إدلب: المعركة قادمة دون أي حل سياسي – أنور بدر

إدلب: المعركة قادمة دون أي حل سياسي – أنور بدر

قبل أن تضع معركة الجنوب أوزارها، كانت التصريحات الروسية تؤكد أن المعركة القادمة ستكون في إدلب، فيما اتّهم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو نظيرَه الروسي سيرغي لافروف، بـ “الدفاع عن هجوم” عسكري واسع يعتزم النظام السوري شنّه بدعم من روسيا على إدلب.

مع أن النظام وروسيا لم يخفيا عزمهما على شن تلك المعركة، فإن الأهمية تكمن في تبادل الاتهامات بالتحضير لضربة كيمياوية في إدلب، أخذت صيغة تحذير أو تهديد غربي للنظام السوري بأن أي استخدام للكيمياوي في إدلب لن يمرّ دون ردّ، فيما يجزم وزير الدبلوماسية الروسية لافروف وتابعه وليد المعلم، بأن الإرهابيين، وبشكل خاص أصحاب (الخوذ البيضاء)، سيكررون عرض الضربة الكيمياوية في دوما، كذريعة لعدوان ثلاثي أميركي بريطاني فرنسي، ضد نظام الأسد الصغير. وربما تحميل الإخراج في هذا العرض لبريطانيا، يأتي كرد على اتهام بريطانيا لموسكو بالضلوع في قضية تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته، في آذار/ مارس الماضي.

سواء تمت الضربة الكيمياوية أم جرى الاستغناء عنها، فلن يغير ذلك في الأمر شيئًا، لأن المعركة قائمة لا محالة، وقد جرى الإعداد لها ببرودة وخبث الدب الروسي، فالعالم أجمع يُدرك أن منطقة إدلب قد توسعت كرقعة جيوسياسية لتضم أجزاء من ريفي حلب وحماة الشمالي، كما تضاعف عدد سكانها بعد أن أصبحت الملاذ الأخير للنازحين من كل الجغرافيا السورية، ممن دُمرت بيوتهم ونهبت أملاكهم وهجروا تحت نيران القصف والبراميل، حتى إن عدد سكان هذه المنطقة بات ينوف عن ثلاثة ملايين نسمة، وربما يصل إلى أربعة ملايين، وفق بعض التقديرات، بينهم مليون طفل وفق تصريح لمنظمة (يونيسف) الدولية.

كما عملت روسيا قبل اتفاقية خفض التصعيد في إدلب، الموقعة بتاريخ 15 أيلول/ سبتمبر 2017، وبعدها أيضًا، عبر كل المصالحات والهدن التي شملت الكثير من المناطق السورية، إلى نقل كل المقاتلين الرافضين لتلك المصالحات باتجاه إدلب بشكل خاص، حتى أصبحت هذه المحافظة مستوعبًا لفلول المنظمات الجهادية المتطرفة، وعلى رأسها (هيئة تحرير الشام/ النصرة)، إضافة إلى مجموعات إسلامية صغيرة كتنظيم “حراس الدين” المنشق عن “النصرة”، ومقاتلي “الحزب التركستاني” المتشددين.

وربما يكون تأجيل معركة إدلب مبرمجًا وفق المخطط الروسي، لاستكمال تجميع هذه المجموعات الإسلامية المتطرفة، بعد أن استنفدت وظيفتها في وأد الثورة السورية السلمية، ووأد شعاراتها وأهدافها بالحرية والديمقراطية وإنشاء دولة المواطنة المتساوية، إذ تضمّن نص اتفاقية خفض التصعيد الموقعة بين الأطراف الثلاث الضامنة لها: روسيا وتركيا وإيران، استمرار الحرب ضد المنظمات الإرهابية والمجموعات أو الأشخاص المنضوية تحت هذا المسمى، ولن يكون مصير إدلب أفضل من مصير سابقاتها من مناطق خفض التصعيد، فالمعارك السابقة واللاحقة تنضوي كلها تحت يافطة مكافحة الإرهاب التي حظيت بتوافق دولي رسمي، وقد شكّلت ترجمته الروسية، في كل من أستانا وسوتشي لاحقًا، مقدمة لاستعادة الدولة السورية، وهي دولة الأسد تحديدًا وفق المخطط الروسي، الذي يتجاهل أن تلك الاتفاقات السابقة تضمنت كثيرًا من المسائل التي أغفلت لاحقًا، كالوصول الإنساني السريع في مجال الإغاثة، و”تهيئة ظروف العودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين”، مع تنويه بانتخابات مجالس محلية، تكون معنية بإدارة هذه المناطق بعيدًا عن سيطرة النظام.

في الطرف الآخر من معادلة أستانا، يبرز تحرك تركيا ليستعيد الالتباس في علاقتها مع التنظيمات الجهادية المصنفة من قِبل المجتمع الدولي وروسيا والنظام أيضًا على أنها إرهابية، وعلى رأسها “جبهة النصرة” التي اضطرت في عام 2016 إلى إعلان انفكاكها عن تنظيم القاعدة، وتحولت إلى “جبهة فتح الشام”، قبل أن تتحد مع بعض الفصائل الإسلامية بداية العام الماضي، تحت مسمى “هيئة تحرير الشام”، دون أن ينجح ذلك في نزع صفة الإرهاب عنها، ودون أن تقطع حبل السرة الذي يربطها بتركيا أيضًا، حيث دخلت تركيا إلى إدلب برعايتها وبالتنسيق معها، وقد دفعت الهيئة ثمنَ ذلك انشقاق فصيل “حراس الدين” عنها، والكثير من التصفيات والاغتيالات الداخلية، وانشقاقات في صفوف أهم الشرعيين فيها، وهو الأمر الذي يبدو مستمرًا حتى اليوم، بعد أن فشلت الجهود التركية في إقناع الهيئة بحل نفسها، كمبرر لسحب فتيل المعركة القادمة، مما اضطر تركيا أخيرًا إلى إعلان “هيئة تحرير الشام” منظمة إرهابية، مما يسهل وضعها في بؤرة استهداف الحرب على الإرهاب، كما تطالب روسيا والنظام.

من المؤكد أن تركيا مرغَمة في جانبٍ من سلوكها، فهي بالتأكيد لا تريد أن تخسر تحالفها مع موسكو، بما يعني صفقات السلاح والصواريخ تحديدًا، وبما يعني مساندتها في قمع مشروع الإدارة الذاتية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وفي تحسين شروطها بمواجهة الإدارة الأميركية الداعمة لقوات (قسد)، لكنها بالمقابل تأمل أن يشجع قرارها هذا سحب بعض العناصر والمجموعات من “هيئة تحرير الشام”، لتعزيز التشكيل العسكري الذي أنشأته المخابرات التركية، من بقايا “الجيش الحر” ومجموعات “درع الفرات” و”أحرار الشام”، باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، وبالتالي إما تدخل روسيا وقوات النظام والميليشيات التابعة له بظلالها الإيرانية لاستعادة إدلب، أو تقوم القوات التركية والجبهة الوطنية للتحرير بالشق الأول من المهمة المتمثل بتصفية “هيئة تحرير الشام” والمجموعات الأخرى المصنفة إرهابية، على أن يبقى تقاسم النفوذ في إدلب بهذه الحالة خاضعًا لقرار روسي، يمكن أن يشكل حلًا للمعضلة، وهو حل صعب بالتأكيد.

دون أن ننسى حليف أستانا الثالث والمنبوذ دوليًا، أي إيران، إذ لا يريد النظام أن يقطع معها، بل جاءت زيارة وزير الدفاع الإيراني الأخيرة إلى دمشق وحلب، لتعزز التنسيق العسكري بين النظامين، ومنح مشروعية لهذا الوجود المسرطن في سورية، فيما لا تجد موسكو تجد حاليًا أيّ مبرر للتخلي عن الورقة الإيرانية، مع أنها أعطت الضوء الأخضر لـ “إسرائيل” في ضرب المواقع الإيرانية متى شاءت، وكان آخرها في مطار المزة العسكري.

كل هذا يعني أن معركة إدلب، بغض النظر عن نتائجها التي تبدو بالمعنى العسكري محسومة لصالح روسيا والنظام، حتى لو جرى أخذ مصالح تركيا بعين الاعتبار، لن تشكّل حلًا في المدى المنظور للسوريين أو للوضع في سورية، ولن تتم ترجمة الانتصارات العسكرية الأخيرة سياسيًا كما ترغب روسيا، وبالتالي لن تكون هناك عودة آمنة للاجئين والنازحين السوريين إلى ديارهم، ولن يكون هنالك إعادة إعمار كما يطالب بوتين، فدون ذلك حل سياسي يعجز النظام وروسيا عن النهوض بمستلزماته حاليًا، وفي المستقبل المنظور أيضًا.

  • Social Links:

Leave a Reply