العولمة باعتبارها تغيّرا مرحليا في سياق العالم الرأسمالي – يونادم يونادم 

العولمة باعتبارها تغيّرا مرحليا في سياق العالم الرأسمالي – يونادم يونادم 

العولمة باعتبارها تغيّرا مرحليا في سياق العالم الرأسمالي
يونادم يونادم

من منا لا يتحدث في هذه الأيام عن العولمة؟  لقد انبثق هذا المصطلح من عالم الشركات المساهمة في الستينيات من القرن الماضي ليشير الى مدى اتساع رؤية ونفوذ الشركات المتعددة الجنسية وقدرتها على التوسع. وفي التسعينيات دخل المصطلح في الاطروحات العامة مثيرا الكثير من الالتباس داخل الوسط الأكاديمي. ولغياب الاجماع حوله فقد ظهرت عدة تعاريف متنافسة كل منها يسعى الى تقديم تفسير متميز للواقع الاجتماعي. هل من الأفضل النظر الى العولمة باعتبارها استمرارا لسير العمليات التاريخية السابقة وبهذا تكون العولمة تعبيرا عن تغيير كمّي؟ ام انها تعبير عن انقطاع في سير العملية التاريخية وبالتالي هي تغير كيفي، او مرحلة جديدة بالكامل؟ وهنا يبرز السؤال التالي: هل المتغيرات المرتبطة بالعولمة تساعد الأغلبية الساحقة من سكان هذا العالم ام العكس؟ ثم هل العولمة عملية عسيرة وبالتالي ما علينا سوى القبول بنتائجها لعجزنا عن التغيير وايجاد البديل؟ اغلب الباحثون في موضوع العولمة لا يتفقون في اجاباتهم حول هاتين النقطتين، ولكن معظم علماء الاجتماع سيتفقون على ان معدل وسرعة التغيير الاجتماعي والتحول العالمي يشتد في سرعته وخاصة خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، كما ان هذا التغير الاجتماعي له علاقة بعمق واتساع الاتصالات بين الشعوب والدول حول العالم.

مراحل الرأسمالية والعولمة

من الناحية النظرية يمكن النظر الى العولمة باعتبارها محصلة قرون مديدة من انتشار الانتاج الرأسمالي حول العالم، بحيث تمكنت من ان تحل محل العلاقات التي كانت سائدة في مرحلة ما قبل الرأسمالية، وان تأتي بأشكال جديدة وامكانيات جديدة للاتصالات بين بني البشر حول العالم.  ان المؤسسات في المجتمعات البشرية تضمنت دائما صيغة معينة للعلاقات المتبادلة، ولكن الرأسمالية كانت الشكل الاجتماعي الأول الذي وظّف كل الأنواع الأخرى لكي يشكل منها صيغة اجتماعية منفردة والذي ساهم في تكوين “النظام العالمي” او “النظام العالمي المعاصر”.

بدأت الرأسمالية بالتطور كنظام اجتماعي جديد في اوروبا منذ 5 قرون مضت وذلك بعد تحلل وزوال النظام الاقطاعي القديم. وبشكل يختلف عن كل الأنظمة الاجتماعية التي عرفتها البشرية، فان الرأسمالية توسعية بطبيعتها، اي من أجل استمرار بقائها، فهي تتطلب دائما الحصول على مصادر جديدة ورخيصة من قوة العمل، والأرض، والمواد الأولية، بالإضافة الى الأسواق الجديدة.

