطعمي صغارك اليتامى ..
جارنا المجنون ..ينسى صباحا” ما قد قال و يعود في المساء يكرر للجيران وعوده ..
جارنا المجنون لم يقدر له أن يكون ملكا” في يوم من الأيام لذلك فنحن لا نؤاخذه ، و هو مجنون بطبيعة الحال ..
……………….
يوم مات .. كان يوما” حزينا” و سعيدا” لقريتنا على السواء !!
صباحا” حين علم أصحاب القرية بوفاته ضج الخبر بسرعة في كل بيوت القرية ، و حزن عليه للجميع ، و خصوصا” الأطفال ..
فبرغم أنه لم يحقق لأحد أيا” من أمانيه ، إلا أنه كان يعطينا الأمل و يلهب خيالنا بأحلام كبيرة عن عالم لا شقاء و لا فقر و لا ظلم فيه ..
دفن مجنوننا بسرعة ، فقد أفتى شيخ قريتنا بعدم ضرورة الصلاة عليه لأنه فاقد العقل ، و لم يكن له أسرة ، فتمت مراسم دفنه بسرعة ، و خلال ساعات قليلة ، لم يعد في حارتنا من يسجل فيها الأحلام ..
لم يبكه أحد ، باستثناء زنوبة ، ابنة الأربعين ،تلك التي كان كل يوم يقول ، زنوبة لا تزعلي ، فرغم أنك بشعة سأتزوجك أنا بعد أن رفضك الجميع ، جهزي نفسك فغدا” سأصبح ملكا” و سنتزوج مساء ..
بكته زنوبة كثيرا” ، و عندما سئلت عن ذلك ، قالت لهم : لقد كان هناك على الأقل من يعدني بالزواج …
كان حديث كل أهل القرية يومها عن المجنون ، حزن الجميع عليه ، فقد كان الرجال يتندرون عليه ، و النساء كانت تراه مسليا” ، أما الأطفال فكانوا ينتظرونه على أحر من الجمر ليطلبوا منه تحقيق أحلامهم ، و كانوا أيضا” ينسون في الصباح ما طلبوا فيعودون في مساء اليوم التالي فيطلبون من جديد ..
بدأت الإشاعات تنتشر ، بسرعة ، و لم يكن للأهالي في تلك الأيام أشغال كثيرة ، فكانوا يتناقلون تلك الإشاعات بسرعة و يتداولها الأطفال فتكبر و تكبر تلك الإشاعات ..
و كانت أكبر إشاعة في تلك الآونة أن الأحلام التي كتبها مجنون حارتنا ستتحقق كلها !!!
كيف ؟!
ببساطة ، و بحسب الإشاعة وصل خبر المجنون إلى السيد الرئيس ، و عرف بقصة الأحلام التي كان يكتبها لأهل القرية ، و لذا و لأن السيد الرئيس رجل نبيل و طيب ، فقد قرر بنفسه تحقيق كل هذه الأحلام لأهل حارتنا و قريتنا !!
كبرت الإشاعة جدا” ، و انتقلت إلى القرى المجاورة و حتى إلى المدينة ..
و امتلأت القرية بلافتات كتب عليها : ( شكرا” للسيد الرئيس لرغبته الكريمة في تحقيق أحلامنا ) ، (كلنا فداء السيد الرئيس ) (سيبقى السيد الرئيس دائما” الأب الرؤوم لكل المواطنين ) (عودتمونا على كرمكم دائما” يا سيادة الرئيس ) …
و في ذلك النهار لا أزال أذكر في ذلك حين أخذت مكبرات الصوت تدعو كل أهالي القرية للاجتماع في الساحة ..و كانوا يقولون إن مندوبا” عن سيادة الرئيس سيتحدث إلى أهل القرية..
و هكذا هرع الجميع إلى الساحة و كنت أنا بينهم و كنت حينها طفلا” في الحادية عشرة على ما أذكر ..
و كلنا طبعا” كنا نتوقع أن السيد الرئيس أرسل مندوبه ليبشرنا بتحقيق أحلامنا و يتخذ الإجراءات اللازمة ..
و بالفعل وقف المسؤول في الساحة و بيده مكبر صوت و أخذ يصرخ ..
لم أعد أذكر إلا أنه قد قال أن ما يقال عن نية السيد الرئيس ما هي إلا إشاعة ، و أن تصرفات المجنون ما هي إلا خرافات و قلة عقل لا تليق بنا ، و حين سئل : و ماذا يخسر السيد الرئيس لو حقق أحلامنا ، انزعج المندوب و صاح : لم يبق إلا أن يأخذ سيادته أوامره من المجانين ..
أحبط أهل القرية ، و عادوا لبيوتهم حتى قبل أن يكمل المندوب حديثه …
بعد أيام وصلت أخبار للقرية أن لجنة قضائية و بإشراف أمني ستقوم بمصادرة الأوراق التي كتب عليها المجنون أحلام القرية ، و ستقوم بحرقها أصولا” منعا” لاستمرار الخرافة و الدجل و التخلف ..
انزعج أهل القرية كثيرا” ، فحتى أحلامهم سيحرقونها !!
قررت أنا مع بعض رفاقي في المدرسة أن نفاجئ المسؤولين عن حرق الأوراق و ننتهز الفرصة و نسرق بعض الأوراق ثم نهرب …
و فعلا” بعد أيام كان موعد الحرق ، و اجتمع أهل القرية ليروا أحلامهم تحترق
و اجتمعنا أنا و رفاقي
و حين حانت اللحظة المناسبة نظر كل منا في وجه الآخر و لكننا جبنا و خفنا بعدما رأينا بعض الجنود و معهم بنادق مخيفة
و فهم كل منا الآخر ، كان اعترافا” صريحا” بالجبن حتى دون أن ننطق بكلمة
وحده أبو شحاطة (اكتسب لقبه هذا بعد هذه الحادثة مباشرة ) وحده أبو شحاطة لم يكن خائفا” ..
و مثل الصقر انقض على عدد من الأوراق و هرب مثل الصاروخ باتجاه بيته و كان قريبا” ، فركض خلفه أحد الجنود و لكنه لم يلحق به ، و دخل أبو شحاطة المنزل و أغلق خلفه الباب ..
و هنا حدثت ضجة كبيرة بين الأهالي و كان والد الطفل أبو شحاطة فأسرع و صار يكلم الجندي ، و الجندي يهدد بكسر الباب إن لم يسترد الأوراق .
طلب الأب من الخارج من ابنه أن يعطيه الأوراق فرفض الولد خوفا” من الجندي ، فقال له والده ان يصعد للسطح و يرمي له الأوراق ، صعد الطفل و هو يبكي ، ثم رمى الأوراق لأبيه و للجندي ، و عندما سأله أبوه ماذا كان يريد أن يفعل بالأوراق قال أبو شحاطة :
-كنت أريد أن أحقق هذه الأحلام لأصحابها حين أكبر
عندها قال الأب بحرقة :
-قدر أحلامنا أن لا تحقق يا بني
أخذ الجندي الأوراق ثم أشار للطفل بأصابعه إشارة قبيحة ، و حين اعترض الأب قال الجندي :
كي تعلم ابنك الأخلاق و التهذيب
غضبنا نحن زملاء أبو شحاطة من اشارة الجندي و لكننا كنا خائفين ..
و هكذا تم حرق أحلامنا أمام أعيننا ، و لم أزل أذكر ذلك الجندي يدوس و يحرك ببوطه العسكري الرماد ليتأكد أن كل الأوراق قد تم حرقها …
انتهى بروتوكول الحرق ، و ركب المسؤولون و الجنود سياراتهم و هموا بالتحرك
و هنا جاءتنا الشجاعة فتوارينا خلف أحد الجدران و صرنا نصرخ و نغني :
-جيش أبو شحاطة ..جيش أبو شحاطة … جيش أبو شحاطة ..
و هنا أخذ الحماس زملينا على السطح و خلع (شحاطته) و صار يرقص بها على السطح على مرأى من الجنود .
و هنا أخذتنا الحماسة أيضا” و صرنا نرمي سيارات المسؤولين و الجنود بالحجارة و لككنا لم نصبهم لأنهم أخذوا يبتعدون و هم يلوحون لنا و نلوح لهم بإشارات مسيئة !!!
بعد أن غابوا عن أنظارنا نزل زميلنا أبو شحاطة و صار الجميع يقبلونه حتى الكبار ..
و شرع الكبار بنزع اللافتات التي كانت ترحب بالسيد الرئيس ، و كانوا يتعمدون أن يدوسوا فوق اسمه ، و يمسحون بها أحذيتهم ، ثم يرمونها بعيدا”
أما نحن فأخذتنا الحماسة بالهتاف ثم حمل أحد الشباب أبو شحاطة على كتفيه و عدنا نغني :
جيش أبو شحاطة ..جيش أبو شحاطة
و كان أبو شحاطة و هو على كتفي الشاب يلوح بشحاطته و يشير بأصابعه إشارات مسيئة يقصد بها الجنود ..
تجولنا على هذه الحالة حوالي الساعتين ، و جبنا كل شوارع القرية ..
و من يومها صرت أكره الجنود !!!!

رؤى عبد الصمد

  • Social Links:

Leave a Reply