تواصلت تفاعلات القمة التي عقدت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي أول من أمس، وفيما أعلن بوتين فشل محاولات عزل روسيا، عاد ترامب إلى البيت الأبيض ليجد نفسه معزولاً حتى داخل معسكره الجمهوري، إثر جولة أوروبية كارثية أدار خلالها ظهره لحلفاء الولايات المتحدة التاريخيين، وتقرّب بشكل مذهل من زعيم الكرملين.
وقال ترامب في مؤتمر صحافي سبق اجتماعه مع أعضاء في الكونغرس مساء امس، إن العلاقات الأميركية – الروسية «أصبحت أفضل بكثير»، وأنه ناقش وبوتين الأزمة السورية والطموحات النووية لإيران. لكن في موقف مفاجئ بدا انه تراجعاً عن تصريحات سابقة عقب القمة، اضاف ترامب أنه «يقبل» بنتائج تحقيق وكالة الاستخبارات الأميركية في التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية عام 2016، موضحاً أنه أساء التعبير في حديثه عن هذه المسألة، وانه لا يرى سبباً لان لا تكون روسيا مسؤولة عن التدخل في الانتخابات.
وفي وقت سابق، لم يبدُ أن ترامب مستعد للتجاوب مع انتقادات وصفته بالضعف، خصوصاً بعد أن رفض خلال مؤتمر صحافي إلقاء اللوم على بوتين للتدخل في الانتخابات الرئاسية عام 2016، مُلقياً ظلالاً من الشك على النتائج التي توصلت إليها الاستخبارات الأميركية. وعلى غرار ما هو معروف عنه، أشاد بنفسه وبأدائه خلال جولته الأوروبية وقمة حلف الأطلسي في بروكسيل أخيراً، منتقداً عبر حسابه على «تويتر» التغطية الإعلامية.
وتوجه ترامب في تغريداته نحو هدفه المعتاد، وسائل الإعلام، وقال: «مع أنني عقدت قمة ممتازة مع الحلف الأطلسي جمعنا خلالها مبالغ ضخمة، إلا أن المحادثات مع بوتين في روسيا كانت أفضل بكثير. للأسف، وسائل الإعلام لم تنقل الأمر بهذا الشكل، والأخبار الكاذبة خرجت عن السيطرة».
وأضاف في تغريدة ثانية: «كان لي لقاء كبير مع حلف الأطلسي. دفعوا 33 بليون دولار أكثر، وسيدفعون مئات البلايين من الدولارات أكثر في المستقبل، فقط بسببي. كان الناتو ضعيفاً، لكنه الآن أقوى (أمر سيئ بالنسبة إلى روسيا). تقول وسائل الإعلام فقط إنني كنت فظاً مع القادة، ولا تذكر أبداً النقود!».
وكان أداء ترامب في قمة هلسنكي محط انتقادات في الكونغرس، حيث اقترح مشرعون ديموقراطيون وجمهوريون إصدار قرار لدعم وكالة الاستخبارات الأميركية، بعد أن بدا ترامب وكأنه يشكك في نتائجها. وكان مقرراً، وفق البيت الأبيض، أن يلتقي الرئيس أعضاء في الكونغرس.
وقال رئيس مجلس النواب بول رايان، إنه مستعد لدرس فرض مزيد من العقوبات على روسيا، مجدداً تأييده ما توصلت إليه أجهزة الاستخبارات الأميركية عن تدخل روسيا في انتخابات عام 2016. وأضاف: «إذا رأت لجان الكونغرس ضرورة لفرض المزيد من العقوبات سيسعدني بحث ذلك الأمر». واعتبر أن «روسيا حكومة تشكل تهديداً، ولا تشترك معنا في المصلحة ولا في القيم». كما اعتبر رئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغريتش، المقرب من ترامب، أن الأخير «ارتكب أسوأ خطأ خلال رئاسته، وعليه تصحيحه فوراً». ومن جنوب أفريقيا، أعرب الرئيس الديموقراطي السابق باراك أوباما عن الأسف «لأن كل دورة جديدة من الأحداث تحمل معها حصتها من العناوين المقلقة».
وانتقد مضيفو ترامب على قناة «فوكس نيوز» (التي كانت القناة المفضلة لديه) طريقة تعامله مع القمة، إذ كرر في مقابلة مع القناة بعد ساعات على انتهاء القمة، نفيه وجود تواطؤ مع التدخل الروسي في الانتخابات، واصفاً الرئيس الروسي بأنه «قوي للغاية». ووصل الضيق من كلام ترامب إلى درجة جعلت «فوكس نيوز»، الداعمة تقليدياً لمواقفه، إلى فتح الهواء لأكثر من عشرة صحافيين ذائعي الصيت، وجّهوا سهامهم نحو الرئيس الأميركي.
على صلة، يمكن أن يعود البالون على شكل ترامب الرضيع الغاضب، الذي حلّق في سماء لندن الأسبوع الماضي أثناء جولة الرئيس الأميركي في أوروبا، إلى الظهور مجدداً في سماء ولاية نيوجيرزي الأميركية، بعد أن قال ناشطون إنهم جمعوا أموالاً كافية لجلبه إلى الولايات المتحدة. وقال المنظم ديدير خيمينيز-كاسترو، إنه يأمل بأن يثير البالون حماس المرشحين الديموقراطيين في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وقال خلال مكالمة هاتفية: «ترامب الرضيع سيوجه الضربة، هذه هي الطاقة التي نحتاج إليها لانتخابات التجديد النصفي. سيخرج ذلك الناس من منازلها». وتوقع وصول البالون إلى بدمينستر قرب مدينة نيويورك بحلول منتصف الشهر المقبل.
وفي أول استثمار روسي مباشر لقمة هلسنكي، قال بوتين في لقائه مع «فوكس نيوز» عن محاولات عزل روسيا: «أعتقد أنك ترى أن هذه الجهود فشلت ولا يمكن أن تكلل بالنجاح… روسيا أكبر من أن تعزل». وكشف في اللقاء عن أنه عرض على ترامب تمديد معاهدة «ستارت» للحد من الأسلحة الصاروخية القادرة على حمل رؤوس نووية، كما طالب لندن بتقديم «دلائل موثوقة» تثبت تورطها في حادثتي تسمم جديدتين بغاز سام في بريطانيا، مندداً باتهامات «لا أساس لها». وقال إن موسكو وواشنطن تتمسكان بآرائهما المتباينة حول ضم القرم من أوكرانيا عام 2014.
وبعد ساعات من قمة في هلسنكي، أعلنت السلطات الأميركية اعتقال امرأة روسيّة (29 عاماً) بتهمة التآمر للتأثير على السياسة الأميركية من خلال علاقاتها مع مجموعات، بينها رابطة حملة السلاح. وأكدت وزارة العدل الأميركية في بيان، أن مارييا بوتينا اعتُقلت في واشنطن السبت الماضي، ومثُلت الإثنين أمام المحكمة التي وجهت اليها تهمة التآمر كعميلة لروسيا «من خلال إقامة علاقات مع أميركيين واختراق منظمات صاحبة نفوذ في السياسة الأميركية».

Social Links: