الاستعمار ورفض العلمانية  – عبد الله خليفه 

 الاستعمار ورفض العلمانية  – عبد الله خليفه 

 الاستعمار ورفض العلمانية 

عبد الله خليفه
على الرغم من أن الأستعمار كنشاط سياسي غربي إحتلالي وذي هيمنة على القارات الأخرى، كان نابعاً من حضارة علمانية ترفض إستخدام الدين في السياسة، إلا أنه في إستغلاله للبلدان الأجنبية ركز على تغييب العلمانية السياسية من حياتها ودعم مختلف الطوائف في عدائها لبعضها البعض. لا شك إن ذلك يعود لطبيعة هذه العلمانية كتطور خاص بالغرب حيث عمدت القوى الحاكمة إلى العودة لميراث العصر الوسيط من أجل كبح نمو القوى الاشتراكية، وعبر إدعاء هذه الطبقات النازفة لعرق الملايين بأنها مؤمنة، فسقطت هذه القشرة الرقيقة من العلمانية حالما أجتازت دباباتها خطوط التماس بين الغرب والشرق، فهنا عاد الزمن للعصر الوسيط الديني، فظهرت البرجوازياتُ الغربية المتدخلة في العالم المستعمَّر وكأنها قوى حامية للأديان. فقام الاستعمار البريطاني بحماية مختلف الأديان والمذاهب والنحل العجيبة في الهند لا لشيء سوى تفجير الخلافات بينها ومنعها من إتخاذ موقف مشترك نضالي ضد هذه الهيمنة.

وهذا ما جرى بأشكال متباينة في مختلف الدول التابعة، فنظراً لعجزه عن رد التاريخ للوراء في الدول الغربية كان علمانياً فيها، ونظراً لعرقلته لنمو التاريخ في الدول التابعة صار دينياً! لكن قادة التحرر الكبار في الشرق؛ غاندي، وماو تسي تونغ، ولينين، وسعد زغلول، وغيرهم، أتخذوا سياسة مضادة، رغم تنوعها إلا أنها سياسة توحيد قومي. فغدت العلمانية السياسية هي شعاراتهم لكي يوحدوا الملايين من البشر التي تعاني في رزقها وحياتها من تلك الهيمنة، لكن هذا التوحيد القومي أتخذ مسارات مختلفة، ظللها الكثير من الوهم الإيديولوجي، فعلمانية غاندي كانت هي اللاعنف ومقاومة الاستعمار وترك كل الشعوب تعيش في دياناتها وتشكيل حزب هندي قومي لا ديني، دون أن تتطرق هذه السياسة إلى تغيير حياة الملايين الأشد فقراً في العالم، فصعدت البرجوازية الهندية الغنية والإقطاع إلى كرسي الحكم الوطني، فتململت القوى الشعبية وتوجهت للهندوسية المتطرفة حاسبة إن مشكلتها هي في عدم تطبيق الدين! وهذا ما حدث في روسيا والصين بشكل مختلف، فكان قادتها علمانيين إلى درجة العمل لسحق الأديان، لكن الرأسمالية الحكومية قادت إلى بروز البرجوازيات من داخل الدول، فعادت الشعوب للدين لأنها رأت نفاق السياسة الاشتراكية المزعومة. وهكذا فإن السياسية الغربية الاستعمارية الجديدة الحاصلة هذه الأيام وجدت في البروز للرأسمالية البيروقراطية الشرقية إمكانية أخرى للتغلغل في المشرق العربي تحت راية الإصلاح وحماية الأديان والطوائف، كما كان العهد في السياسة البريطانية السابقة، فمر أكثر من قرن دون أي تغيير عميق في السياسة الغربية لكن مركز القرار العالمي تحول من قارة إلى أخرى! لقد قام قادة الثورات الشرقية السابقين بعمل إنجازات كبرى في مسائل الاستقلال القومي لكن محدوديتها تعود لمستوى وعيهم ولمستوى تخلف شعوبهم، فلم يستطيعوا الجمع بين الحرية والديمقراطية والعلمانية وتغيير حياة الملايين الفقيرة.

إن هذا الجمع المركب بين هذه السمات هو كذلك وليد التاريخ والتجربة، فنحن نرى قادة أمريكا اللاتينية يتجاوزون مستوى لينين وماو تسي تونغ وغاندي، فيجمعون بين توحيد شعوبهم وتحررها وتقدمها وبين ارتفاعهم عن خلافاتها الدينية والعرقية والفكرية ودون أن يكون ذلك أيضاً عبر القبضة الحديدية! لا شك إن هذه السمات الجديدة الوطنية العلمانية في العالم الثالث تشكل ظاهرة نوعية تحولية هي نتاج خبرة الآلام والثقافة، وسوف يتسع حضورها وانتشارها، لكي يقوم قادة العالم الثالث الجدد بتوحيد شعوبهم وتطويرها، ومن موقع الند للند للحضارة الغربية التي فشلت علمانيتها على المستوى العالمي، مقدمين مستوى أرقى من العلاقات الدولية. علمانية ديمقراطية لا تتنكر لتاريخ وأديان هذه الشعوب المضطهدة وتعمل لتغيير حياة الملايين من الفقراء!

  • Social Links:

Leave a Reply