من اوراقي القديمة – سمير سعيفان

من اوراقي القديمة – سمير سعيفان

من اوراقي القديمة:
سمير سعيفان

1979

شكل عام 1979 بداية لتحولات جذرية على المستوى العالمي، ونشهد اليوم نضوجها في منطقة الشرق الأوسط على نحو خاص.

(1)

1979 قامت جمهورية إيران الإسلامية، بعد أن قرر الغرب التخلي من نظام الشاه الذي ركب رأسه وقرر الاستمرار في برنامجه النووي، وبدأ يبتعد عن الغرب في سياساته. وفور “انتصارها” اتخذت طابعاً دينياً مذهبياً، وأطلقت مشروعا قومياً فارسيا لا يخفي مطامعه بتمديد نفوده الى المنطقة متستراً “بالمظلومية الشيعية”. وقد أحدث قيام “جمهورية إيران الإسلامية” تحولاً جذرياً في منطقتنا. إذ لم تعد اسرائيل هي مصدر الاضطرابات الأول في المنطقة فقد حلت إيران محلها. فمنذ قيام نظام الخميني تبنى مبدأ تصدير ثورته الدينية الى حيث يستطيع، وكانت العراق هدفه الأول، فبدأ التحرش بالعراق، وقد كان يقوده ديكتاتور لا يأخذ برأي أحد، ويغتال كل من يخالفه الرأي، ويملأ رأسه بالعنتريات القبلية، وقد خضع لتحريضات السعودية والإمارات، مما أدى إلى نشوب حرب الخليج الأولى التي دامت ثمان سنوات واستنزفت العراق دون أن تسقط نظام الخميني. ثم وبسبب نتائج حرب الخليج الأولى تورط الديكتاتور صدام حسين بسبب حساباته الغبية وعدم استماعه لآراء قادة نظامه، تورط في غزو الكويت، مما أدى الى حرب الخليج الثانية، ثم حصار العراق لمدة 13 عام، ثم احتلاله من قبل الأمريكان. وبالنتيجة سيطرت إيران على العراق، فدخل في فوضى تحت استبداد مذهبي وحرب أهلية انتهت بداعش وحالش. كما سعت إيران لتكوين قوة مذهبية تتبع لها مباشرة في لبنان، فكان حزب الله الذي يجاهر بأن مرجعيته هي “قم” وأنه يتبع الخميني ثم الخامنئي، أي قيادة إيران وليس دولة لبنان التي سيطر عليها بدعم من سوريا، وأصبح الحزب مصدر عدم استقرار دائم في لبنان. وضمن مناخات الربيع العربي سعت إيران لأن تطلق حراكاً في البحرين يتخذ طابعاً مذهبياً، ثم حرضت الحوثيين في اليمن، مؤججة صراعاً مذهبياً بين الزيديين و السنة، والذي قام مؤخراً بانقلاب مسلح احتل فيه اليمن بالقوة، مما تطلب الرد بقوة عبر عاصفة الحزم. وتعمل إيران اليوم بكل قوة لمنع وصول الكارثة السورية الى حل سياسي وهي تحرّض قوى مذهبية وترسلها إلى سوريا، بل وترسل قواتها مباشرة للمشاركة في القتال الذي يدمر سوريا منذ أربع سنوات.

لقد تحولت جمهورية إيران الإسلامية فور قيامها ومازالت إلى مصدر لزعزعة استقرار المنطقة.

(2)

عام 1979 تدخل السوفييت في أفغانستان، فوقعوا في الفخ، وقد شكل هذا بداية لتدهور الاتحاد السوفييتي وأفول نجمه من جهة، ومن جهة ثانية أطلق الجهادية الاسلامية المتطرفة التي نعيش اليوم قمة أحداثها على نحو واسع وبدعم غربي كبير. فقد وجد الأمريكان في هذا التدخل السوفييتي ضالتهم، ومناسبة للانتقام من أجل فيتنام، التي اضطر الأمريكان، قبل أربع سنوات فقط من ذاك التاريخ، لأن ينسحبوا من فيتنام بعد هزيمة مذلة، وبعد أن دفعوا ثمنا باهظاً، وها قد جاءت الفرصة ليرد الأمريكان الصاع صاعين للروس. وأذكر في شباط عام 2008 كان بريجنسكي في زيارة إلى دمشق واجتمعنا معه ضمن مجموعة من السوريين في مطعم مقابل مدخل مدينة المعارض على طريق المطار، وقد روى بريجنسكي التالي فقال: “يوم دخلت القوات السوفيتية في افغانستان كان الوقت في واشنطن ليلاً وكان الرئيس كارتر نائماً، ورغم ذلك ايقظته لأزف له البشرى” لجأ الغرب لإطلاق الجهاد ضد “الغزو الشيوعي الكافر”، ومنحه دعما قوياً كي يجعل السوفييت يدفعون ثمناً غالياً. كانت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة هي الراعي والمنظم والداعم لهذه العملية.

