العقل التواصلي – أحمد برقاوي

العقل التواصلي – أحمد برقاوي

العقل التواصلي :

أحمد برقاوي **

ما أن ظهرت العولمة وأيديولوجيتها حتى سادت عدد كبير من سُذج العرب فكرة القرية الكونية. وراحوا يحتجون بها للتدليل على غياب الحدود بين الدول والأمم والبشر، بل ودللوا ـ اتكاءً عليها ـ على نهاية الدولة والأمة. حاشدين تبريراتهم الأيديولوجية، وعلى رأسها شبكة الاتصالات العالمية، الانترنيت، ومحطات التلفزة الفضائية. ناظرين إلى التواصل البشري على أنه سرعة وصول المعلومات ومعرفة ما يجري في العالم، فضلاً عن تبادل الآراء حول قضايا متعددة. وعندي أن ما يبدو أنه عصر تواصل بشري لدى بعض العرب انطلاقاً من فهمهم السابق لا يعدو ديكتاتورية من نمط جديد للرأسمالية المتعولمة، التي لا تنظر إلى البشر ـ استمراراً للامبريالية ـ إلا أدوات استهلاك واستخدام دون النظر إلى المصير الأسود الذي وصلته طبقات الفقراء، ولا إلى عنف التقنية تجاه أمنا الطبيعة.

وبالتالي: لا تؤدي وسائل الاتصال إلى تحقيق التواصل البشري.

ما التواصل البشري؟ التواصل البشري هموم مشتركة بين البشر والتعبير عن هذه الهموم، وتبادل الخبرة العملية والنظرية الناتجة عن وعي هذه الهموم وحلها. فلا شك في أن الرأسمالية ـ بوصفها تشكيلة اجتماعية ـ اقتصادية أسهمت في وحدة العالم من حيث تعميم أسلوب الإنتاج الرأسمالي، رغم تخلف عدد كبير من المجتمعات عن هذا الأسلوب.

غير أنه لما كانت حركة انتشار أدوات الإنتاج ـ والتقنية في أحد وجوهها أدوات إنتاج ـ أسرع بما لا يُقاس من انتشار الوعي الذي أنتجته التشكيلة الرأسمالية، فإن العديد من البلدان ذات علاقات إنتاج رأسمالية دون بنية فوقية رأسمالية. ودرءاًً لسوء الفهم نقول: إن الوعي الناتج عن انتصار الرأسمالية ليس هو النظرة الرأسمالية للعالم. بل إن الرأسمالية قد أنتجت: التنوير، الحداثة، والاشتراكية، واليسار .

ولا يمكن فهم انتشار التنوير والحداثة والديموقراطية والنزعة الفردية والاشتراكية واليسار عموماً دون التواصل البشري الذي أنتجته الرأسمالية العالمية. وما انتقال الأفكار ـ الأيديولوجيات ـ الفلسفات، النظرات الأخلاقية.. إلخ إلا أساس التواصل البشري، لكنه ليس هو التواصل الفاعل. التواصل الفاعل هو تحوّل هذا الانتقال إلى شكل لوعي العالم وإلى أشكال لمواجهة العالم.

متى يتحقق التواصل البشري؟ واقعياً تناقل ثقافة لا يكفي زادها المحلي الفكري في إيجاد أجوبة عن أسئلة عالمها المعيش فإنها تتواصل مع تلك الثقافة التي أنجبت أجوبة عامة عن أسئلتها الخاصة. والذين ـ في العادة ـ يقدمون أجوبة عامة عن أسئلة خاصة هم الفلاسفة والمفكرون والأدباء والفنانون والمتمرّدون العالميون.

وإذا كان الفلاسفة والمفكرون يقدمون أجوبة عامة صريحة ومباشرة، فإن الأدباء والفنانون يغذون الوعي بصورة جديدة للحياة بشكل غير مباشر.

غير أنه تجب الإشارة إلى أن التواصل البشري غير ممكن إلا بعقل تواصلي. أما العقل الهوياتي المطلق والمغلق على ذاته فإنه يتعامل مع منجزات العقل البشري تعاملاً عدوانياً بوصفه خطراً محدقاً.

فالعقل التواصلي هو الذي حوّل المجتمع المدني إلى مفهوم عالمي، وهو الذي نقله إلى حال المجتمع المدني العالمي، المجتمع المدني العالمي هو الذي يقف الآن ضد الدول الثماني رموز الشر العولمي الرأسمالي. وهو الذي يوحّد ملايين الناس في حركة يسار جديد.

غير أن العقل التواصلي نفسه ليس سبب ذاته، إنه تعبير عن ظهور تحولات مجتمعية سياسية، ثقافية، أخلاقية واقتصادية، هي بحاجة إلى إسناد نظري، يعجل من انتصارها حتى ولو باءت بالفشل. إذ ذاك يمكن تأكيد الأطروحة الآتية: إن الفكرة التواصلية لا تغدو تواصلية إلا في شرط تاريخي يسمح لها بأن تقوم بوظيفتها.

ما كان لفكرة الحرية بالمعنين الوجودي والماركسي أن تتحوّل إلى فكرة تواصلية إلا بفضل توسع الفئات الوسطى العربية، وتخلخل البنى المجمعية القديمة، وبخاصة في المدن، وبفضل ظهور حركات سياسية أحزاب قومية، ويسارية وليبرالية، تطرح مشروع قيام مجتمع بديل. لقد ظهرت الحرية بوصفها لغة جديدة، غير مألوفة في الثقافة العربية بل وفي اللغة العربية.

فالعقل التواصلي: لغة تواصلية، ولغة التواصل هي تلك اللغة التي اغتنت بمفاهيم جديدة، وبمصطلحات منجزات المعرفة بكل أشكالها. إذ ذاك تغدو اللغة التواصلية الناتجة عن وحدة المعرفة الإنسانية لغة تفاهم مع لغات أخرى متجددة. ولو تأملنا حياتنا الثقافية ـ العلمية الأدبية الفكرية فإننا لواجدون لغة جديدة، مفاهيم ومصطلحات ما كان لأحد أن يتداولها لولا العقل التواصلي.

دعك عن المصطلحات الدالة على التواصل عبر «الانترنيت» وجهاز الكومبيوتر، التي إن تحدث بها أحدٌ من الجيل الجديد أمام بعض المنتمين إلى الجيل القديم، لما أقام معه الجيل القديم هذا أي تواصل، وتأمل المفاهيم الفلسفية الجديدة التي دخلت لغتنا من تواصلنا مع الفلسفة المعاصرة ومن قبل الحديثة، الفينومينولوجي، الذرائعية، البرجماتية، التفكيكية، البنية، التشكيلة، التمرد، المجتمع المدني، الفوضوية، التنوير، الحداثة.. إلخ.

من ذا الذي يستطيع أن يمارس النقد الأدبي اليوم دون: السرد، المسكوت عنه، موت المؤلف، الدلالة، الدال، المدلول، التأويل … ناهيك عن اللغة السياسية والصعد الأخرى للغة المعرفية، التاريخية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية ..إلخ.

ولهذا كله التواصل نمط جديد من التفكير، طريقة في المعرفة، لأنه معرفة أصلاً.

أما التقليد الأعمى للآخر، لنمط حياته، فهذا اغتراب وليس تواصلاً. “

  • Social Links:

Leave a Reply