ان تأكيد الرأسمالية لتطلعاتها بالتوسع نتج عنه المرحلة الاستعمارية والامبريالية والذي تضمن احتلال واخضاع القوى الأوروبية للشعوب والمجتمعات الأخرى. وهكذا جرى احتلال واستعمار امريكا اللاتينية اولا

بحيث جرى دمجها داخل النظام الرأسمالي العالمي الآخذ بالتوسع بين عامي 1492 – 1530. كما بدأت هذه العملية في افريقيا بتجارة الرقيق حوالي 1500 وبحلول عام 1890 تقريبا تحولت القارة بأكملها الى مستعمرات أوروبية. كما نالت آسيا نفس المصير منذ عام 1500 تقريبا وحتى القرن العشرين، وكذلك الأمر بالنسبة للشرق الأوسط الذي تم اخضاعه منذ القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين. وكانت ال 500 عام من الهيمنة الاستعمارية قاسية وشديدة العنف. فقد خلالها مئات الملايين من الناس حياتهم نتيجة للحروب الاستعمارية، واختفت من وجه الأرض مجموعات بشرية واقليات تمت ابادتها. وكتب كارل ماركس منتقدا قسوة الصعود الدموي للرأسمالية العالمية وبكونها تمثل “التراكم البدائي” او عملية التحول الأصلي من النظام ما قبل الرأسمالي الى انظمة رأسمالية:

}-كتب (ماركس) في المجلد الأول من كتاب “رأس المال”: عملية إنتاج الرأسمال في القسم الثامن: التراكم البدائي في الفصل السادس والعشرون: سر التراكم البدائي-: {

 ” – سر التراكم البدائي

لقد رأينا كيف يتحول النقد إلى رأسمال، وكيف يُنتج الرأسمال القيمة الزائدة، وكيف يتزايد الرأسمال بفضل القيمة الزائدة. بيد أن تراكم الرأسمال يفترض القيمة الزائدة، والقيمة الزائدة تفترض الانتاج الرأسمالي، وهذا الاخير يفترض وجود مقادير كبيرة من الرأسمال وقوة العمل في أيدي منتجي البضائع. وعليه تدور هذه الحركة كلها، على ما يبدو، في حلقة مفرغة لا نستطيع الافلات منها إلا بافتراضنا أن التراكم الرأسمالي قد سبقه التراكم “البدائي” (“primitive accumulation” حسب آ. سميث)، – هذا التراكم الذي لم يكن نتيجة لأسلوب الانتاج الرأسمالي، بل نقطة انطلاقه.

إن هذا التراكم البدائي يضطلع في الاقتصاد السياسي بدور يماثل تقريبا دور الخطيئة الأصلية في اللاهوت: فإن آدم قد أكل من التفاحة، فدخلت الخطيئة الجنس البشري. وحين يفسرون هذا التراكم، يحكون عنه كأنما عن نكتة تاريخية حدثت في الأزمنة الغابرة. ففي قديم الأزل، كان يوجد، من جهة، محبون للعمل، وفي المقام الأول، مختارون عاقلون مقتصدون، ومن جهة أخرى، صعاليك كسالى يبذرون كل ما عندهم وحتى أكثر من ذلك. صحيح أن الاسطورة اللاهوتية عن الخطيئة الأصلية تروي لنا كيف حُكم على الإنسان أن يأكل خبزه بعرق جبينه؛ أما تاريخ الخطيئة الأصلية الاقتصادية، فإنه يبين لنا كيف أمكن أن يظهر أناس لا حاجة لهم على الاطلاق إلى مثل هذا الكدح. ولكن الأمرين سيان. وهكذا حدث أن الأوائل كدسوا الثروة، بينا لم يبق للأواخر، في آخر المطاف، ما يبيعونه غير جلودهم بالذات. وإلى زمن هذه الخطيئة الأولى، يعود كلٍّ من سبب منشأ فقر الجماهير الواسعة التي ليس لها بعد ما تبيعه، رغم كل كدحها، غير نفسها بالذات، وسبب منشأ غنى القلة من الناس والذي يتعاظم باستمرار مع أنهم كفوا عن العمل منذ زمان بعيد. ومثل هذه الحكايات السخيفة يردد، مثلا، السيد تير على مسامع الفرنسيين الذين كانوا فيما مضى، جد أذكياء، بغية تبرير الملكية، بل يرددها بمهابة رجل الدولة وجديته، ولكم ما دام الكلام يتناول مسألة الملكية، فإن الواجب المقدس يفرض دعم وجهة نظر كتاب الأبجدية، المُعد للأطفال، بوصفها وجهة النظر الصحيحة الوحيدة بالنسبة لجميع الأعمار وجميع درجات التطور. ومعلوم أن الفتح والاستعباد والنهب والاغتصاب، بكلمة، العنف يضطلع بدور كبير في التاريخ الفعلي. ولكن الاقتصاد السياسي الوديع ساده الرغد والهناء من قديم الزمان. فإن الحق و”العمل” كانا من قديم الزمان الوسيلتين الوحيدتين للأثراء، – إلا أن “هذا العام” كان، بالطبع، استثناء دائما. أما في الواقع فإن طرائق التراكم البدائي إنما هي أي شيء كان، ولكنها ليست أبدا حياة مسالمة هنيئة.

إن النقود والبضائع، مثلها مثل وسائل العيش ووسائل الانتاج، ليست أبدا رأسمالا بحد ذاتها. وإنما يجب تحويلها إلى رأسمال، ولكن هذا التحويل غير ممكن إلا في ظروف معينة تتلخص فيما يلي: ينبغي أن يتقابل نوعان مختلفان جدا من مالكي البضائع ويُقيما صلة فيما بينهما – من جهة، مالك النقد ووسائل الانتاج ووسائل العيش، الذي يبتغي أن يشتري (قوة عمل الغير) لكي يزيد، فيما بعد، مبلغ القيمة الذي كان قد استأثر به؛ ومن الجهة الأخرى، عمال أحرار، باعة قوة عملهم، وبالتالي باعة العمل. عمال أحرار من وجهتين: من حيث أنهم ليسوا مباشرة في عداد وسائل الانتاج، كالعبيد والأقنان، الخ.، ولكنهم لا يملكون وسائل الانتاج، كما هو الحال عند الفلاحين الذين يملكون استثمارات مستقلة، الخ.، إنهم، بالعكس، أحرار من وسائل الانتاج، مُحررون منها، محرومون منها، وبهذا الاستقطاب لسوق البضائع تنشأ الشروط الأساسية للإنتاج الرأسمالي. إن العلاقة الرأسمالية تفترض أن ملكية شروط تحقيق العمل مفصولة عن العمال، وحالما يقف الانتاج الرأسمالي على قدميه، فإنه لا يدعم هذا التقسيم وحسب، بل يُعيد انتاجه أيضا وبمقياس متعاظم على الدوام. وعليه، لا يمكن للعملية التي تنشئ العلاقة الرأسمالية أن تكون غير عملية فصل العامل عن ملكية شروط عمله، – عملية تحول وسائل الانتاج الاجتماعية ووسائل العيش إلى رأسمال، من جهة، وتحول المنتجين المباشرين إلى عمال أجراء من جهة أخرى. ولذا ليس ما يسمى بالتراكم البدائي غير عملية تاريخية آلت إلى فصل المنتج عن وسائل الانتاج. وهي تبدو “بدائية” لأنها تشكل ما قبل تاريخ الرأسمال وأسلوب الانتاج المناسب له.

إن بنية المجتمع الرأسمالي الاقتصادية قد نشأت من بنية المجتمع الاقطاعي الاقتصادية. وإن تفسخ هذا الأخير حرر عناصر الأول.