شكلت حرب افغانستان تحولاً واسعاً في الجهادية الاسلامية واعطتها دفعة كبيرة ومنحتها دعماً واسعاً غير مسبوق واسبغت عليها شرعية ومباركة دولية واسعة، و أصبح ريغن يظهر في الإعلام مجتمعاً بمجاهدين أفغان. وقد نظموا حملة عالمية للتطوع شاركت فيها ومولتها بالمال وبالمجاهدين بلدان عديدة عربية وإسلامية، وهي تدفع ثمن ذلك الدعم الآن. قبل 1979 كان الفكر الجهادي مغموراً ومنبوذاً وكانت مجموعاته الصغيرة محصورة في نطاق بلدانها تعمل تحت الأرض. بينما شكلت أفغانستان مدرسة لتخريج دفعات كبيرة من الجهاديين الذين وضعت تحت تصرفهم إمكانيات كبيرة. وليست القاعدة وداعش وحالش اليوم سوى نتاجات لتلك “الحملة الدينية الأمريكية” في ذاك اللقاء قلنا لبريجنسكي أن حملتهم العالمية التي نظموها للجهاد ضد السوفييت قد شكلت قاعدة انطلاق كبيرة للجهادية والتطرف في العالم، ولكن بريجنسكي لم ينكر ذلك وقال “ولكن مسألة الجهادية الإسلامية مسألة صغيرة أمام توجيه ضربة قاصمة للعدو الحقيقي، الاتحاد السوفيتي و الشيوعية، فهو الخطر الحقيقي على بلداننا وقيمنا، أما الجهادية الاسلامية فأمر ثانوي وصغير مقدور عليه”

اجتمعت تبعات التدخل السوفيتي في أفغانستان وانطلاق الجهادية الإسلامية السنية، مع المد الجهادي الشيعي، الذي انطلق 1979 أيضاً ليدخل منطقة الشرق الأوسط في دوامة صراعات محلية و حروب أهلية تدفع المنطقة والعالم ثمناً باهظاً لها، فلم يعد تأثير التطرف يقتصر على بلدان محددة بل يتسع ليشمل العالم.

(3)

عام 1979 شهد بداية انطلاقة الليبرالية الجديدة في السياسة العالمية، والتي مثلت تحولاً في الاتجاه الذي ساد العالم بعد الحرب العالمية الأولى وتحقق النظام الشيوعي على الأرض في الاتحاد السوفيتي كنقيض للرأسمالية مما خلق ضغوطاً كبيرة، توسعت بعد تحوله الى معسكر اشتراكي شرقي بعد الحرب العالمية الثانية، مما أحدث تحولاً كبيراً في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية أيضاً امتدت حتى بلدان العالم الثالث، مما اضطر الرأسمالية في البلدان الغربية إلى تقديم تنازلات كبيرة، وتخفيف التفاوت في توزيع الثروة، وتطوير شبكة الضمان الاجتماعي وتوسع حقوق العمل مقابل الرأسمال. وانعكس هذا في سياسات عديدة في كافة المجالات، وخاصة بين 1945 وحتى سبعينات القرن العشرين. غير أن هذا التوجه العريض بدأ بالانعكاس منذ 1979 مع وصول مارغريت تاتشر الى رئاسة الوزارة في بريطانيا، إذ أطلقت سياستها النيوليبرالية، وتبعها ريغن عام 1981، وقد أسست الليبرالية الجديدة لحركة ارتداد ضد المكاسب الاجتماعية للعاملين التي تحققت بعد الحرب العالمية الثانية، وشكلت بداية لإضعاف النقابات وتقليص شبكات الضمان الاجتماعي وحقوق العمال لصالح أرباب العمل، وتقليص الضرائب المباشرة على أرباح الشركات، وفرض ضريبة المبيعات على المواطنين، وتوسيع تحرير التجارة وتوسيع حركة رؤوس الأموال وإطلاق الخصخصة وإضعاف الدولة ومنح الرأسمال المحلي والعالمي المزايا كلها.

كان تدخل السوفييت في أفغانستان بداية تفاقم نظامهم الجامد، بقدرته الضعيفة على التطور والتقدم، وضعف قدراته أمام قدرات النظام الرأسمالي المتنامية، الذي بقي يسيطر على مقدرات العالم، وتراجع جاذبيته المحلية والعالمية. ومنذ 1979، لم يعد العصر عصر “التحول من الرأسمالية الى الاشتراكية” كما كان السوفييت يروجون، بل أصبح عصر “العودة من الاشتراكية الى الرأسمالية الليبرالية” كما حدث فعلاً. وقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي ومعسكره الاشتراكي الى استفراد الولايات المتحدة بمصير العالم كقوة عظمى وحيدة لا حدود لغطرستها.

(4)

هل بدأت نبوءة جورج أورويل في روايته الشهيرة “1984” بالتحقق باكراً في عام 1979. وهل أصبح “الأخ الأكبر” اليوم مسيطراً يراقب كل شيء، محولا البشر إلى أشياء هامشية، وتساعده التكنولوجيا على فعل ذلك بكفاءة أكبر بكثير مما تصوره جورج أورويل عام 1949؟

وهل يتجرأ أحد أن يتحدى “الأخ الأكبر” ويعصى أوامره في مواجهة كوارث المنطقة والعالم خوفا منه وسعيا لنيل رضاه، لأنه يراقبهم على مدار الساعة وقد أصبحت يده طائلة؟

وهل للأخ الأكبر أخوة صغار في كل منطقة مثل اسرائيل وإيران في منطقتنا؟

أم هي بداية النهاية لكلا الأخين الأكبر والأصغر بعد توسعهما المفرط؟

أم هي بداية لصعود أخوة كبار وصغار جدد ربما أسوأ من سابقيهم؟

سمير سعيفان

2015

  • Social Links:

Leave a Reply