يبدو أن العمل الثقافي العربي المشترك بات في مرحلة فاصلة، ذلك أن النزعة الوطنية استغرقت الدول العربية، على حساب دفع العمل المشترك إلى الأمام، في وقت أصبحت المؤسسات الثقافية الرسمية العربية في وضع صعب، إذ طغت فاعلية المؤسسات الوطنية على القومية، بل حتى الإقليمية على غرار مؤسسات مجلس التعاون الخليجي. وحلحلة هذا الوضع تقتضي: إعادة هيكلة الالكسو بما يتناسب مع مقتضيات العصر، فلا يجب أن يكون المدير العام وموازنة المنظمة في يد البيروقراطية العربية فقط، سواء المجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي يحدد الموازنة أو الدول التي تختار المدير العام. ضرورة التنسيق مع المؤسسات الثقافية التي تجسد روح المجتمع المدني على غرار مؤسسة الفكر العربي ومركز الملك فيصل ومؤسسة دال في السودان… إلى غيرها، ذلك أن فاعلية هذه المؤسسات تقتضي أن يكون لها دور في الالكسو وبالاشتراك معها على الصعيد العربي.
تعزيز فكرة الحق الثقافي لكل مواطن عربي، فلا يعقل أن يكون الصومال بلا مكتبة وطنية، ولا يكون الكتاب العربي متاحاً عبر شبكة الإنترنت.
ضرورة أن يكون هناك حقوق علمية وثقافية للمواطن العربي على شاشات الفضائيات العربية، فهذه الفضائيات الجانحة للتسلية والترفيه لجذب الإعلانات للمواطن حق فيها، أن تعلمه وأن تثقفه، فقناة الجزيرة ألغت برنامج عروض الكتب ليطغى السياسي، في حقيقة الأمر أن الفعل الثقافي العربي خرج بصورة أو بأخرى من يد الدول ليس بصورة كلية ولكن بصورة جزئية، وهذه الظاهرة تتزايد بصورة مضطردة ثابتة، وهذا الفعل بدأ مع ظهور مؤسسات ثقافية شبه رسمية، فظهرت مؤسسة الملك فيصل في الرياض وليكون لها ريع وقفي يمولها، ثم مؤسسة عبدالعزيز البابطين في الكويت، ودار الآثار الإسلامية في الكويت، ثم مؤسسة الفكر العربي في بيروت، لكن كانت مكتبة الإسكندرية هي قفزة في هذه النوعية لكثافة إنتاجها وفعلها الثقافي.
لكن التحول النوعي في تراجع دور المؤسسات الرسمية في الفعل الثقافي العربي تتحمله الدول، إذ بتخفيض الموازنات المخصصة للثقافة حتى في الدول الثرية، بات هناك فراغ أوسع من ذي قبل، تزامن معه نمو شبكات التواصل الاجتماعي عبر شبكة الإنترنت، لنرى مجلات ثقافية رقمية متخصصة في التاريخ وغيره، أو أخرى عامة مثل المجلة الثقافية الجزائرية، التي جعلت الثقافة العربية أكثر تفاعلاً من ذي قبل مع محيطها العربي.
ثم كانت مجموعات المناقشة المتخصصة على الواتس آب من مؤرخين وأدباء وباحثين في حقول شتى، كالمؤرخين العرب والمتحفين أو عامة كالصالون الثقافي، كل هذا أدى لفضاء ثقافي جديد لا يحتاج لرأس المال للتفاعل، فالمال هنا ليس محركاً لشيء، بل الرغبة في المعرفة والتواصل، لنصل إلى نقطة حاسمة، وهي قدرة الشباب العربي على التواصل والتبادل عبر هذه المجموعات، سواء على الفيس بوك أو الواتس آب أو تويتر، فيطرح أحد الباحثين سؤالاً يبحث عن إجابة له، فسرعان ما يجد الإجابة، أو يسأل عن كتاب فيرسل له مرقمناً على الفور، هذا كله بعيداً عن أعين الرقباء في الدول العربية الذين يمنعون مرور الكتب، فتمر عبر هذه البوابات. بل إننا نجد نخبة عربية شابة جديدة تتشكل بعيداً عن أعين الصحف ومحطات التلفاز، لها جمهورها، حتى لو اختلفت مع مستوى ما تقدمه هذه النخبة، فأحدها وقع لـ23 ألف مشتري في معرض القاهرة الدولي للكتاب كتابه، وفي معرض الكويت للكتاب حصدت بلاتنيوم للنشر وهي دار نشر متخصصة في تحويل ما ينشره هؤلاء رقمياً إلى كتب مطبوعة، حصدت الشريحة الأكبر من زوار المعرض، لذا نحن أمام ظاهرة جديدة في تحويل الدردشة أو الفضفضة أو الخواطر إلى أدب جديد يستحق التأمل، كما أن الشباب صاروا نجوماً لا نراهم في الفضاء الرسمي، بل نراهم في الفضاء الرقمي، الذي صار يتحدى النخب الثقافية التقليدية، حتى أن دور النشر باتت تسأل المؤلف عن عدد متابعيه على وسائط التواصل الاجتماعي لتقرر إذا كانت ستنشر له من عدمه.
هذه النخب الجديدة صارت خارج إطار المألوف فهي لا تنتمي للعواصم أو المراكز التقليدية للثقافة، بل هي من خارجها فلأول مرة لم يعد مبدعي ومثقفي وعلماء الأطراف مهمشين، بل صار لهم حضورهم القوي.

Social Links: