“الآن.. عن أمّ من سوريا” – مالك داغستاني

“الآن.. عن أمّ من سوريا” – مالك داغستاني

قصة حقيقية من حمص صيف 2011:

“الآن.. عن أمّ من سوريا”

مالك داغستاني

بعد انقضاء العزاء بيوم واحد، كانت أمّهُ (ومسبحتها في يدها تنقِّل برتابة وهدوء حباتها بين أصابعها)، تتمتم بأدعية ليس من بينها أن يتقبله الله شهيداً، كما يردد الآخرون، فهي مسكونة بطمأنينة لا يدانيها أي شك بأنه شهيد، كما أبيه وأعمامه من قبله بسنوات طويلة. ربما كانت فقط تطلب من ابنها الشهيد الذي شُيّع يوم أمس، أن يشفع لها ولإخوته لدى ربّه، بعد أن تبوأ المكانة ـ الحلم بالنسبة لأي مؤمن.

لم يكن التلفزيون في المنزل مغلقاً حداداً من أجل الوفاة، على عادة الناس في بلادنا. فالحزن على الشهيد مختلف، وما يجري في البلاد لا يحتمل الانقطاع عن متابعة الأخبار. قناة الجزيرة الإخبارية تبث تقريراً عن الأحداث في سوريا مع مشاهد مصورة لما جرى في الأيام الأخيرة. فجأة تسقط المسبحة من يد الأم. إنه هو. سامر (وهذا ليس اسمه الحقيقي) إنه هو.. هذا الذي يتصدر الشاشة متمدداً على أرض المنزل الذي أُدخل إليه بعد إصابته، هرباً من إطلاق النار في الخارج، وخوفاً من أن يأخذه القتلَة إلى إحدى المشافي الحكومية. عيناه ذاهلتان وبحركة لا إرادية يتلفت رأسه يميناً وشمالاً بالهدوء المعتاد لمن سيغادر هذا العالم بعد قليل. والدم يتفجر ناحية القلب تماماً. تتحرك الأم وتقترب من الشاشة، ربما كانت ترجو أنها من الممكن أن تضمه إلى صدرها، أو ربما اعتقدت لوهلة أنها يمكن أن تغير المسارات وتخلصه من أسر هذا الصندوق ليعود إلى طفلهِ الوحيد الذي للتو سيبلغ عامه الأول والذي مازال حتى الآن يتلفت كلما دخل أحدهم إلى البيت لعله يعود ذاك الذي كان يبادره مبتسماً كلما حضر:” أهلين أبو سامر”، ربما ظنت أن “ها هو مازال يتحرك ومن الممكن إسعافه إلى المشفى فلماذا لم …؟”. أو ربما فكَّرَت ـ وهذا ما تشي به الاختلاطات بالملامح وتوتر حركات الوجه- بأشياء لن يستطيع أحد في العالم أن يخمنها سوى أمّ من سوريا حين يستشهد ابنها لأنه هتفَ من أجل حريةٍ لا يعرف عنها سوى افتقادها.

عندما بدأ الدم يسيل من فمه، كسرتها دمعتها وصاحت بلهجة مغرقة بالمحلية: سلامةْ قلبك يا أُمي.

مساء الخميس وصباح الجمعة تكرر ذات التقرير على القناة التلفزيونية عدة مرات، وفي كل مرة كانت الأم تردد عبارتها ذاتها دون زيادةِ أو نقصان أي حرف: ” سلامةْ قلبك يا أُمي”.

بعد ثلاثة أيام بثت “القناة الأذكى والأكثر صدقيَّةً في العالم” قناة الدنيا السورية. تقريراً عن فبركات المتآمرين على سوريا لأفلام فيديو تظهر فيها تمثيليات تهدف للادعاء بوجود شهداء من المتظاهرين السلميين بغية تشويه سمعة عناصر الأمن. المذيعة التي كانت “دلّوعة” جداً قبل شهرين أضحت اليوم ـبسبب الحاجة الماسَّةـ محللة سياسية وشخصيةً وطنيةً فادحةً مهمتها الدفاع عن بلدها المستهدف من قِبل المتآمرين وعلى رأسهم تلك القنوات المغرضة والمعادية، هذه المذيعة بدأت بذكائها الحاد الذي يطل من عينيها، ولا يمكن للعين المدققة أن تتجاهله، وبمنطق بالغ الإحكام تفنِّد فيديو الشهيد المزعوم “سامر”: (دققوا جيداً سادتي المشاهدين إلى حركته التمثيلية، وهو يحرك رأسه ويدَّعي الموت، بعد أن صبغوا قميصه باللون الأحمر) وأردفت بلهجة بالغة الثقة، لهجة الذي كشف وأوقع خصمه بالجرم المشهود: (ثم لكم أن تتساءلوا أما كان حرياً بأولئك الذين يصورونه أن يسعفوه إلى المستشفى بدل أن يصوروه لو كانوا يمتلكون ذرة من الإنسانية، ولو كان هو حقاً في حالة نزاع ؟… إنها فبركات القنوات التي تتبع مبدأ اكذب.. اكذب.. اكذب.. عسى أن تصدق نفسك).

الأم التي كانت تتابع التقرير وحولها عدد ممن لم يستشهد بعد من العائلة، لم تستطع أن تستجمع وتفهم ما كانت تقوله المذيعة، ربما لأن طيبتها ونقاء سريرتها لم يمكِّناها ـ كما غالبية السوريين هذه الأيام ـ من مجاراة ذكاء وحنكة الإعلام السوري الرسمي وشبه (الرسمي جداً). التفتت إلى الوجوه الواجمة من حولها، ربما لتقرأ في ملامحهم ما يوحي بتفسير لما يُقال على الشاشة. كانت تعابير الوجوه تكتنز إضافة للحزن الإنساني الطبيعي، غضباً مكتوماً لم تره من قبل في هذه الملامح التي ألفتها لسنوات. وعندما أعياها الانتظار سألت بارتباك: “شو عم يحكوا عن سامر يا أُمي”. حافظ الرجال على تماسكهم، لكن طبعاً لا أحد منهم استطاع أن يجد جواباً يستطيع أن يدخل إلى قلب هذه الأم قبل عقلها. أحد الأطفال الذين تابعو التقرير أجاب دون تفكير: “عم يقولوا سامر حيّ وما مات يا ستي”. التفتت الأم إلى من هم أكبر سناً، وقسمات وجهها تستجديهم أن يؤكدوا لها ما قاله الصبي… وعندما لم تجد أي استجابةٍ في ملامحهم. عادت إلى هدوئها وتمتمت بصوت تكتنفه حسرة لا يفيها حزن الكرة الأرضية كلها: ” إن شاء الله يا أُمي.. إن شاء الله”… عندها بكى الرجال.

  • Social Links:

Leave a Reply