المنهج من حيث الشكل
يبدأ حسن حنفي مشروعه الفكري برفض الفكر الديني التقليدي شكلاً، ويقوم بنقد طريقة القدامى في البناء النصوصي لمؤلفاتهم، فيقول:
(في هذه المقدمات الإيمانية تتحددُ علاقة الإنسان بأنه فقط ليس فقط على مستوى المعرفة والنظر بل أيضاً على مستوى السلوك والعمل، فالإنسان يحمد الله على نعمه ويشكره، على فضله، مما يجعل العلاقة أحادية الطرف، من واهب (إلى) موهوب، ومن معطى إلى معط إلى، وتجعل الإنسان مجرد وعاء للنعم، ومستقبل للعطايا (…) وإن كثيراً من مآسي عصرنا لهو انتظار الكرم والجود، والتشوق إلى الهدايا والعطايا، والتزلف من أجل هبات السلطان حتى أصبح العصر كله عصر تعايش وارتزاق..)، (1).
إن أي فقرة لدى حسن حنفي تعطينا طريقة التفكير، حيث يجري الدخول إلى عصر ما واقتطاع فكرة أو عبارة، ثم رؤيتها بطريقةٍ ذاتية، أي من خلال وعي الكاتب المنفصل عن البنية الاجتماعية، ثم الحكم عليها عبر ذلك الشعور، ومن ثم الانطلاق بها إلى عصر آخر مغايرٍ وذي حيثيات مختلفة، وإسقاط المعنى المستلِ على العصر الجديد المختلف.
فطريقة المؤلفين العرب والمسلمين في الثناء على الله وحمد رسوله والسلف الصالح الخ.. ذات نسق مرتبط بعصر تكرست فيه مثل هذه اللغة والمعاني الدينية التي هي مقدمة لأي بحث، سواء لدى جماعة أهل الحكم أو جماعة المعارضة لأهل الحكم، وهذه الطريقة التأليفية قام المؤلفون العرب والمسلمون بتجاوزها في زمن النهضة بدءً من القرن التاسع عشر لكن حسن حنفي يعيدنا إليها، موجعاً القارئ بالهجوم على طريقةٍ غدت في ذمة التاريخ، لكن الكتاب ليس بحثاً في طرق تأليف الكتب ومقدماتها ولا يعتبر طرق التأليف كبؤرة لمؤلفه بل هو يريد أن يناقش التراث والعصر.
ولهذا نجد الفقرة تقفز من نقد طريقة المؤلفين القدامى ولا تقوم بدرس أسباب هذا الإنشاء إلى أن تعمم قائلة إن هذه الطريقة هي باب للكثير من المشكلات، (وإن كثيراً من معاني عصرنا لهو انتظار الكرم والجود).
فهو يقفز من قضية طرق التأليف القديمة قبل عشرة قرون إلى الزمن الحالي مصوراً بأن طريقة المؤلفين القدامى في الثناء على الله هي من أسباب النفاق المعاصر!
إنه استلالٌ لعنصر تراثي من بين شبكته الواسعة وتعليقه في فضاء لا تاريخي مجرد، ثم سحبه إلى بُنى اجتماعية أخرى لها سيرورات مختلفة وقوانين متغيرة، عبر شحنٍ عاطفي وتدفق لغوي.
إن المؤلفين القدامى حين يحمدون الله على طريقتهم فلا يعني هذا بأنها طريقة لتكريس السلبي ومدح السلاطين، فهي طريقة تقليدية يقوم بها المنتمي للسلطة والمعارض لها، وهي جزءٌ من بناءٍ ديني ثقافي خاص بالعصر السابق، لكن طريقة المؤلف تقوم على الاستفزاز والنفخ العاطفي والاستعراض.
وثمة جمل في هذه المقدمة التي تقدم المشروع الفكري لحسن حنفي تنسف المشروع كله مثل هذه العبارة:
(كانت تجارب القدماء في أغلبها صوفية وفي أقلها علمية نظرية، وبالتالي خلت من أي مضمون اجتماعي، وكيف يهتز العالم كله من مجرد تجربة ذوقية شخصية تعتلجُ في صدر صاحبها، ويموج بها قلبه، ويهتز لها وجدانه؟.. (..) انما تجاربنا نحن فهي اجتماعية بالأصالة، تجارب ذات مضمون، وضعناها في التراث..)، (2).
تعطينا هذه العبارة تعميماً عن الصوفية والنتاج الثقافي بنسبة غير دقيقة، ثم أن وجود نتاج بلا مضمون اجتماعي، هو كلام غير علمي. ثم يقوم بسحب الصوفية إلى عصرنا ويجري التدفق اللغوي العاطفي والمليء بالاستطرادات التي تحاول النفخ في تلك الفكرة.
إن العبارة هنا تكرس تناقضات مطلقة غير جدلية: صوفية بلا مضمون، صوفية معاصرة ذات مضمون، فكر غير اجتماعي، فكر اجتماعي.
سوف نجد إن هذه الطريقة التعبيرية – الفكرية هي منهج المؤلف، فهو وعي يعيش التضادات المطلقة ولا يستطيع أن يجمع بينها ويدرسها بشكل جدلي.
وهذه العبارة من جهةٍ أخرى تعبر عن المضمون العام لإنتاج حسن حنفي وهو صنع مضمون (تقدمي) لتراث بلا هذا المضمون، وهذه التقدمية تنسف نفسها بسبب أنها غير قادرة على قراءة التراث داخل بُناه الاجتماعية وأنه جزء من منظومة لها قوانينها.
يقوم بعد ذلك بدرس التراث الإسلامي بمناقشة مصطلحاتها كمصطلح (علم الكلام). لنأخذ عبارة من حديثه عن نشأة علم الكلام هذا:
(أما السؤال الذي من أجله تطايرت الرقاب وقضى على الحريات، وقاسى المفكرون بسببه أشنع أنواع الاضطهاد وهو: هل الكلام قديم أم محدث؟ فإنه ينطبق على سائر الصفات)، (كما وصل الخلاف إلى حد القتال وشق الأمة إلى فرق متنازعة متحاربة في موضوع الإمامة، آخر موضوع في السمعيات)، (3).
يقومُ المؤلفُ هنا بالقفز على نمو علم الكلام، حيث استغرق الأمر في ذلك قرناً كاملاً نمت هذه المسألةُ من بذورٍ صغيرة حتى غدت بؤرةً للصراع الفكري والسياسي، ففي البداية لم يكن هناك شق(للأمة)، ثم مع تفاقم الصراع الاجتماعي فإن الطبقات والأمم الإسلامية راحت تعبرُ عن نفسها من خلال المقولات الدينية المختلفة، وهنا نجدُ في طريقة حسن حنفي عدم القدرة على بحث المسألة بتأنٍ ورؤيتها وهي تتداخل مع العناصر الأخرى، فهو سرعان ما يقفز إلى النتائج بدون تحليل بنيوي.
أي أنه لا يقوم بتتبع المسائل النظرية وهي تتشكلُ في بناها الاجتماعية، فنجد تعبير (وصل الخلاف إلى حد القتال وشق الأمة) وهي تعبيرات تختزل التاريخ المعقد الطويل وتجوهر الأمم الإسلامية في تعبير (الأمة) وكأن الصراعات لم تبدأ منذ البداية وذات مخاض اجتماعي قبلي – قومي – طبقي، ولكن هذا لا يحدث في بناء حسن حنفي لأنه لم يقم بوضع مقدمات لمثل هذا الدرس، فهو يقفز فوراً إلى علم الكلام، ثم إلى صراعات الأمة المقدسة بلا تمهيد تاريخي وبلا درس اجتماعي.
يقدم لنا حسن حنفي بعد ذلك النتائج التالية عن علم كلام:
(الكلام الأول (كلام الله) لا يمكن معرفته معرفة مباشرة إلا من خلال الكلام الثاني (القرآن).
(وفي هذه الحالة يمكن للكلام باعتباره الوحي الموجود أمامنا..). (يمكن لهذا الكلام أن يكون موضوعاً للعلم بل لعدة علوم..)، (4).
إن المؤلف هنا يدخلنا في علم الكلام وهو مقطوع الجذور، ثم يستنتج بأنه خلاف حول علم الله والقرآن وأن الأول لا نعرفه والثاني هو تجسيد للأول، وكل هذا اقتطاع لسيرورة التاريخ أي لعمليات درس المصطلحات: الله، الإله الواحد، اللغة الإلهية وتاريخها، القرآن، الفرق، تأويلات القرآن عند الفرق الخ..
إن مسألة علم الكلام تــُطرح وهي مقطوعة السياقات، ولا يتم بحثها كتطورٍ فكري طويل متداخل مع الصراعات الاجتماعية بل كجوهر نصوصي بلا سياق تاريخي، وإذا جرت الإشارة للخارج فهي إشارة طيفية، فالداخل أو المبنى الفكري، أي علم الكلام هنا، يجري تطوره من داخله وليس باعتباره جزءً من كل هو البنية الاجتماعية التي ينمو داخلها.
ثم يستنتج علوماً ينبغي أن تدرس علم الكلام ومنها علم السياسة:
(ويمكن لعلم السياسة البحث عن نشأة علم الكلام في ظروف سياسية خاصة، واستعمال الوحي لإفراز أما تراث السلطة أو تراث للمعارضة كما هو واضح في أدبيات الفرق، ومدى استمرار ذلك حتى الآن في علاقة السلطة بالمعارضة واعتماد كل منهما، خاصة السلطة على الموروث العقائدي القديم)، ص 60.
ونستغرب لماذا لم يقم الباحث بقراءة ذلك وهو موجود حتى في المراجع الفكرية المعاصرة ككتب أحمد أمين وحسين مروة ومحمود إسماعيل وبالتالي أن يقوم بالدرس السياسي لعلم الكلام؟
فمثل هذا الدرس سيجعله يقرأُ علمَ الكلام بصورة عميقة كلية وليس بطريقة تفتيتية تزيح دلالاته العامة، ولهذا فهو يعتذر للقارئ عن عدم قيامه بهذا الدرس الاجتماعي والسياسي فيقول في الهامش (تقـتصر مهمة التراث والتجديد على وضع (علم الكلام) داخل (تاريخ الأفكار). أما وضع (تاريخ الأفكار) في (التاريخ الاجتماعي) وتطبيق كل نتائج ونظريات ومناهج (علم اجتماع المعرفة) فتلك مهمة مجموعة من الباحثين تضم المفكرين وعلماء الاجتماع معاً، وينؤُ بها باحثٌ واحد. فهذا ميدان للبحث وليس موضوعاً للبحث، وقد بدأ كثيرون في المساهمة في ذلك فيه مثل د. محمود إسماعيل (سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، جزءان..)، ص 61. (سوسيولوجيا الفكر الإسلام من أربعة أجزاء، ملاحظة مني ع. خ).
والواقع إن الحجة هنا شكلية فهذا المؤلف الضخم الذي يدخل تفاصيل علم الكلام والفلسفة والمذاهب المختلفة كيف يعجز عن رؤية الأبعاد الاجتماعية التي يتشكلُ داخلها علمُ الكلام وغيره؟!
إن المسألةَ إذن ليست مهمةً ينؤ عنها باحثٌ بمفرده بل مسألة منهج، ولكن المؤلف يعرض ذلك السبب العرضي لأنه سيستفيد في بعض الفقرات من المنهج الاجتماعي في قراءة التراث، ولكن بشكلٍ وامض وبلا قيمة فكرية.
إن استخدام هذا المنهج بشكل عرضي والإيمان الغائر به داخلياً وغير المتبلور نظرياً هو صلب الإشكاليات الكبرى التي يعاني منها المبنى الفكري لحسن حنفي.
إذن هناك منهج آخر لم يصرح به المؤلف وعلينا أن نقرأ هذه المبنى وكيف تجسد في حيثيات الدراسة المختلفة.
ولنلاحظ كلمة (الوحي) في العبارات السابقة فهي مفتاح فهم هذا العالم، فالوحي وصورة الإله التي تخلقه هما شيئان تجريديان مضيئان متجوهران في هذا النقاء الغيبي، وهما منطلقا المشروع وأساسه لكن الباحث لا يقول لنا لماذا هذا النقاء التجريدي والتجوهر؟
أي أن حسن حنفي لا يقول لنا بأن هذا العنصر المثالي، أي الفكري التجريدي هو الذي يخلق المادة، فهو لا يوضح مصدر فلسفته وانتماءها وهل هي مادية أم مثالية؟ لكن طريقة الطرح المتوارية التي تأتي في فيض لغوي هي جزء من المنهج الحربائي الذي يستخدمه كذلك.
وإذا كان العنصران التجريدان النقيان المضيئان يخلقان العالم، وهو هنا الإسلام، فلماذا يدخل التناقض في العالم المخلوق من مصدر لا تناقضي؟ أي كيف يخلق ما هو نقي ما هو ملوث؟ وكيف يصدر الشر عن الخير والمظلم عن المضيء؟
وبطبيعة الحال في عالم حسن حنفي لا تــُطرح مثل هذه الأسئلة، بل هي تنبث مقطعة مفتتة، في ثنايا ذلك الفيض اللغوي – الفكري – الاجتماعي – القديم – المعاصر.
ولكن بما أن الوحي يخلقُ العالمَ فهو يتجسد في نص هو القرآن، وحسن حنفي يقطعُ هنا بين سيرورة التشكل بين الاثنين: الوحي والقرآن، كما يقطع بين الإله والوحي، ولهذا نجد أنفسنا عابرين الهوة التجريدية بين الوحي والواقع، بين عالم الضياء وعالم الفساد، بين عالم النقاء المتجوهر وعالم الحس والحركة والنقص.
تنقلب العلاقةُ بين الفكرة والواقع هنا، فبدلاً أن يكون الواقعُ هو الذي أنتج النص، نجد أنفسنا أمام النص الذي أنتج الواقع، ولكن التناقض يتفجر هنا، لأن النص المضيء يخلق واقعاً غير مضيء، والكامل يخلق الناقص، وهذه التناقضات الجوهرية الماهوية التي لم تـُحل في بداية البحث سوف تتواصلُ وتتراكب في القادم، فما بُنى على منهج ميتافيزيقي غيبي في السابق سوف يواصل عرض تناقضاته في اللاحق.
ولهذا فإن قراءة النص داخل تطور الواقع ليست مهمة باحث واحد، كما يقول حسن حنفي متأسفاً على عدم قيامه بمثل هذه القراءة، بل المسألة تعود لمنهج مثالي غير قادر على ذلك!
فالعالم المادي، أو تشكل التاريخ الإسلامي والعالمي، سيغدو إذن من صنع الوحي، أي هو مخلوق من عنصر لا مادي، لكن هذا التشكل لا ينتقل إلينا بصورة تقليدية، بل بطريقة غير تقليدية، ورفض كتابة المقدمات في الكتب القديمة هو بداية هذه الطريقة غير التقليدية في صناعة عالٍم ديني إسلامي بذات الرؤى المثالية لدى القدماء.
ومن هنا فحسن حنفي لا يقدم الطريقة التطورية الفكرية – الاجتماعية لقراءة النص والتاريخ الديني، بل يهجمُ مرةً واحدة على النصوص، وقد صارت بلا جذور، وبلا لوحة تاريخية واجتماعية تضعُ الأساسَ لها.
وهي طريقة بحثية متطابقة مع الرؤية المثالية المفارقة، فلو قام بذلك لكشف الأساس المادي للفكر الديني، ولكنه لا يريد أن يقوم بذلك.
هذه المنهجية تتيحُ جوهرةَ الوحي ومساراته التالية، أي جعلَ الوعيَّ الإسلامي متجوهراً في (ذات مطلقة) خارج التاريخ عملياً.
وسيكون كلُ اللاحق متشكلاً بهذه الرؤية المتجوهرة، فالتاريخُ الإسلامي هنا وقد خرجَ من البنية الاجتماعية التي تشكلَّ فيها، لن يكون نتاج الصراع الطبقي، وبالتالي فإننا لن نفهمَ المنتجاتِ الفكريةَ المختلفة التي تشكلتْ في مجرى هذا الصراع الطبقي.
هنا سيحاول حسن حنفي أن يقدم مصادر لهذا التجوهر، أي كيف يتشكلُ الدينُ وما هو مصدر فكرة الإله، وفكرة الوحي، لكن باعتبارها خارج البنية الاجتماعية، وكمطلقات وكتجريدات خارج التاريخ.
سوف يعتمد في ذلك على المصادر الفكرية الأوربية خاصة الألمانية والفرنسية، في زمنية خاصة، هي زمنية الوعي البرجوازي قبيل انفكاكه من هيمنة الإقطاع، أي وهو في محالةِ مخاضٍ لم يكون بنيةً فكرية مستقلة، أي توظيف أفكار فورباخ وبرجسون خاصة، والمنهج الظاهراتي لدى هوسرل.
عناصر فورباخية
يقول حسن حنفي وهو يعرض أفكار فورباخ عن الإله باعتبارها أفكاره هو نفسه:
(ليس أمام الإنسان إذن، إذا ما أراد الحديث عن (ذات) الله إلا التشبيه والقياس، التشبيه بنفسه والقياس على العالم، وإثبات أوصاف الإنسان الإيجابية كصفات ثبوتية لله، ونفي أوصاف الإنسان السلبية كصفاتٍ سلوبية عن الله. وبالتالي يكونُ كلُ حديثٍ عن الإنسان. يتوهمُ الإنسان إنه يتحدثُ عن الله في حين إنه يتحدثُ عن نفسه.)، (5).
وفي الهامش يدعونا حسن حنفي لقراءة بحثه (الاغتراب الديني عند فورباخ) مؤكداً منبع أفكاره.
وهكذا فإن مصدرَ المنتجات الدينية عبر هذه العبارة هو من الإنسان نفسه، فليس ثمة هنا غيبٌ منتجٌ لهذه المصنفات، لكنه الإنسان، ولكن هنا يغدو الإنسان كائناً تجريدياً، فهو يخلقُ هذه التشكلات الدينية عبر فضاء لا تاريخي، فتتحول هذه التشكلاتُ الدينية إلى كائنات تجريدية مطلقة كذلك.
وعمليات إضفاء الجوانب الإيجابية من داخل الإنسان على الإله الذي يتصوره، ونفي الصفات السلبية عن نفسه، هي كلها عملياتٌ تجريديةٌ غيرُ تاريخية. أي أن حسن حنفي يستوردُ الُمنتجَ الفورباخي ليفسر به الأزقةَ المسدودةَ في منهجه، فهذا الاستيراد لا يفسرُ السيرورةَ الخاصةَ لتشكلِ صور الإلهة في المشرق في الوعي، لا من حيث الأنساق ولا من حيث الدلالات، (6).
وهذا بالتالي يطرح إشكالية منهج حسن حنفي في الانقطاع عن دراسة السيرورة التاريخية لفهم فكرة الإله، كما جرت في المنطقة العربية.
ومن جهة أخرى هذا يتسقُ مع تجوهر المفردات الدينية لديه، وهي الوحي، وصورة الإله، اللتان كما رأينا غدتا مجردتين منذ البداية، ولكنه أضاف هنا تجريدية مطلقة جديدة هي: الإنسان.
فجعلَ هذه المجردةَ المطلقة تفسر المجردتين السابقـتين، وهذه الطريقة تغدو أنسنة مجردة، أي أنه يعيد مصدر المنتجات الدينية إلى الأرض، والإنسان، ولكن في عالمٍ مجرد، أي أنه يواصلُ جوهرةَ الوعي الإسلامي وجعله مطلقاً، غير معبرٍ عن صراعٍ طبقي.
إن العنصرَ الفورباخي المستوردَ هنا يقومُ بقطعِ توجهِ حسن حنفي لقراءة تطور البنية الاجتماعية، من أجل استكمال فكرته الإيديولوجية التي ستنمو كما سنرى. فهو يعطيهِ وسيلةً لاستمرار التجريد ولتشكيلِ الماهيةِ المتجوهرةِ للوعي الإسلامي النقي.
عنصر برجسوني
يعرضُ حسن حنفي عنصراً آخر استيرادياً هو عنصر من برغسون، فيقول:
(الله إذن ليس موضوعاً للمعرفةِ أو للتصور أو للإدراك أو للتصديق أو للتعبير بل هو باعثٌ على السلوك، ودافع للممارسة، وقصد للاتجاه، وغاية للتحقيق. الله طاقةٌ حالةٌ في الإنسان من أجل أن يحيا ويسلك ويعمل، ويحس ويشعر ويتخيل وينفعل أيضاً. الله طاقة حيوية يحولها الإنسان إلى فعل)، (7).
علينا هنا أولاً أن نرى التناقضات بين المصدرين الفورباخي والبرغسوني، ففكرةُ فورباخ عن كونِ الأفكارِ الدينية هي منتجاتٌ إنسانية اغترابية تــُنسف هنا، وتغدو الأفكار الدينية نتاجٌ خارجيٌ غيبٌي صوفيٌ، أي تغدو هنا هي أساسُ الاغترابِ غيرِ الُمدرَّكِ وغير المعروف.
إن لحظةَ فورباخ حيث يقومُ هذا الفيلسوفُ بدحضِ الهيغليةِ الدينية الاغترابية بإعادةِ فكرةِ (المطلق) إلى الإنسانِ في تاريخٍ تجريديٍّ، هي غيرُ لحظةِ برغسون الفرنسي المحافظ، الذي يقاومُ الفكرَ المادي الفرنسي، نافخاً في فكرةِ (الطاقة الحيوية) القادمةِ من الغيب والتي لا تتشكلُ في قوانين موضوعية ولا في بُنى اجتماعية!
لكن المنهجيةَ التي يشكلها حسن حنفي جامعاً بين النقائض ومخترقاً الحواجز التاريخية والجمركية السياسية والروحية، تتشكلُ من غائيةٍ إيديولوجية مضطربةٍ، بعدم الرجوع إلى قانونيةِ التشكلِ الموضوعي للمنتجاتِ الدينية، سواءً كانت فورباخيةً ألمانية تنويريةً بروتستانتية مقاومةً للإقطاع، أم برغسونية كاثوليكية مكرسةً لها، أم برجماتيةً أمريكية نفعيةً، فالوعي العملي التوظيفي للأفكار المُنتزَّعةِ من سياقاتها، يتوجهُ إلى سدِ الثغرات في ثقوبِ ثيابه الإيديولوجية بالرقع المناسبة.
فهو إذ يعيدُ الدينَ إلى منتجهِ الإنسان يستعينُ بفورباخ، وإذ يعيدهُ مرةً أخرى إلى السماء يستعينُ ببرغسون، ويحوله إلى طاقةٍ حيوية مجردةٍ ضائعةِ الملامح الطبقية مرةً أخرى ليشكلَ مشروعَهُ المتجوهرَ حول الذاتِ الدينية غير المتكونةِ داخلَ سيرورةِ البنى الاجتماعيةِ وقوانينها.
فالهيكلُ الإيديولوجي السياسي العائدُ للباحثِ يقومُ بتوظيفِ مختلفِ العناصر لذاته، غير مراعٍ للخصائص المتضادةِ للعناصر التي يركبها حول نفسه.
وبطبيعةِ الحال فالمصادرُ تختلفُ من حيثِ نموها في المشروع، فالعنصر البرغسوني يغدو مجردَ دافعٍ عام، تتمظهرُ فيه عمليةُ تدفقِ اللغة، أي أن العنصرَ الحيوي التجريدي الصوفي البرغسوني يغدو لدى حسن حنفي طاقةً عاطفيةً ضخمةً تنهالُ فيها الجملُ والأفكار بسيلٍ جارف. لكن نحو الواقع ونحو رؤية التجسيدات الإسلامية المختلفة.
في حين يلعبُ المصدرُ الفورباخي عملياتٍ كثيرةً في المشروع برفضِ التجريدات الدينية الغيبية فتجري أنسنتها في الكثيرِ من المجالات. فعملياتُ الاغترابِ يجري دحضها في الرموزِ الدينية المختلفة، ولهذا حين يتوجهُ إلى فصلِ أي عنصرٍ ديني مفارقٍ لا يقرأهُ في بنيتهِ الاجتماعية وسيرورتها بل يدحضهُ من خلالِ الأنسنةِ العامة، أي عبر منهج فورباخ، مع أدلجة سياسية مباشرة تأتي في خاتمة الفقرة عادةً تحضُ على النضال المباشر بذلك الوعي المتجوهر المطلق، ولكنه الآن فقدَ انفصالَهُ عن العمل لكن لن يُــكشف محتواه الطبقي.
وإذا كانت هذه المصادرُ تلعبُ دوراً في تشكيل المنهج فلا بد أن الظاهراتية والبنيوية النصوصية تكملان المنهجية، فقراءة الظاهر والنص المحدد، تتداخلان و تكتملان.
فالوعي الديني يغدو ظاهراتيةً مباشرةً تــُرصدُ بمباشرتها فيتمُ الوصول إلى أنساقٍ في نصوصها، المقطوعة الجذور عن الصراع الاجتماعي، فعلمُ الكلام الإسلامي مثلاً يُؤخذ بكتبه وموضوعاته، بأسمائها وفصولها وتطور هذه الموضوعات عبر الزمن ولماذا ازدادت الإلهيات على الطبيعيات أو كيف نمت الموضوعات السماعية الخ…
يقول في إحدى خلاصاته عن علم الكلام:
(علم الكلام إذن هو تاريخ الأهواء والأغراض والمصالح أكثر منه تاريخاً للعقل، ثم ورث الهوى العداوة والبغضاء في النفوس وضاعت وحدة العقل في تكثر الأهواء، وتلاشت وحدة الوحي في تضارب الرغبات والمصالح). (قضى علم الكلام على بساطة الوحي ووضوحه)، (8).
على الرغم من الدخولِ الوثيقِ البالغ التفاصيل والجهدِ في كتبِ علم الكلام فإن حسن حنفي يأخذهُ كنصوصٍ ذاتِ موضوعات، وليس كتاريخٍ من الصراعِ الفكري الاجتماعي المتداخل.
وخلافاً لما يقول ليس ثمة عقلٌ مجردٌ في هذا التاريخ، بل هنا نجدُ العقولَ الدينيةَ في صراعاتها المختلفة، فقد أسس علمُ الكلام دوراً تحضيرياً تمهيدياً للفلسفة الدينية، وعبَّر عن نضال الفئات الوسطى في تشكيلِ سببية دينية للحرية الفردية، وبهذا فإن علمَ الكلام الاعتزالي هو مشكلٌ لهذه النضالية المحدودة، وعلم الكلام الأشعري هو هادمها ورابط تلك الفئات الوسطى بالنظام الإقطاعي المذهبي المسيطر.
وهكذا فإن العقلَ الديني المنقسمَ ليس مقسوماً بشكلٍ تجريدي بل هو مقسومٌ لأسباب اجتماعية صراعية، أي متشكل في تيارين رئيسين، يعبران عن منحيي النضال ثم التبعية في هذه الفئات الوسطى وتاريخيتها الخاصة في المنظومة وبسببِ سيرورةٍ خاصة للمنظومةِ الاجتماعية التاريخية غير القادرة على تجاوز تناقضاتها، فنمو وسيطرة الأشعرية ليس هو لأسبابٍ تجريدية، بل هو لأسبابٍ طبقية وفكرية متداخلة.
إذن هو تاريخٌ للعقل، ولكن في سيرورتهِ الدينية، في زمنيةِ الإقطاع، وثمة عناصر مقاومة وثمة عناصر استسلام، ثمة عناصر كفاح للإرادة تنتمي لتلك الفئات لم تصل أن تربط نفسها بالجمهور العريض لأسباب عميقة وخطيرة، هي النظام الاجتماعي غير المدروس عند حسن حنفي، وحتى العناصر السلبية فيها كذلك جوانب معينة إيجابية، هي إطلاق الجدل والبحث في النصوص الدينية ونقدها ومحاولات اكتشافها، ثم يأتي انهيارُ علمِ الكلام تعبيراً عن زوال ذلك البصيص من الاستقلال لدى الأشعرية ولدى تلك الفئات الوسطى الذائبة، أي حين تظهر الدروشةُ وأفكارُ ابن تيمية، أي أن هذه العملية تـُدرس في بنيتها الاجتماعية الإقطاعية التي عجزت عن إنتاج ثورة علمية – صناعية.
أننا نحن عند حسن حنفي لم نعرف تطور علم الكلام في السياق الفكري، ولكن ذلك جزءٌ من منهجِ حسن حنفي وهو منهجُ القفز على تشكل الوعي في داخل البنية الاجتماعية للوصول إلى نتائج سياسية معينة راهنة.
التراثُ خارجُ البنى التاريخية
يقومُ فكر حسن حنفي على الملموسية الشديدة التي تغرقُ في التفاصيل وغير القادرة على الوصول إلى تعميمات نظرية جوهرية، فكيف يحدد رأيه في منظومة التراث عامة عامةً؟
يقولُ في محاضرةٍ له:
(ليست قضية التراث إذن دفاعاً عن الماضي، تعويضاً عن مآسي الحاضر وهروباً من أزماته بل هو دخول في معارك الحاضر. فالتراث ما زال حياً في قلوب الناس (…) بل أنه أكثر حضوراً من الحاضر نفسه لأنه حضور معنوي وفعلي. ذهني ومادي، عقلي وحسي، البداية ليست مثالية بل عين الواقعية، فالتراث واقع وليس مثالاً، وإن إزاحته بدعوى الواقعية أو المادية الجدلية هو إزاحة للواقع نفسه، وتخلٍ عن النظرة العلمية.)، (9).
إنها ذاتُ اللغةِ العاطفيةِ الحماسية التي تتجاوزُ قانونيةَ البنى، فالتراثُ يخترقُ البنى الاجتماعيةَ والتشكيلات، لكنه لا يتكونُ بنفسِ أبعاده ومضامينه، فهو لم يأت إلينا في زخم نضالية الفئات الوسطى، بل قد جاء إلينا وهو معجونٌ بسيطرةِ القوى الإقطاعيةِ المذهبية المختلفة، فإزاحةُ مثل هذه الجوانب ضرورةٌ، ولكن كلمة (إزاحته) التي استخدمها الباحث حسن حنفي في المحاضرة السابقة الذكر تقودُ إلى التعميم والمصادرة، فلا يوجد أحد قادر على إزاحة تراث بمجمله، ولكن العملية هي نضالٌ ضد الجوانب المحافظة فيه، أي هو استكمالٌ لنضال القوى المستنيرة في الماضي، ولكن بمستويات وأدوات جديدة، حيث لا نستطيع أن نكررَ ما وقعت فيه تلك القوى من أخطاء، مستفيدين من اللحظة الجديدة في تطور الإنسانية.
إن هذا النضال يخضع للتشكيلة التحديثية العالمية السائدة في التاريخ المعاصر وهي التشكيلة الرأسمالية وبنقيضها الكامن (الاشتراكية)، ومراوحة حسن حنفي داخل التشكيلة الإقطاعية المذهبية (العربية الإسلامية الراهنة) المبطن، يتمظهرُ في عدم فهمه لهذه السيرورة.
ومن هنا فسماتُ الحداثةِ المعاصرة التي تناضل لتجذيرها القوى الديمقراطية العربية المختلفة، وهي سمات العلمانية والديمقراطية والعقلانية، هي لتفكيكٌ تلك العناصر المحافظة، في السلطة السائدة والوعي والمجتمع والأسرة.
وحسن حنفي يتوصل إلى وجود جدلية الصراع بين السلطة والمعارضة في التاريخ الإسلامي لكنه لا يتوصل إلى وجود وحدة فكرية بين الجانبين، هي وحدة المنظومة، التي لم يستطع الوصول لفهمها.
يقول مثلاً عن الحلاج (وتصوف الحلاج العملي الذي يأخذ صف الفقراء والمضطهدين كما فعل الإسلام أول مرة أفضل من التصوف الانعزالي الذي يفرق في الوحدة والعالم مشتت مجزأ والمجتمع متقطع الأوصال)، (10).
إن النظرةَ البرجماتيةَ النفعيةَ لا تصلح لتحليل ظاهرة معقدة كظاهرة التصوف، فليست المسألةُ فقط بأنه تصوف يأخذ صف الفقراء، بل لا بد من وضع التصوف في سياقه التاريخي وبناه الفكرية الداخلية ورؤية الارتباط والتضادات بينهما، في سيرورة النظام الاجتماعي التاريخي، وإما انتزاعُ عنصرٍ معينٍ وتجريده فهو ليس تحليلاً، فقد كان للتصوف وحدة فكرية مع الوعي الديني المحافظ عموماً، أي كان يقومُ هو كذلك على الشمولية الدينية والاغتراب والتعبير عن القوى العليا المسيطرة (11).
ومن هنا فالتوجه العام النظري لحسن حنفي يقوم على (اللاهوت):
(فلاهوت الثورة، ولا هوت التحرير، ولاهوت التنمية، ولاهوت التقدم أحد أشكال اللاهوت لا يقل شرعيةً عن نظرية الذات والصفات والأفعال عند الأشاعرة وعن أصلي التوحيد والعدل عند المعتزلة وفقه الوجود الذي يقومُ على تحليل التجارب الحية ويدافع عن المصالح العامة)، (12).
وبعدم درسِ حسن حنفي التراث في بنيتهِ الاجتماعية، وتقطيعهِ عن الصراعات الطبقية التي دارت في تشكيلهِ، يقومُ بعمليةِ استبدالِ ما هو محافظ بما هو (تقدمي، والتقدمي خاضعٌ هنا لتقلباته السياسية) فبداية لماذا اللاهوت؟ ثم كيف يشكل حسن هذا اللاهوت؟
إن الوعي الديني الإسلامي له سياقاته الماضوية الخاصة، وحسن حنفي لا يريد استعادة كل الماضي بل استعادة هياكله، وإنتاج لاهوت جديد وسكب مواد معاصرة في الوعاء القديم، لكن النضال المعاصر يستهدف تبديل الوعاء بكامله وليس تغيير بعض المواد القديمة فيه.
أي أن المسألة ليس في إعادة إنتاج التشكيلة الإقطاعية – الدينية بل في تجاوزها، وباء التشكيلة الرأسمالية الحديثة، بكل قسماتها السابقة الذكر، وهذه العملية من البناء هي صراع كذلك مع العناصر المحافظة من التشكيلة التقليدية وتجاوزها.
فالصراع ضد الأشعرية يترابط مع الصراع ضد اليمين الديني والفقه التقليدي المعاصر في سياق ديمقراطي علماني، أي في سياق الحفاظ على الجذور الإسلامية للأمم الإسلامية وكذلك تفكيك سيطرة الإقطاع والشمولية على الدولة والدين.
أي أن المسألة ليست خلق لاهوت جديد بل تفكيك سيطرة اللاهوت على الحكم والمجتمع والوعي.
والثورة هنا هي ثورة التحديث بفصل اللاهوت عن الحكم وتحرير الإسلام والمسلمين من حكم الإقطاع ومن سيطرة المذاهب المحافظة على الدول بتكون دول لادينية.
المعسكرات السياسية المعاصرة
في كتيبه (دعوةٌ للحوار) السابق الذكر، يؤكد حسن حنفي على كون أحزاب اليسار في العالم العربي الإسلامي، وفي مصر تحديداً هي الأكثر تعبيراً عن الإسلام والمعاصرة، وذلك في مقالته (حوار الوحدة الوطنية). يقول رفضاً للجماعات الدينية التي يصنفها في الفريق الأول في حين الفريق الثاني هم جماعات التحديث المختلفة: الليبرالية، والناصرية، والماركسية، فينتقد الفريق الأول بالقول:
(تتحقق الوحدة الوطنية إذن بأن يتخلى الفريق الأول عن اللغة الدينية التاريخية القديمة التي ورثناها من تاريخنا القديم والتي تطلبتها ظروف العصر القديمة، وبأن يتبنى (لغة العصر الحديث والألفاظ) التي تثير وجدان الشباب مثل الحرية، والعدالة الاجتماعية، والتقدم، والثورة، والتغير، والتنمية، والاستقلال الخ)، (13).
كما ينتقد ما يسميه بالمنهج النازل:
(إذ يستعمل الفريق الإسلامي ما يمكن تسميته بالمنهج النازل. وهو المنهج الذي يبدأ من النص إلى الواقعة. وهو ما عُرف بطريقة (قال الله) و(قال الرسول)، ولكن عيوب هذا المنهج هو أنه يبدأ من خارج الوقع أي لا يتعرض لمشكلة واقعية تحدث في حياتنا)، (14). ص 9.
أما مناهج الليبراليين والديمقراطيين فهي المنهج الصاعد فإنها على العكس:
(وهو المنهج الذي يبدأ من الواقع وبالمصلحة العامة ثم يختار النصوص طبقاً لها).
ويزداد منهج حسن حنفي هجوماً على الدينيين فيقول كذلك:
(وكثيراً ما يتم الدفع عن الله بمزايدةٍ في الإيمان. يظنُ المدافعُ أنها تعطيه تفوقاً على الآخر منذ البداية. وكثيراً ما تخفي أما ضعفاً في الإيمان أو نقصاً في العلم أو أخذاً بأسهل طرق الحديث.)، (15). ص 11.
أما تركيز الفريق الأول على جوانب العلاقة بين الرجل والمرأة، فهو في رأيه تعبير عن (الكبت الذي يتحول على إشباع بمجرد الحديث عنه والتفكير فيه حتى ولو بطريق الرفض وبأحكام التحريم. ويصاحب ذلك تحريم الخمر والقمار والاختلاط. وهكذا يركز الفريق الأول همه كله في موضوع الجنس بوجه خاص. وفي المحرمات بوجه عام (…) وهو حيلة العاجز المحروم الذي لا يرى أبعد من أنفه ويحقق إشباعه بالوهم والتبني)، (16). ص19.
هذه الانتقادات والتقدير الذي يعرضه حسن حنفي للتيارات العلمانية المختلفة لا تعني بأنه يشكل اليسار الإسلامي، كما يحب أن يقول، لأن مسألة الانتماء للتوجهات الحديثة لا تدخل في مثل هذا السياق الأخلاقي، لأن الفكر الديمقراطي الحديث لا يقول للدينيين تخلوا عن رؤاكم الأخلاقية وتوجهاتكم الدينية، المحافظة، بل المسألة مختلفة عن ذلك، أنها تتعلق بتشكيل دولة لا دينية، وفصل الدين عن السياسة، وجعل الدينيين يتحولون إلى تيارات سياسية معبرة عن الطبقات الحديثة، سواء انضموا للبرجوازية أو صاروا ضمن العمال أو غيرهم!
أي أن كل جماعة دينية تعتبر نفسها دولة، رافضةً أن تتحول إلى تيارات سياسية اجتماعية متعددة، وهذا يعني هدم كل دولة، ومن هنا يتم رفض (الجماعة الدينية) باعتبارها مضادة لتطور أي دولة، ولكن حين تتحول الجماعة الدينية إلى تيارات اجتماعية معبرة عن الفئات والطبقات، بضرورة تخليها عن الزعم بتمثيل (الإسلام) أو تمثل (الطائفة) أي أن تكون معبرة عن إقطاع سياسي حكومي مضمر هادم للدولة الوطنية المشتركة.
ولهذا يجري الصراع معهم وتفكيك هيمنتهم على المذهبية السياسية والحكومية، وتشكيلهم في تيارات حديثة ديمقراطية تنتمي لطبقاتها الحقيقية، ضمن الصراع السياسي الاجتماعي داخل كل بنية سياسية عربية إسلامية في زمنيتها الخاصة، وفي تطورها التاريخي.
إن المسألة ليست في استخدامهم ألفاظاً ووضعها بدلاً من ألفاظ قديمة، بل هي في رفض استخدامهم للإسلام والمتاجرة السياسية والاقتصادية به، سواءً كان ذلك داخل الدولة عبر الإقطاع السياسي الحاكم أو في الإقطاع المذهبي المهيمن على الجماعات والوعي السياسي والاجتماعي!
أي أن تشكيل ثورة ديمقراطية يستلزم فصل اللاهوت عن السياسة، وليس تكريسه في التنمية والتحرير.
ولهذا يجري الصراع في مستويات الفقه والأسرة والوعي والثقافة والاقتصاد لإبراز العناصر الديمقراطية فيها.
لكن حسن حنفي لا يستطيع أن يتقبل مسألة التشكيلة، فقد قامت دراساته بالخلو منها. إنها ذات المنهجية التي رأيناها، المنهجية الرجراجة التي ترفض كشف القوانين العامة للتشكيلة، والقوانين الخاصة لكل ظاهرة فكرية اجتماعية، وهنا يجري ذلك في ميدان النضال المعاصر
حول تيارات الحداثة العربية الإسلامية
يعتمد فكر حسن حنفي على التذبذب والاقتراب من التيارات القوية المؤثرة في كل مرحلة فالاقتراب من القوى الحديثة واليسارية في زمن قوتها يتبعه الآن تخل عنها بسبب ضعفها الراهن الذي يعتبره أحياناً أبدياً وجوهرياً، ولهذا يشعر بضرورة التحاق القوى الديمقراطية العلمانية بالحركات المذهبية السياسية، فبعد المدح الذي قرأناه للتحديثيين والهجوم على الدينيين ينقلب إلى شيء آخر:
(بعد الصحوة الإسلامية لسنا في حاجة إلى قراءة ليبرالية أو قومية للتراث وإنما بحاجة إلى إعادة بناء التراث كله دون اختيار أحد أجزائه من أجل أعداد الأمة لفترةٍ جديدة..)، (17).
لكنه من الممكن أن يقول كلاماً آخر مضاداً لهذا:
(إن مهمة الأحزاب التقدمية الحالية ليست مزيداً من العلمانية المحاصرة، بل في قليل من المحافظة والتقليد حتى يتم إفساح المجال للتقدمية كي تنتشر بسهولة ويسر)، (18).
ومع ذلك فإن التيارات الفكرية الديمقراطية العالمية، التي تغدو الحركات العربية (التقدمية) جزءً منها، تغدو غير مناسبة:
(فالثقافة الغربية إنما وليدة ظروف خاصة وتياراتها السياسية إنما نشأت أيضاً من هذه الظروف وعلى أساس هذه الثقافة)، (19).

Social Links: