مر على وفاة الناقد والمترجم السوري المعروف جورج طرابيشي عامان كاملان، وقد ترك خلفه إنتاجا غزيرا ومتنوعا سوف يشغل الدارسين والنقاد على مدى سنوات طويلة، وذلك لأن هذا الناقد المفكر قد استطاع أن يقدم للعالم العربي نموذج المثقف الجاد والصادق مع نفسه والذي كرس أكثر من نصف قرن من عمره للحياة الثقافية والفكرية.
كما هو معروف فإن طرابيشي قد مرّ بأطوار فكرية وعقائدية كثيرة وذلك في إطار بحثه عن صياغة لشخصيته الفكرية والنقدية، وفي الوقت نفسه سجّل النقاد أنه قد تمرد على رؤيتين قاصرتين سطّحتا الفكر العربي المعاصر، وهما الرؤية المؤمثلة للماضي والرؤية المؤدلجة للحاضر.
كتب طرابيشي النقد الأدبي وفق المنهج الماركسي والمنهج الفرويدي، كما تصدى للكثير من القضايا الفكرية المعقدة في المشهد الفكر العربي. في هذا الخصوص بالذات يلاحظ أن مناقشته لأطروحات الناقد المغربي الراحل محمد عابدالجابري في سلسلته الشهيرة “نقد العقل العربي” تعد من أثقف المناقشات في الساحة الثقافية العربية المعاصرة.
إن ما يهمني شخصيا في تجربة الفقيد طرابيشي هو إصراره على إدخال التحليل النفسي بركيزته الفرويدية إلى مسرح النقد الأدبي والثقافي العربي. في وقت مبكر جدا أدرك بحصافة أهمية الكشف عن اللاوعي الثقافي العربي من أجل إدراك التشكيل الداخلي لبنيته اللاعقلانية المضمرة. في إطار هذا المسعى قام طرابيشي بترجمة معظم مؤلفات سغموند فرويد وبعض مؤلفات رواد التحليل النفسي الغربيين الآخرين إلى العربية، وأعتقد أن ما حققه في هذا المضمار لا يقل قيمة عن التراث الحيّ المتمثل في ترجمة الفلسفة اليونانية.
بواسطة مثل هذا التوجه تمكن طرابيشي من بناء نموذج بارز للمثقف المؤمن بالمثاقفة كممارسة، وبالحوار الجدي مع الآخر المتمثل في الفكر الغربي بشكل خاص، وكان هدفه الجوهري يرمي إلى فتح ينابيع الثقافة الغربية للنهل منها من جهة ولاختبار صلاحية المفاهيم والمصطلحات والرؤى الفكرية الغربية للتفاعل مع بيئتنا الثقافية، ومدى قدرتها على الاشتغال الفاعل والبنّاء داخل تضاريس الذات الثقافية العربية.
لا شك أن ترجمة طرابيشي لمؤلفات فرويد (حوالي 14 مؤلفا) تحتاج في تقديري إلى مراجعة، خاصة فيما يتصل بتدقيق ترجمة المصطلح والمفهوم ثم تدبير آليات تشغيلهما خارج سرير العيادة النفسية لتأويل مختلف أشكال التعبير الفكري والأدبي والفني عندنا. ونلاحظ أنّ جهد طرابيشي بقي لصيقا بترجمة نصوص فرويد التقليدية وما يدور في فلكها، وإن مواصلة وتطوير جهود طرابيشي في ترجمة وغرس التحليل النفسي في بيئتنا الثقافية أهم تكريم لذكراه الطيبة.

Social Links: