في الوقت الذي تتجه فيه جميع الأنظار بمزيد من الخوف والترقب إلى مدينة إدلب،باعتبارها بركاناً يوشك على الانفجار، يسعى نظام الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون إلى قطع الطريق أمام أي معالجة عقلانية للموقف من شأنها أن تجنّب المدينة كارثة إنسانية كبرى، بل لعلّ الصواب أن مجمل العوامل التي دفعت مدينة إدلب إلى ما هي عليه من توتر راهن لم تظهر فجأةً من المجهول، بل كانت نتيجة طبيعية لسيرورة الممارسات التي انتهجها الروس حيال ما يُسمى ب( مناطق خفض التصعيد)، إذْ لم يكن خافياً على أحد رغبة روسيا في تمكين نظام الأسد من السيطرة على كامل الجغرافية السورية، وقد أنجز سلاح الجو الروسي منذ إيلول 2015 جزءً كبيراً من هذه الرغبة التي تمت شرعنتها من خلال مسار أستانا، الذي أتاح للروس استئصال كل أشكال المقاومة المسلحة، باستثناء الجماعات المتطرفة التي كانت تحرص روسيا على عدم استهدافها، لاتخاذ وجودها ذريعة لاستمرارها بقتل السوريين وتهجيرهم واستئصالهم من مدنهم وبلداتهم.
إستراتيجية التوحش التي مارسها بوتين بحق السوريين والتي تتجسّد بحصار المدن والبلدات ووضْع أهلها أمام خيارين: إما النزوح أو الموت، قد تحوّلت – بفعل التواطؤ الدولي – إلى عُرْف عسكري بدأ تطبيقه في حلب الشرقية مطلع العام 2017 ، ثم انتقل إلى الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي وريف حمص الشمالي، وعندما بدأ اجتياح درعا كانت جميع المعطيات توحي بأن النزوح من درعا سيكون التغريبة الأخيرة إلى مدينة أرادها الأسد وحلفاؤه أن تكون المحرقة الجامعة لما تبقى لخصومه.
ولعل اللافت للانتباه أن الروس لم تنقطع جسور التفاوض بينهم وبين جبهة النصرة على مدى ثلاث سنوات مضت، بل كان ثمة مرونة طالما أبدتها حكومة بوتين في السماح لجبهة النصرة من الانسحاب والتنقل بسلاسة من جميع المناطق السورية باتجاه إدلب، لتتحول – اليوم – فصائل النصرة إلى ذريعة – يعض الروس عليها بالنواجذ – لاستهداف ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف مواطن من المدنيين باعتبارهم جميعاً إرهابيين – وفقا للروس.
ولعلّ ما يبعث على الأسف والإحباط معاً أن يصبح الموقف الأممي متماهياً مع استراتيجية التوحش الروسي، وذلك من خلال المقترح الذي طرحه المبعوث الأممي السيد ( ديمستورا ) والقاضي بإحداث ممرات آمنة لخروج المدنيين، ولعلّ ديمستورا في طرحه هذا إنما يسعى إلى شرْعنة جريمتين اثنتين بآن معاً ، أولاهما الإقرار بتهجير سكان المدينة تحت سطوة التهديد بالموت، وهذه جريمة بحق الإنسانية وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة، وثانيهما تتمثل بالموافقة الضمنية على اجتياح ادلب وتدميرها، وهكذا يتحول الموقف الأممي من موقف كابح أو رادع للعدوان إلى موقف متماهٍ معه أو مشرعن لممارساته.
إننا – في إعلان سورية للتغيير الوطني الديمقراطي – إذْ لا نراهن على نصر عسكري لطرف من الأطراف، ذلك اننا لا نرى في الحرب على إدلب سوى عدوان يشنه نظام الأسد وحلفاؤه على شعب أعزل متخذين من تواجد فصائل متشددة هم ساهموا في تكديسها وجمعها ، حجةً لبسط سيطرتهم العسكرية على المدينة، كما اننا لا نرى في التحذيرات الروسية المزعومة من استخدام السلاح الكيمياوي – من جانب فرق الدفاع المدني – على حد زعم روسيا، سوى استعداد وحماس روسي للدفاع عن جريمة مرتقبة لنظام الأسد، لعلها لا تختلف عن جرائمة الكيمياوية السابقة في الغوطة الشرقية وداريا وخان شيخون.
إننا نناشد المجتمع الدولي قاطبة ، حكومات ومنظمات إنسانية وأفراداً، الّا يكتفي بإطلاق عبارات القلق والتحذير، ثم ينتقل إلى عبارات الإدانة بعد وقوع الكارثة، بل نطالب الجميع بالتحرك الفعلي العاجل لاتخاذ خطوات إجرائية تحول دون العدوان على السكان المدنيين في إدلب، وذلك من خلال تفعيل الدور الحقيقي للأمم المتحدة، وكذلك من خلال إعطاء المزيد من الوقت لجميع الأطراف الدولية بغية الفرز الكامل والتمييز الحقيقي بين الجماعات الإرهابية المتطرفة والملايين من السكان المدنيين العزّل، إذ من غير الجائز والمعقول أن يبقى التفويض الدولي بيد الروس سلاحاً مستمراً بقتل السوريين.
إعلان سورية للتغيير الوطني الديمقراطي

Social Links: