خطة بوتين لسوريا –  ديمتري ترينين

خطة بوتين لسوريا – ديمتري ترينين

خطة بوتين لسوريا

كيف تريد روسيا إنهاء الحرب

بقلم ديمتري ترينين (مدير مركز “كارنيجي” في موسكو ومؤلف كتاب “ما الذي تسعى اليه روسيا في الشرق الأوسط”)

من بين القضايا التي تلعب دورها في سوريا، يبرز مصير الأسد رغم افتقاده حاليا لأي دور رئيسي، لقد وجدت موسكو خلال الحرب أنه شخص يتم إنقاذه من أجل منع الفوضى، ولكنه الآن اخذ يتصرف وكأنه منتصر، وربما يفكر ايضا بأنه ليس بحاجة إلى الروس بأكثر من هذا القدر الذي اعتاد عليه، كما انه ينظر إلى المعارضة باستخفاف وإنها طرف مرحلي وثانوي، ويريد اعادة سيطرة حزب البعث مرة أخرى. غير أن الكرملين يدرك أن استعادة سيطرته على كل سوريا أمر مستحيل بل وغير مرغوب فيه، حيث إن مجموعات أخرى، من المعارضة الشعبية أكانت من السنة او الأكراد، ترفض بشدة هذه النتيجة. قد يبقى الأسد في السلطة في دمشق، لكن المشهد السياسي للبلاد قد تغير بشكل لا رجعة فيه. ومع ذلك، يتعين على موسكو أن تتعامل مع الأسد المتعنت مع الأخذ بعين الاعتبار التأثير الذي يمارسه حليفها الآخر، طهران.

حتى بدون اقامة فيدرالية رسمية، فإن سوريا مقسمة في الواقع إلى عدة جيوب تسيطر عليها قوى مختلفة: حكومة الأسد. مجموعات معارضة للأسد. الميليشيات الموالية لتركيا والمؤيدة لإيران. والاكراد. ولقد عملت روسيا مع العديد من اللاعبين الآخرين، سواء في الميدان في سوريا أو في جميع أنحاء المنطقة، لإنشاء عدة مناطق لإزالة التصعيد، حيث توقف القتال وتم السماح للمعارضة بالبقاء تحت قبة السيطرة، وسعت موسكو، من خلال جهودها في أستانا وجنيف وسوتشي، إلى بناء أرضية مشتركة بين جميع الفصائل المتنافسة في البلاد، مما يمهد الطريق لشكل من أشكال الحكومة الائتلافية. الأسد متردد في الموافقة على تقاسم السلطة الحقيقية، وإيران لديها تحفظات خاصة بها. وبالتالي سيكون على موسكو أن تفعل الكثير من الإقناع والضغط من حين لآخر لتحقيق نتائجها المفضلة. ومع ذلك، يعتقد الروس أن ترتيب تقاسم السلطة على غرار ما يشبه لبنان يمكن أن يكون وصفة للاستقرار.

تصر روسيا على عدم المسّ بالوحدة الإقليمية لسوريا، كما انها تتخذ موقفاً مماثلاً تجاه العراق، حيث رفضت مؤخراً دعم استقلال كردستان العراق. في سوريا كما في العراق، تفضل روسيا الحكم الذاتي الحقيقي للأكراد. فعلى مدى عقود عديدة، كانت موسكو تربطها علاقات قديمة مع الجماعات الكردية في الشرق الأوسط، وفي بعض الأحيان تساعدها سياسياً وعسكرياً، وتحاول اقامة علاقات متوازنة مع الأكراد ومع جيرانهم العرب، والاتراك، والإيرانيين، ولدى روسيا نفسها موطئا لشتات كردي صغير يسهل الاتصالات الكردية والروسية من أجل المصالح الكردية. ولكن في النهاية، فإن من مصلحة روسيا الوطنية تكمن في الحفاظ على التواصل مع جميع اللاعبين اصحاب العلاقة وخاصة مع من سيفوزون في النهاية.

بالطبع، ليست روسيا القوة الخارجية الوحيدة في سوريا، اذ حتى في الوقت الذي دعمت فيه موسكو نظام الأسد بقوتها الجوية، كانت إيران والميليشيات المتحالفة معها تقاتل على الأرض، وتريد طهران، بعد انتهاء الحرب، ان تضفي الطابع التأسيسي بوجودها على الأرض في سوريا، للتأثير على مستقبل ذلك البلد وللحفاظ على ارتباط مادي مع حليفها الإقليمي الرئيسي، حزب الله.

تتفهم روسيا مصالح إيران دون ان تشاركها في تلك المصالح، وهي تتفهم اسرائيل أيضًا، وتسعى إلى تحقيق توازن بين الاثنين. تتعاطف موسكو مع مخاوف إسرائيل الأمنية حول وجود مجموعات شيعية مسلحة قريبة جداً من حدودها، وتأمل في استخدام الشتات الروسي داخل إسرائيل من أجل الحصول على المنفعة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية. لكنها لا تستطيع أن تتجاهل إيران، وهي قوة إقليمية، وجارة تقدم فرصًا في عدد من المجالات، من مبيعات الأسلحة إلى الطاقة النووية. وهكذا في سوريا، ستسعى روسيا للتوسط للوصول الى حل وسط بين إيران وإسرائيل على أساس المصالح المشروعة لكل منهما. بإمكان حلفاء إيران من الشيعة البقاء في سوريا، لكن عليهم الابتعاد عن إسرائيل. وترتكز علاقة روسيا مع الولايات المتحدة في سوريا إلى حد كبير على تفادي الصدام العسكري، فالعلاقة تهدف الى منع الحوادث بين القوات المسلحة للبلدين. كما تعاونت كل من موسكو وواشنطن على إنشاء مناطق تهدئة، لكن التنسيق الدبلوماسي بين الكرملين والولايات المتحدة أقل كثافة بكثير تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب مما كان عليه في عهد سلفه، باراك أوباما. في عامي 2015 و2016، روّج الروس لفكرة تطوير وتنفيذ حل دبلوماسي مشترك مع الأميركيين. لكن اليوم، وبفضل تضاؤل الاهتمام وعدم المشاركة من قبل واشنطن، تعاونت موسكو مع الأتراك والإيرانيين بدلًا من ذلك.

هذا الطريق الطويل

تدرك روسيا أنه مع انحسار وتراجع الحرب بدأ يلوح في الأفق إعادة الإعمار، وسيبدأ الآخرون باستعجال خطواتهم واحتلال مواقعهم في سوريا، بما في ذلك الصين وأوروبا واليابان. ستسعى موسكو إلى المشاركة معهم لتأمين جزء من مجهود إعادة الإعمار وما سيدر من ارباح، والذي سيتم تمويله من قبل المانحين الدوليين. الميزة الرئيسية لروسيا هو نفوذها في دمشق، حيث تظل الضامن الأساسي لأمن نظام الأسد، وقد يتضاءل هذا التأثير مع مرور الوقت حيث تصبح التهديدات المباشرة للأسد أقل أهمية. لكن في الوقت الراهن، مع بقاء الوضع الحالي ستكون سوريا محفوفة بالمخاطر لسنوات عديدة، ومن المتوقع أن تصبح روسيا لاعباً رئيسياً في المستقبل المنظور. أن ما يعني موسكو هو ضمان مصالحها الأساسية في سوريا، بغض النظر عن توازنات السلطة السياسية في البلاد، ومن بين تلك المصالح وجودها العسكري، الوجود الجوي والبحري الدائم في البلاد. وبموجب عقود التأجير التي تم توقيعها في 2015 و2016 مع دمشق والتي شملت قاعدة سلاح الجو في حميميم ومرفق طرطوس البحري، الذي يجري ترقيته إلى قاعدة بحرية منتظمة، والتي ستبقى في مكانها لعدة عقود بعد نهاية الحرب، وستواصل القوات المسلحة السورية الاعتماد على الأسلحة والمعدات الروسية، وسيواصل الأخصائيون العسكريون الروس تقديم المشورة وتدريب زملائهم في الجانب السوري، وسيؤدي هذا إلى ضمان ولأمد طويل دور سوريا كموطئ قدم جيوسياسية وعسكرية رئيسية لروسيا في الشرق الأوسط. إن تحقيق السلام في سوريا لن يكون أقل صعوبة من الانتصار في الحرب هناك، كما تواجه روسيا مهمة شاقة أخرى، حيث تكون اسباب نفوذها هناك تعتمد على عناصر غير جذابة، وحيث يتمتع منافسوها بمزيد من الموارد ، وسيسعى حلفاؤها الظرفاء – في دمشق وطهران وأنقرة – إلى تعزيز أجنداتهم الخاصة، التي تتناقض في بعض الأحيان مع أجندات موسكو. نعم ان النجاح على الجبهة الدبلوماسية سيكون أصعب من الانتصار على ارض المعركة.

  • Social Links:

Leave a Reply