من‭ ‬قُم‭ ‬إلى‭ ‬البصرة‭… ‬الصراع‭ ‬ضد‭ ‬الظلم‭ ‬ينبذ‭ ‬الطائفية –   جلبير الأشقر

من‭ ‬قُم‭ ‬إلى‭ ‬البصرة‭… ‬الصراع‭ ‬ضد‭ ‬الظلم‭ ‬ينبذ‭ ‬الطائفية – جلبير الأشقر

‭ ‬منذ‭ ‬هبّة‭ ‬الجماهير‭ ‬الإيرانية‭ ‬ضد‭ ‬حكم‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬قبل‭ ‬عشرة‭ ‬أشهر،‭ ‬تتكاثر‭ ‬بشائر‭ ‬تحوّل‭ ‬في‭ ‬المناخ‭ ‬السياسي‭ ‬الإقليمي‭ ‬باتجاه‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الأجواء‭ ‬الطائفية‭ ‬البغيضة‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬وقد‭ ‬شهدنا‭ ‬كيف‭ ‬تضافرت‭ ‬جهود‭ ‬قطبي‭ ‬الطائفية‭ ‬الرئيسيين‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ألا‭ ‬وهما‭ ‬الحكمان‭ ‬السعودي‭ ‬والإيراني،‭ ‬في‭ ‬بثّ‭ ‬تلك‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬اللعينة‭ ‬سعياً‭ ‬منهما‭ ‬وراء‭ ‬خنق‭ ‬الطاقة‭ ‬التحرّرية‭ ‬العظيمة‭ ‬التي‭ ‬انفجرت‭ ‬أثناء‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬ما‭ ‬يناهز‭ ‬ثماني‭ ‬سنوات‭. ‬

فبعد‭ ‬وأد‭ ‬انتفاضة‭ ‬شعب‭ ‬البحرين‭ ‬بلجوء‭ ‬مكثّف‭ ‬إلى‭ ‬الكراهية‭ ‬الطائفية‭ ‬مدعوماً‭ ‬بتدخّل‭ ‬عسكري‭ ‬مضاد‭ ‬للثورة‭ ‬قادته‭ ‬المملكة‭ ‬السعودية،‭ ‬تركّزت‭ ‬مساعي‭ ‬القطبين‭ ‬على‭ ‬سوريا‭ ‬حيث‭ ‬بذلت‭ ‬طهران‭ ‬جهدها‭ ‬لتعبئة‭ ‬جماعات‭ ‬من‭ ‬المقاتلين‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬طائفي‭ ‬للذود‭ ‬عن‭ ‬حكم‭ ‬آل‭ ‬الأسد‭ ‬بينما‭ ‬حفّز‭ ‬الذين‭ ‬نصّبوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬أولياءً‭ ‬على‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬نموّ‭ ‬جماعات‭ ‬مسلّحة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬طائفي‭ ‬مضاد،‭ ‬بما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬طمر‭ ‬الأماني‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التقدّمية‭ ‬التي‭ ‬انتفض‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬تحت‭ ‬أكوام‭ ‬من‭ ‬الزبالة‭ ‬الطائفية‭. ‬وقد‭ ‬تمّ‭ ‬استخدام‭ ‬السمّ‭ ‬الطائفي‭ ‬عينه‭ ‬في‭ ‬درء‭ ‬التحاق‭ ‬العراق‭ ‬ولبنان‭ ‬بانتفاضات‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬حيلة‭ ‬قديمة‭ ‬تلجأ‭ ‬إليها‭ ‬الطبقات‭ ‬السائدة‭ ‬كلّما‭ ‬هدّدتها‭ ‬ثورة‭ ‬من‭ ‬أسفل‭ ‬المجتمع،‭ ‬فتسعى‭ ‬وراء‭ ‬استبدال‭ ‬الانقسام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بين‭ ‬القاهرين‭ ‬والمقهورين‭ ‬بآخر‭ ‬بين‭ ‬المقهورين‭ ‬أنفسهم‭.‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬الترياق‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬إبطال‭ ‬مفعول‭ ‬السمّ‭ ‬الطائفي‭ ‬هو‭ (‬إعادة‭) ‬انشطار‭ ‬كل‭ ‬طائفة‭ ‬وجماعة‭ ‬بين‭ ‬قاهريها‭ ‬وغالبيتها‭ ‬المقهورة‭ ‬بحيث‭ ‬تتجدّد‭ ‬شروط‭ ‬الالتحام‭ ‬بين‭ ‬المقهورين‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬طوائفهم‭ ‬ومللهم‭ ‬وأجناسهم‭ ‬وقومياتهم‭ ‬في‭ ‬نضال‭ ‬مشترك‭ ‬ضد‭ ‬كافة‭ ‬أصناف‭ ‬القهر،‭ ‬هو‭ ‬شرط‭ ‬التحرّر‭ ‬الحقيقي‭ ‬والتقدّم‭ ‬التاريخي‭. ‬لذلك‭ ‬تحتلّ‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تتالت‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وجنوب‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬انتفاضات‭ ‬شعبية‭ ‬لجماهير‭ ‬شيعية‭ ‬المذهب‭ ‬ضد‭ ‬المستبدّين‭ ‬بها،‭ ‬ومركز‭ ‬سلطتهم‭ ‬طهران‭ ‬سواء‭ ‬أكانوا‭ ‬إيرانيين‭ ‬أم‭ ‬عراقيين،‭ ‬تحتلّ‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭ ‬أهمّية‭ ‬بالغة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬أوضاع‭ ‬منطقتنا‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الانقسام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التحرّري‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬انتكاسته‭.‬

الجماهير‭ ‬الإيرانية‭ ‬لديها‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬السياسة‭ ‬التوسّعية‭ ‬التي‭ ‬ينتهجها‭ ‬النظام‭ ‬الحاكم

وقد‭ ‬جاءت‭ ‬انتفاضة‭ ‬جماهير‭ ‬البصرة‭ ‬لتعزّز‭ ‬بقوّة‭ ‬الاتجاه‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬استبدال‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬المظلومين‭ ‬أنفسهم،‭ ‬وهو‭ ‬سبيل‭ ‬اضطهادهم‭ ‬أجمعين،‭ ‬بالانقسام‭ ‬التحرّري‭ ‬بينهم‭ ‬والظالمين،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬سبيل‭ ‬تحرّرهم‭ ‬من‭ ‬الظلم‭. ‬فكما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬التقرير‭ ‬عن‭ ‬انتفاضة‭ ‬البصرة‭ ‬الذي‭ ‬نشرته‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬الماضي،‭ ‬‮«‬بعث‭ ‬استهداف‭ ‬المتظاهرين‭ ‬الغاضبين‭ ‬للقنصلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وحرقها‭ ‬رافعين‭ ‬شعارات‭ ‬‮«‬إيران‭ ‬برّة‭ ‬برّة‭ ‬والبصرة‭ ‬تبقى‭ ‬حرّة‮»‬‭ ‬برسالة‭ ‬رفض‭ ‬واضحة‭ ‬لتدخّل‭ ‬إيران‭ ‬الواسع‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬ودعمها‭ ‬للميليشيات‭ ‬والأحزاب‭ ‬الفاسدة‭ ‬المهيمنة‭ ‬عليها‭ ‬وعلى‭ ‬مقدّراتها‮»‬‭.‬

وبالطبع،‭ ‬يدرك‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تدخّل‭ ‬إيران‭ ‬الواسع‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬البصرة‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬العراق‭ ‬برمّته،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬سوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الساحات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬طالتها‭ ‬سياسة‭ ‬طهران‭ ‬التوسّعية،‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬يشكّل‭ ‬‮«‬حرس‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬أداتها‭ ‬بامتياز‭. ‬لذا‭ ‬فمن‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رفض‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬في‭ ‬الساحات‭ ‬العربية‭ ‬غير‭ ‬مقتصرٍ‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يُحسبون‭ ‬على‭ ‬السنّة‭ ‬طائفياً‭ ‬بل‭ ‬وغير‭ ‬مقتصرٍ‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬قومياً،‭ ‬إذ‭ ‬يشمل‭ ‬الجماهير‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬انتفضت‭ ‬مراراً‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬والأشهر‭ ‬الأخيرة‭ ‬تطالب‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‭ ‬بوقف‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬يتحمّل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬كلفتها‭ ‬الباهظة‭ ‬ويرى‭ ‬فيها‭ ‬شعب‭ ‬إيران‭ ‬سبباً‭ ‬رئيسياً‭ ‬مباشراً‭ ‬وغير‭ ‬مباشر‭ (‬من‭ ‬خلال‭ ‬تبعات‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭ ‬دولياً‭) ‬في‭ ‬تردّي‭ ‬أوضاعه‭ ‬المعيشية‭. ‬

فالجماهير‭ ‬الإيرانية‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‭ ‬مؤيّدة‭ ‬لشعار‭ ‬‮«‬إيران‭ ‬برّة‭ ‬برّة‮»‬‭ ‬بمعنى‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬السياسة‭ ‬التوسّعية‭ ‬التي‭ ‬ينتهجها‭ ‬النظام‭ ‬الحاكم‭. ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬المعارضة‭ ‬لنهج‭ ‬طهران‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬أقطاباً‭ ‬إيرانيي‭ ‬الهويّة‭ ‬من‭ ‬المرجعية‭ ‬الشيعية‭ ‬العليا‭. ‬وقد‭ ‬رأينا‭ ‬في‭ ‬آذار‭ ‬الماضي‭ ‬كيف‭ ‬انتشرت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬من‭ ‬قُم‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬النجف‭ ‬وكربلاء‭ ‬والبصرة‭ ‬والكويت‭ ‬إثر‭ ‬اعتقال‭ ‬إبن‭ ‬السيّد‭ ‬صادق‭ ‬الحسيني‭ ‬الشيرازي،‭ ‬حسين،‭ ‬من‭ ‬قِبَل‭ ‬السلطات‭ ‬الإيرانية‭ ‬لتشبيهه‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬بالنظام‭ ‬الفرعوني‭.‬

ولهذه‭ ‬المعارضات‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬القومية‭ ‬والطائفة‭ ‬الواحدتين‭ ‬أهمّية‭ ‬بالغة‭ ‬في‭ ‬إفشال‭ ‬مساعي‭ ‬الحكم‭ ‬السعودي‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬تجييش‭ ‬السنّة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬طائفية‭ ‬شاملة‭ ‬ضد‭ ‬الشيعة‭ ‬ومن‭ ‬يُحسبون‭ ‬عليهم‭ ‬بتوسيع‭ ‬التعريف،‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭ ‬المقيتة‭ ‬والمجرمة‭ ‬التي‭ ‬شكّل‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬القاعدة‮»‬‭ ‬ومن‭ ‬بعده‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬نتيجتيها‭ ‬الطبيعيتين‭. ‬والتنظيمان‭ ‬ومن‭ ‬لفّ‭ ‬لفّهما‭ ‬علامات‭ ‬بارزة‭ ‬على‭ ‬انحطاط‭ ‬الأوضاع‭ ‬العربية،‭ ‬ذلك‭ ‬الانحطاط‭ ‬الذي‭ ‬هبّت‭ ‬انتفاضة‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬الكبرى‭ ‬كي‭ ‬تقضي‭ ‬عليه‭ ‬وفشلت،‭ ‬فجاءت‭ ‬الانتكاسة‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬الانحطاط‭ ‬كما‭ ‬يحصل‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬الانتكاسات‭. ‬لكنّ‭ ‬‮«‬الربيع‮»‬‭ ‬كان‭ ‬محطّة‭ ‬سوف‭ ‬تليها‭ ‬محطّات‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬مُحال،‭ ‬حتى‭ ‬تكنيس‭ ‬الأوضاع‭ ‬الإقليمية‭ ‬من‭ ‬عفونتها‭ ‬المتراكمة‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭.‬

ويشارك‭ ‬شعب‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعركة‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انتفاضته‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬مصلحة‭ ‬المظلومين‭ ‬واحدة‭ ‬عرباً‭ ‬أكانوا‭ ‬أم‭ ‬إيرانيين‭ ‬أو‭ ‬كُرداً‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬القوميات،‭ ‬ومهما‭ ‬كان‭ ‬المذهب‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬ينتمون‭ ‬إليه‭ ‬أو‭ ‬يُحسبون‭ ‬عليه‭. ‬فهي‭ ‬معركة‭ ‬الكادحين‭ ‬ضد‭ ‬المنتفعين‭ ‬لا‭ ‬طائفة‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬قومية،‭ ‬وسوف‭ ‬تنتصر‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬لأنها‭ ‬تجري‭ ‬بمجرى‭ ‬التاريخ‭ ‬العريض،‭ ‬مهما‭ ‬واجهت‭ ‬ظرفياً‭ ‬من‭ ‬رياح‭ ‬معاكسة‭.‬

  • Social Links:

Leave a Reply