إن المنتج المباشر، العامل، لا تتوفر له إمكانيات التصرف بشخصه إلا متى كف تقييده بالأرض وزالت تبعيته الاقطاعية أو القنية لشخص آخر. وبعد، لكي يصبح العامل بائعا حرا لقوة العمل يحمل بضاعته إلى حيث يوجد طلب عليها، كان ينبغي له أن يتحرر من سيادة الحرف، من أنظمة الحرف بشأن المتدربين والصناع ومن سائر التطبيقات المتعلقة بالعمل. وهكذا، إن العملية التاريخية التي تحول المنتجين إلى عمال أجراء تبرز، من جهة، كتحريرهم من التكاليف الاقطاعية ومن الإكراه الحرفي؛ وهذه الجهة هي وحدها الموجودة بنظر مؤرخينا البرجوازيين. ولكن من الجهة الأخرى، لا يصبح المحررون باعة لأنفسهم بأنفسهم إلا متى انتزعت منهم جميع وسائل الانتاج وجميع ضمانات العيش التي كانت تؤمنها المؤسسات الاقطاعية القديمة. وإن تاريخ انتزاع الملكية هذا مكتوب في وثائق البشرية بلهيب لغة النار والدم.”

بالنسبة للبعض، تمثل ال 500 عام من التوسع الرأسمالي بمثابة تعريف كاف للعولمة، كما يمكن الاستفادة من التحليل الذي يميز بين المرحلة الراهنة للرأسمالية العالمية عن المراحل الأولى. ان تقسيم التاريخ الى فترات زمنية سيحولها الى اداة تحليلية يلجأ اليها علماء الاجتماع للإضاءة على التغيرات الرئيسية التي حدثت في المجتمعات مع مرور الزمن.  والمرحلة الأولى كانت مع بروز الرأسمالية من داخل شرنقتها الاقطاعية في اوروبا ومن ثم توسعها الأولي فيما يسمى عصر الاكتشافات والتوسع التي يرمز اليها كولومبس بوصوله الى الأمريكيتين. وكانت هذه ايضا المرحلة الميركنتلية او مرحلة النزعة التجارية والتراكم البدائي والذي سماه ماركس “الفجر الوردي لمرحلة الانتاج الرأسمالي”. اما المرحلة الثانية، مرحلة التنافس، المرحلة الكلاسيكية، مرحلة الرأسمالية، التي أطلقتها الثورة الصناعية، وبروز البرجوازية ثم تكوين الدولة القومية الحديثة. وفي مقدمة معالم هذه المرحلة: الثورة الفرنسية وثورة الانتاج الصناعي في بريطانيا خلال القرن الثامن عشر. اما المرحلة الثالثة في تاريخ الرأسمالية العالمية فكان بروز الشركات الرأسمالية المساهمة، الاحتكارات، ودمج السوق العالمية ليصبح الإطار التنظيمي للرأسمالية العالمية، وشهد ظهور الشركات المساهمة الصناعية المالية، واشتداد حروب القوى الامبريالية، وكذلك بروز البدائل الاشتراكية.

لقد امتدت المرحلة الأولى من 1492 حتى 1789 وامتدت المرحلة الثانية حتى اواخر القرن التاسع عشر، واما المرحلة الثالثة فامتدت حتى بداية السبعينيات من القرن العشرين. ونعيش اليوم ضمن الفترة الأولى من المرحلة الرابعة من الرأسمالية التي تتميز من الناحية التكنولوجية بتحكم الرقائق الإلكترونية ورموز الكومبيوتر في عصر المعلوماتية. ومن الناحية السياسية تتميز ايضا بانهيار محاولات القرن العشرين في كل ما يتعلق بالاشتراكية، وفشل جيل كامل لحركة التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث من ايجاد بديل عن الرأسمالية. ويجمع الباحثون على ان عقد السبعينيات هو عقد الاضطرابات الاقتصادية وهو العقد الذي بدأت فيه الرأسمالية في العالم ببناء نفسها بشكل جذري. ان الاضطرابات الاقتصادية كانت تعبيرا عن الانتقال من الدولة-القومية كمرحلة في حياة الرأسمالية في العالم وكل ما يرتبط بها من مؤسسات خاصة بها، تنظيمية وسياسية وبنية ادارية، الى مرحلة الرأسمالية العابرة للحدود ومعالمها النوعية الجديدة.

  • Social Links:

Leave a Reply