العلمانية نظام سياسي وتحالف فكري (١١)
عبد الله خليفه -كاتب من البحرين
يطرحُ العديدُ من القراء مسألة العلمانية وعلاقتها بالإسلام وهل هي تمثل إزالة للأديان وهم محتارون في مسائل كثيرة في هذا المجال، خاصة تشابك هذه المسألة مع التطورات التي تجري في العديد من الأقطار الإسلامية اقتراباً أو نأياً عن هذه العلمانية (المخيفة)، فغدا تعبير العلمانية أشبه بالشيوعية في الزمن القديم أو العمالة الخ.. قد يصدر تعبير العلمانية من أقصى اليمين، أي من أنظمة وتنظيمات شمولية مذهبية لا تعترف في قرارة ضميرها السياسي بوجود الآخر، وترى بأن أي عزل للدين، (ومصورة نفسها هنا إنها الإسلام كله)، بأنه كفر وإلحاد، لأنها تصدر من رؤية شمولية لا تقبل بالآخر، حتى بالمذهبي السياسي الداخل ضمن هذه المذهبية، وهو أمرٌ يمثل أقصى الجمود الفكري، لأن مثل هذا التعنت في التفسير مضر أقصى الضرر بالمذهب نفسه وتطوره الخلاق فيما ينتظر له من تطور.
هنا يتحول الدين، وهو المذهب في الحقيقة، إلى تصور كلي لا يقبل أي منازع أو شريك، وهو تصور متطرف، لأن الإسلام مذاهب كثيرة فما بالك بظهور اجتهادات حديثة فيه وتيارات وطنية، فغدا هذا التصور الأوحد تكريس لدولة شمولية عاجزة عن خلق ديمقراطية داخلية بها، والأجدى بعلماء الإسلام أن لا تتطابق تصوراتهم واجتهاداتهم مع هذه الدول. ولكن النظام السياسي العلماني هو نظام مطروح على جميع الأديان والمذاهب ليس بغرض إزالتها كما يقول التصور الشمولي الديني السابق ذكره، بل هو نظام فصل محدود بين الدين والسياسة، بمعنى الشعار الذي رفعته الأنظمة الوطنية العربية قديماً مستفيدة من آية من الإنجيل(دع ما لقيصر لقيصر، ودع ما لله لله)، وهي معادلة لوضع حد للصراع بين رجال السياسة ورجال الدين في الحقيقة، فهاتان الفئتان كلٌ منهما تريد أن تهيمن كلياً على السلطة والمجتمع، وهذا غير ممكن ولا بد من تعاون الفئتين، وجعل ثمة اختصاص لكل منهما، ومن هنا فرجال الدين الذين يرفضون الحد الأدنى من العلمانية مثلهم مثل رجال السياسة الذين يريدون بتر الأديان! وهاتان الحالتان المتطرفتان توجهان أي مجتمع للانهيار في حالة تصادمهما. ولكن العلمانية نظام سياسي متدرج خاصة في الظروف الإسلامية، وهو يعني جعل السياسة حقلاً مستقلاً، فالبرلمان يعمل بالأصوات من أجل تغيير الأجور وطبيعة الملكية العامة وينظر في الخصخصة ومقاومة ارتفاع الأسعار الخ.. لكن لا يمكن قبول تدخله في مسائل النفقة والحجاب والميراث الخ.. فهذه مسائل تعود للشرع، ولهيئات رجال الدين ولتراكم الأحكام والاجتهاد بها ولتنوع المذاهب، فأي تصويت ينفع في مثل ذلك؟ وهكذا فإن المسائل العامة السياسية والمهمات الاجتماعية الحادة المباشرة تخرج عن الاحتكار الديني للقرار، مثلما أن المسائل الفقهية تعود لعلماء المسلمين وتصوراتهم وهي مسائل تمثل عصب تطور الأمة وجذورها ولا بد أن يكون الأمر بها عبر مراجعات طويلة وديمقراطية عميقة متاحة للمذاهب وتنوعاتها في دول تتجه للتنوع السياسي المذهبي الديمقراطي وتغيير طابع الدولة المذهبية الواحدة الكلية.
وهذا أمرٌ يحتاج إلى زمن طويل، فالصراع الآني حول الأسعار والأجور وظروف المعيشة لا يمشي في مسائل المذاهب والعقيدة! ومن هنا فنحن لا نطرح علمانية كلية شمولية، مثلما نرفض الكلية المذهبية التي لا ترى سوى نظرتها، مثلما نرفض العلمانية الساحقة للدين والمذهبية السياسية الساحقة للتنوع الفكري! إن هذه خطوط عريضة في السياسة، لا يجب أن نأخذها في الحياة الاجتماعية اليومية، فالعلماني قد يكون مسلماً ملتزماً بكل الجوانب العبادية، وقد يكون غير ذلك، فهو هنا فقط يرفض إدخال المذهب في العمل السياسي، ويرى إبعاد المذاهب عن العمل السياسي المباشر، وأن لا يعمل السياسي إلا بشكل وطني متوجهاً لمجموع الشعب، وهذا العلماني كذلك يدخل الإسلام في الكثير من جوانب حياته ويعتبره جزءً أساسياً من ثقافته. وهذا أمر لا تناقض فيه، فالحركات القومية واليسارية ذات رؤى متباينة من الدين، لكنها تتقارب في إبعاد الدين عن الهيمنة الكلية على الحياة السياسية فقط، لأن بعضَ رجال الدين يوظفون ذلك لنشر سيطرتهم السياسية الشمولية وهذا لا يعني تصفية الدين فمن الممكن أن تنشأ رؤى ديمقراطية إسلامية كذلك!

Social Links: