خنادق عقائدية
حسام شاكر..
لا نُعدَم مُشتَغِلين بالملل والنِّحَل في خنادق الطوائف وهم يخوضون في شؤون السياسة والعلاقات الدولية وتحوّلات العالم والمسائل الاستراتيجية بمنظار ضيِّق الأفق ركّبوه من وحي فهمهم للبشر؛ القائم على التحديد والتفريق والنبذ والتمايز، فيجعلون بعض المواقف المتحرِّكة قضايا عقدية جامدة لم تنشأ من يومهم ولا تنطفئ في غدهم، ومن يـُخالِف من أقوامهم حكماً من أحكامهم الصارمة يصير عندهم والِغاً في مخالفة جسيمة، وقد يُرمَى بالزيْغ في عقيدته وبالشكِّ في انتسابه إلى ملّته ونِحْلَتِه.
وإن ارتأى بعضُ أولئك وجهةً مخصوصة في التحالف أو القطيعة لفّقوا لذلك ما يزعمون أنها مبرِّرات دينية ومسوِّغات عقدية وذرائع تاريخية لم تنهض إلا من مفهوم ساذج للأشياء والتفاعلات يُخالِطُه افتعالٌ وتلفيق ويستبدّ به انتقاءٌ وتحيّز.
يُستعمَل هؤلاء، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، في خطابات القطيعة ودعايات التعبئة، وليس نادراً أن يُؤتى ببعضهم لتسعير النيران الموقدة وتأجيج الجمهرة المحتشدة وتخفيز الخنادق المتقابلة؛ وإن لم يُستأذَنوا ابتداءً في منشأ القضايا ومبتدأ المواقف، وقد لا يُستشارون فيها انتهاءً عندما تضع الحروب أوَزارها.
من عادة هؤلاء أن يعدّوا الصراعات التي انصرفوا إليها عميقةً وتتجذّر، وأن يبشِّروا أقوامهم بأنها باقيةٌ وتتمدّد، وقد يجعلونها استحقاقاً محتوماً على أجيال تلتحف برمادها وتختنق بأدخنتها.
يفقه هؤلاء إذكاءَ الحروبِ بمنطوق القول دون السعي إلى إطفائها بحكمة العقل، ولو مُنِح بعضُهم مفاتيح الدمار الشامل لما تردّد أهلُ النزق منهم في الاندفاع إلى تشغيلها كي يُريحوا العالم بحسبانهم من خصوم المعتقد؛ بما يرجونه من حلّ نهائي لا يكتفي بكسر الشوكة بل يدغدغ الأمل بالاستئصال والإبادة. وعلّة الامر في استيلاء نزعة النبذ على وجدانهم حتى تتقزّم إزاءها كلُّ قيمة، فلا يَرَوْن من يعدّونه خصمَ المُعتقَد حقيقاً بأن يحضُر في المشهد، أو أن يقتطع من البلدة أو الجوار أو العالم أو الحاضر أو المستقبل نصيباً معلوماً.
Social Links: