السفر السادس
عمران كيالي
لا تذكرين، بل ربما تذكرين، كيف كنت تعلميننا المحبة على أصولها، كممارسة، لا كقصيدة شعر محفوظة، كمهنة، لا كسمسرة أو فكرة قابلة للبيع و الشراء …
كيف كنت تعلميننا التعامل مع سنابل القمح، و تحكي لنا عن النمل و النحل و عن قدرة بعض الكائنات الحية على تنظيم أمور حياتها، التخصص و تقسيم العمل فيما بينها …
لا تذكرين، بل ربما تذكرين، يوم قلت لي على الهاتف، و أنت في بدايات الزهايمر : لما بشوفك يتجدد عمري … و من وقتها صرت أقضي ليلة في منزلي و ليلة في البيت الكبير قربك …
لا تذكرين، بل ربما تذكرين، كيف كنت توزعين الموز الذي يحضره أخي الكبير على المرضى الذين معك في قسم القلبية بالمشفى الجامعي …
لا تذكرين، بل ربما تذكرين، يوم جاء صديقي ليلقي نظرة على غرف البيت بنية شرائه، كيف غضبت مني و منه، و عندما سألتك عن السبب قلت بأنك لا تريدين البيع لأن رائحة أبي ما زالت على حيطان المنزل وفي أثاثه …
لا تذكرين، بل ربما تذكرين، كيف كنت تثنينني عن الذهاب إلى الجبانة عندما أنوي قراءة بعض السور على قبر إخوتي و قبر أبي بقولك : إن الله يسمعنا في المنزل و يقبل منا قراءة الفاتحة هنا، ربما كنت تخافين أن أبكي قليلا أو كثيرا هناك …
لا تذكرين، بل ربما تذكرين، كيف أنزلت جثمانك قرب عظام أبي في نفس القبر … كلنا يعرف أنك تريدين هذا دون أن توصي به …
سلام لك و سلام عليك يا أم القلب الكبير، قبلي أبي كثيرا و لا تحاولي إقناعه بالعودة إلينا رغم اشتداد الشوق و احتدامه … فلن تجدوا مكانا لكما، لأننا بعنا الدار الكبيرة، و باقي الدور بين مهجورة أو مدمرة أو محتلة ..

Social Links: