اتساع نفوذ “الحزب الاجتماعي القومي السوري” (ح ا ق س) داخل سوريا
بقلم: جيسي ماكدونالد
ما هو مستقبل الجماعات السياسية التي تنشط على المسرح السوري؟ هناك وفرة في عدد الميليشيات الموالية للنظام وان كان مدى خضوع تلك الميليشيات لسيطرة الحكومة المركزية هو امر يستحق المراقبة، كما يوجد قوات اخرى لها تمثيل سياسي وخاضعة للسلطة وغير بعيدة عن مظلة السلطة. احدى هذه الجماعات التي تتوسع بسرعة على مستوى القاعدة تنتمي الى (الحزب الاجتماعي القومي السوري).
هناك فصيل لهذا الحزب (ح ا ق س) انضم للمعارضة مع قائده (علي حيدر) والذي يشغل حاليا منصب وزير (المصالحة الوطنية) ذات الأهمية القصوى وان كان انشقاق هذا الفصيل المسمى بكتلة الانتفاضة لم يسبب اي انزعاج للنظام والدليل هو تعيين حيدر لمنصبه الهام وتصريحه الذي يعارض فيه الابتعاد عن النظام. وهكذا اعيد التوافق بين حيدر ومقر قيادة الحزب في لبنان وكلاهما متفقان على الوقوف مع الأسد صفا واحدا.
لا بد من القاء الضوء على النفوذ المفاجئ للحزب الاجتماعي القومي السوري (ح ا ق س) في سوريا منذ نشوب الصراع، لاسيما ان له علاقة بنظام الأسد وحزب البعث، واحتمال تقوية اواصر العلاقة بين (ح ا ق س) وحزب البعث في المستقبل، وهي شراكة تمليها الحاجة للاحتفاظ والتمسك بالحلفاء في وقت الشدة.
نقاط قوة (ح ا ق س)
من سخرية المفارقات ان احدى القضايا التي سببت ضرراً للحزب القومي السوري في الماضي وهي تنافسه مع حزب البعث قد تتحول الى رصيد ايجابي في المستقبل. لقد كانت لهما علاقة تقارب وثيق تعود الى الأربعينيات من القرن الماضي، ثم وضع الحظر عليه في سوريا منذ عام 1955 وحتى عام 2005، والتنافس بينهما في السابق كان مصدره عناصر التشابه المشتركة بينهما، فكل منهما كان يتبارى للحصول على اعضاء ممن غيروا ولائهم الحزبي، ويبدو الحرب الدائرة في سوريا اجبرت الخصوم السياسيين التاريخيين الى التقارب في وقت تشتد فيه الحاجة لوجود حليف سياسي.
اما آل الأسد فقد كانوا دوماً يميلون الى جانب اتجاه القومية السورية ضمن الرؤية العربية مقارنة بتوجه البعث التقليدي لميشيل عفلق. بالإضافة الى ذلك فان العديد من الجماعات السياسية السورية التي كانت في مستهل بداياتها تميل نحو الحزب القومي السوري ثم ما لبثت حتى اندمجت فيما بعد بحزب البعث وأبرز مثال على هذا التحول هو أكرم الحوراني، احد القادة السياسيين السوريين ومن اوائل اعضاء الحزب القومي السوري. لقد ساعد اكرم الحوراني في تأسيس حزب الشباب القومي واصبح قائداً له في عام 1939، وبعد فشل مباحثات لتوثيق التعاون مع الحزب القومي السوري قام الحوراني بتحويل حزب الشباب القومي الى الحزب الاشتراكي العربي عام 1950 وذلك قبل اندماجه مع حزب البعث عام 1953.
المزيد من التشابك
غسان جديد، أحد قادة الحزب القومي السوري (ح ا ق س) خلال الأربعينيات والخمسينيات استلم منصب رئيس الدفاع داخل الحزب عام 1954 اما شقيقه صلاح جديد فأقسم الولاء للحزب القومي السوري قبل ان يتحول الولاء الى حزب البعث في الخمسينيات، وكان صلاح جديد أحد الأعضاء الخمسة داخل اللجنة العسكرية السرية التي كانت تعدّ البعث لاستلام السلطة، وكان حافظ الأسد أحد اعضاء اللجنة ايضاً.
كانت انيسة مخلوف، زوجة حافظ الأسد ووالدة بشار، عضوة نشيطة في الحزب القومي السوري حتى قبل زواجها من حافظ، اما شقيقها محمد مخلوف فقد كان هو الآخر عضوا في الحزب القومي السوري وقد صرّح ابنه، رامي مخلوف، مؤخراً انه انضم الى الحزب القومي السوري عام 2013 ويعتبر احد اثرى الأغنياء في سوريا ويمتد نفوذه الى عدد من القطاعات الاقتصادية ولهذا نحن بغنى عن التأكيد انه يشكل اضافة رئيسية للدور المستقبلي الذي يخطط له الحزب القومي السوري.
الوحدة مع حزب البعث؟
ان التحول والانتقال في الولاءات المذكورة لا يثير الذهول ما دامت مصالح وتوجهات الحزبين تتداخل وتتشابك في قضايا عديدة، فكلاهما يدّعي البطولة في مجال العلمانية، ويتبنى العداء لليهود، وينشط لجذب الأقليات، كما انه يدافع بحماس شديد عن وحدة وسلامة الأمة السورية. ان هذه القضايا المشتركة تلزم الطرفين بالتقارب، بل والذوبان معاً في رؤيا متطابقة حول سوريا. اي اندماج سيعمل لصالح حزب البعث وفي نفس الوقت سيتيح للحزب القومي السوري (ح ا ق س) الوقت الثمين الكافي ليجذب ويجمع مناصريه من اجل اعادة تأهيلهم في المجتمع بعد 50 عاما من الجلوس على هامش الأحداث. الشخصيات القيادية والمسؤولة في معسكر الأسد\مخلوف لديهم ممرا خاصا، لبذل المزيد من الجهود المشتركة والعمل مع الحلفاء من (ح ا ق س) ، من اجل الاحتفاظ بمواقعهم ومناصبهم دون تعطيل او تشويش على ما بحوزتهم او على الشؤون والقضايا اليومية التي تتطلبها ادارة البلاد، ان انتقال الحزبين الى هذا الوضع الجديد سيحصل رغم عدم وجود اي اعلان رسمي بحدوثه او غياب اجراءات قانونية لإعلانه بشكل رسمي.
الحزب القومي السوري الذي ينشط في سوريا منذ الثلاثينيات ويشارك حزب البعث في قضايا رئيسية يضعه في موقع فريد، فهو يملك منشورات وادبيات وفيرة لمطبوعاته التعليمية وتوفر له الأسس الضرورية لكي يحصد الأجيال القادمة.
(ح ا ق س) المتمسك بتحصيناته في المشهد السياسي، اتاحت له بنيته التنظيمية الحالية تسريع عملية تواصله مع الجماعات السورية، كما ان النظام يبقى مضطلعا على نشاطات الحزب القومي السوري، بل ويشارك في بعض احتفالات الحزب القومي السوري التي تشمل مراسيم تكريم افراد الجيش السوري والندوات الثقافية وافتتاح مكاتب جديدة ونشر ايديولوجية الحزب القومي السوري. وتضفي المشاركة المباشرة من قبل شخصيات رسمية محسوبة على حزب البعث في النشاطات المذكورة للحزب القومي السوري درجة معينة من التفاهم بين الحزبين يعززه القتال المتواصل منذ سنوات والذي تشترك فيه قوات النظام السوري مع ميليشيات (نسور الزوبعة) التابعة للحزب القومي السوري.
الحزب السوري القومي يفرش جناحيه
منذ عام 2014 وحتى اليوم ازداد حضور الحزب في سوريا، ولاسيما في حمص وحماه، بالإضافة الى اللاذقية ودمشق مع ضواحيها. ان توسعه داخل تلك المحافظات يتركز حول البلدات والمدن التي تقطنها الأقليات، ولكن (ح ا ق س) يتوسع ليصبح اليوم ثاني اكبر الأحزاب بعد حزب البعث، وتمكن من انجاز ذلك بالتنسيق والتعاون مع النظام.
فيما يلي مشاهد من نشاطات الحزب ابتداء من محافظة حمص، حيث يركز تموضعه داخل احياء المدينة القديمة ويسيطر اعضاؤه على مناطق بكاملها بما فيها اقامة نقاط تفتيش ومراقبة. وتجري احتفالات الحزب تحت حراسة اعضائه المسلحين، ويعكس ذلك مدى الثقة بالنظام.
فيما يلي مشهد لافتتاح مكتب جديد داخل القسم القديم من مدينة حمص وذلك للمرة الأولى منذ 50 عاما حيث القى كلمة في الحشد قائد الحزب في حمص (نهاد سمعان)
هذه الحرية المعطاء التي انغمر فيها حزب كان محظورا حتى عام 2005 لا يظهر معها الحزب انه يشكل اي تهديد للنظام، بل على العكس، فكما هو واضح ان النظام يقوم بتفويض الحزب بمهام السلطة كشريك موثوق. في الواقع ان كلاهما يقومان معا بنشاطات مشتركة متعلقة بإلقاء الخطب والكلمات والاحتفال بالمناسبات داخل المدينة. فها هو يحتفل مع حزب البعث بذكرى تأسيس الحزب القومي السوري:
كما ان للحزب كثير من الاتباع في (وادي النصارى) غرب مدينة حمص، وفي بلدات (صدد) و (القريتين)، وأعضاء الحزب على صلة وثيقة، في كلتا المدينتين، بقوات الجيش السوري وقوات الدفاع الوطني هي مجموعة عسكرية سورية تم تنظيمها من قبل الحكومة السورية ومهمتها المساندة في عملياته ضد المعارضة المسلحة. تعمل القوات في دور مشاة، وتقاتل مباشرة ضد المتمردين على الأرض وتنفذ عمليات مكافحة التمرد بالتنسيق مع الجيش الذي يوفر لهم الدعم اللوجستي والمدفعي. من المتوقع أن القوات لديها العديد من الأعضاء الذين يتم اختيارهم من الشعب السوري او المتطوعين. وذكر موقع غلوبال سيكيورتي أن الهدف من تشكليها أيضا كانت إعفاء القوات الحكومية النظامية من مسؤوليتها عن الأعمال العدوانية التي ارتكبتها. وفقا لصحيفة واشنطن بوست ووول ستريت جورنال، كان إنشاء هذه المجموعة ناجحاً، كما أنها لعبت دورا حاسماً في تحسين الوضع العسكري للقوات الحكومية في سوريا من صيف 2012، عندما توقع العديد من المحللين أن سقوط نظام الأسد بات قريباً. ووصل عدد هذه القوات الى 100,000 في شهر آب من عام 2013. كما نشرت رويترز ملخصا عن تقرير للجنة حقوق إنسان تابعة للأمم المتحدة جاء فيه أن القوات الحكومية السورية ومن ضمنها قوات الدفاع الوطني شاركت أو قامت بقيادة عمليات أدت إلى تسع مجازر راح ضحيتها مدنيون ومن بينها مذبحة مدينة البيضة في بانياس.
وفي محافظة حماة تتحرك قوات الحزب (ح ا ق س) داخل المدن والبلدات، مثل: محرّدة، السقيلبية، والسلمية، التي كانت منشأ الخلافة الفاطمية، وشهدت نصيبها من الهجمات انضم فيها عناصر من سكان المدينة الاسماعيليين الى قوات الحزب القومي السوري، وهذه العناصر المحلية المتحصنة داخل تلك المدن ستتحكم بإداراتها المدنية فيما بعد.
وهذا مشهد لأعضاء الحزب القومي السوري وهم يوزعون الحلويات لقوات النظام:
مشهد آخر للحزب القومي السوري في السلمية، بمناسبة الاحتفال في ذكرى تأسيس الحزب شارك فيه عضو مجلس الشعب (مازن عزوز) المولود في السلمية، مع عضو آخر من حزب البعث في حماة.
وينشط الحزب (ح ا ق س) في مدينة اللاذقية فيستضيف المباريات الرياضية ورحلات خاصة للناشئين وفي مجال التدريب. ومحافظة اللاذقية اغلب سكانها من العلويين وتعتبر معقل لعائلة الأسد، مما يجعل نشاطات الحزب القومي السوري فيها مثيرة للانتباه. هذا بالإضافة الى تواجده في ريف وضواحي دمشق مثل معلولا والزبداني وصيدنايا حيث جرت معارك اشتركت فيها ميليشيات الحزب القومي السوري (نسور الزوبعة) ، وللحزب المذكور مكتبا ومقرا في العاصمة دمشق، وهناك مغزى لعلمه الذي يرفرف وكأنه يؤكد على بداية تذوقه للحرية تحت مظلة نظام بشار الأسد.
مشهد لمخيم تدريب للحزب القومي السوري في اللاذقية:
مشهد يصور اعضاء الحزب القومي السوري وهم يوزعون الطعام في العاصمة دمشق كجزء من حملته الخيرية
مشهد آخر من العاصمة دمشق يصور أعضاء الحزب وهم يقدمون الحلويات للمارة بمناسبة عيد الأم:
ان قيام النظام بتشكيل لجان محلية وتفويض الجهات الأمنية هي اجراءات تكفل للنظام ان كل التحركات والقرارات تسير تحت مراقبة السلطة المركزية، فنظام الأسد يدرك ان ترك الأمور بيد الأطراف الأخرى ليس ضمانة للاحتفاظ بالسلطة، فتقديم السلاح وتوفيره للحزب السوري القومي وغيره من القرارات الحساسة تخضع للمستويات العليا من مسؤولي النظام. وهذا يمكن ان يفسر كيف يستطيع الحزب القومي السوري: القيام بتنظيم مسيرات، وافتتاح مراكز اعلامية ومقرات حزبية في عدد من المدن، وان يقيم الندوات، وينظم حلقات التدريب وتلقين ايديولوجية الحزب، بالإضافة الى تنظيم حلقات تمارين اللياقة البدنية، وتوزيع المناشير للمدنيين لتبليغهم رسالة الحزب، ثم تنظيم جلسات التبرع بالدم لقوات النظام السوري، وهكذا فان كل هذه الأمور تدل على مدى ثقة النظام بالحزب القومي السوري (ح ا ق س). ان كون (رامي مخلوف) عضو في الحزب القومي السوري وولاء عائلته التاريخي للحزب بالإضافة الى المصالح المشتركة للحزبين القومي السوري وحزب البعث فالأحداث المذكورة سابقا هي تطورات تشير الى تحالف جديد.
سيذهب القادة من المسؤولين الى الحزب الذي سيحفظ لهم مصالحهم بينما سيسعى الأفراد الطامحون والذين يمتلكون الأدوات والوسائل للحاق بهم بحثا عن الرفاهية. لقد كان حزب البعث لعقود طويلة هو الخيار الوحيد المتوفر لتحقيق كل تلك الطموحات، وسبب الانضمام اليه. ولكن الوضع في سوريا قد لا يسمح لحزب البعث بالاستمرار بنفس الطريقة قبل استفحال الصراع في سوريا، ولهذا فان الانجذاب او الاندماج بعناصر لو مكونات في الحزب القومي السوري قد يكون خيارا حيويا من اجل الاستمرار.

Social Links: