في أزمة البحث عن البدائل – حسن النيفي

في أزمة البحث عن البدائل – حسن النيفي

في أزمة البحث عن البدائل

حسن النيفي

تتواتر دعوات الكثير من السوريين منذ أواخر العام 2017، إلى تشكيل أو إنشاء كيانات سياسية جامعة، تستقطب معظم القوى الوطنية، وتكون مظلة للحراك الوطني الذي ما زال يؤمن ويعمل من أجل تغيير نظام الاستبداد في سورية. ولعل لهذه الدعوات ما يبررها، على أعقاب ما مُنيَ به المشهد السوري من إحباطات متتالية.

 ففي أواخر العام 2017 سقطت حلب الشرقية بيد نظام الأسد وتم تهجير أهلها، وكان ذلك تمهيداً لمسار أستانا الذي أتاح للروس تجريد الفصائل العسكرية من أسلحتها، والإجهاز على العديد منها، ثم جرّ القسم الآخر إلى مسار المفاوضات التي نتج عنها ما يُسمى ( مناطق خفض التصعيد)، والتي كانت ترجمتها الفعلية سيطرة النظام وحلفائه على الغوطة الشرقية ودرعا والقلمون الشرقي وريف حمص الشمالي، فضلاً عن جرائم التهجير القسري واجتثاث السكان من مدنهم وبلداتهم.

ولم يكن الشطر الثاني من كيانات الثورة بأفضل حالاً، وأعني الكيانات الرسمية للثورة السورية، حيث أنتج مؤتمر الرياض 2 هيئة تفاوضية غير متجانسة، مُخترقة من قبل أطراف وشخصيات هي أقرب لنظام الأسد وحلفائه من ثورة السوريين، وكان من تداعيات ذلك كله تجاوز كل القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية السورية، والامتثال لرؤية بوتين التي جسّدتها مخرجات سوتشي،أي اختزال ثورة السوريين بدستور يخدم مصالح الدول ذات النفوذ في الأزمة السورية، ثم الوعود بإجراء انتخابات رئاسية معروفة النتائج في ظل المنظومة الأمنية الحالية للنظام.

الباطنية التي تنتمي إلى قطّاع المعتقدات واليقينيات أكثر من انتمائها إلى حيّز الأفكار، ما يؤدي في النتيجة إلى فهم الواقع المحسوس بمنظار اليقين المسبق

الصورة الصادمة للمآلات الراهنة أفرز لدى الشارع السوري رؤيتين، إحداها تقول: إن القضية السورية خرجت من يد السوريين، وإن كان ثمة حل، فلا شك أنه سيكون نتيجة توافق دولي وإقليمي، ولن يكون ذلك إلا بتوافق مصالح الدول النافذة او المتحكّمة بقضية السوريين، وإزاء هذه الحال، فلا جدوى من أيّ مسعى آخر وتحت أيّ شعار كان.

الرؤية الثانية لا تختلف مع الأولى في تشخيص الحالة الراهنة، إلّا أنها مازالت تؤمن بجدوى العمل الوطني بغية استعادة القرار الوطني، كما ترى أنه مازالت الفرصة سانحةً للإمساك بزمام المبادرة( ولو نسبياً)، لمشاركة السوريين في رسم ملامح مصيرهم.

تتخذ دعوات أصحاب الرؤية الثانية أشكالاً شتى للإفصاح عما تسعى إليه، فمنها من يتحرّك ضمنَ إطار حزبي، يتمثل بتقارب مجموعة من الأحزاب والقوى المتشابهة، تعمل وفق برنامج مشترك، من أجل إنتاج رؤى وتصورات موحّدة، كما تسعى إلى ترجمة رؤاها ووثائقها إلى برنامج قابل للتطبيق الفعلي على الأرض، ويطمح أصحاب هذا النموذج أن يكون عملهم نواة لاستقطاب أطياف وطنية أخرى، وبالتالي يمكن لهذا المسعى أن يراكم مُنجزاً سياسياً تشاركياً طالما افتقده السوريون.

ثمة شكل آخر لهذه الدعوات يتجسّد بالمنتديات الحوارية التي تتم عبر وسائل التواصل المتعددة، إذْ يرى أصحاب هذا الضرب من التجمّعات أن السوريين بحاجة إلى حوارات معمّقة بين بعضهم البعض، ليس في الشأن السياسي والقضايا الراهنة فحسب، بل في جميع القضايا الفكرية والاجتماعية، وكذلك النواظم الدستورية والقانونية التي ستحدّد شكل الدولة السورية في المستقبل، ويرى أصحاب هذا النموذج أن نجاح أي تجربة سياسية يتقوّم بقدرتها على إنجاز تصوّرمشترك لسورية ( المُتخيَّلة)، وليس للقضايا الراهنة فقط.

وفي ظل تقطيع أوصال الجغرافية السورية، وتقاسم النفوذ العسكري في المدن والبلدات، ظهرت بعض الدعوات التي تنادي بعقد ( مؤتمر – مؤتمرات) وطني في الداخل السوري، منهم من يراه في إدلب، ومنهم من يراه في عفرين، ولا شكّ أن هكذا دعوات تختزل الوطن السوري بالرقعة الجغرافية التي تتواجد فيها، ولا ترى سورية خارج القرية أو المدينة التي تتحرك فيها، ولا شكّ أيضاً أن هذه الدعوات ما هي إلّا امتداد للفصائلية العسكرية التي أنتجتها سنوات الحرب، بل يمكن القول: إن الوعي المحايث لهكذا تصورات لا يتجاوز الوعي الفصائلي المدمِّر للثورة.

في ظل تقطيع أوصال الجغرافية السورية، وتقاسم النفوذ العسكري في المدن والبلدات، ظهرت بعض الدعوات التي تنادي بعقد ( مؤتمر – مؤتمرات) وطني في الداخل السوري

وبالعودة إلى مشروعية هذه الدعوات جميعها، من حيث إنها لا تأتي من فراغ، بل تعبّر عن أزمة حقيقية تتمثّل في غياب الطرف السوري، أو انعدام دوره الفعلي في تحديد مصير سورية، وكذلك تتمثّل في حالة العقم المزمن في كيانات المعارضة الرسمية، وعدم قدرتها على حيازة ثقة السوريين، الأمر الذي عزّز حالة من الشعور باليُتْم لدى العديد من السوريين، ولكن هذه المشروعية وما تلاها من جهود ومساعٍ، ما برحت تعمل وتنشط ضمن دوامة لم يهتد أحد حتى الآن إلى كيفية الخروج منها، إلى درجة بات فيها الجميع يفصح عن الهموم ذاتها، والجميع يتكلم باللغة النمطية ذاتها، حتى الوثائق والأوراق والبيانات التي تتراكم في أقنية الإعلام ووسائل التواصل والمواقع الإخبارية ومراكز الدراسات، باتت متشابهة إلى حدّ بعيد.

عديدةٌ هي العلائم الدالّة على عمق الأزمة، تلك الأزمة التي لا تقف حدودها عند قلّة الخبرة أو ندرة الكفاءات السياسية، ولم يكن سببها – أيضاً – غياب النوايا الجادة والإخلاص في العمل والرغبة في عملية التغيير، بقدر ما تعود إلى أزمة في عمق الوعي لدى النخب السياسية والثقافية السورية، التي مازالت تصرّ على مقاربة المُتَخيَّل الحداثي بجملة من الرواكم الباطنية التي تنتمي إلى قطّاع المعتقدات واليقينيات أكثر من انتمائها إلى حيّز الأفكار، ما يؤدي في النتيجة إلى فهم الواقع المحسوس بمنظار اليقين المسبق، ووفقاً لذلك، سوف تبقى نتائج أي مقاربة فكرية أو سياسية للراهن السوري، محكومة بآليات التفكير المنتجة لها، ولعلّ هذا ما يفسّر وصول العديد من المحاولات المشتركة لبعض القوى والتجمعات السورية إلى حالة من انسداد الأفق، والاصطدام بحائط لا يمكن اختراقه أو تجاوزه، بعد أن تكون قد قطعت شوطاً طويلاً في العمل المشترك.

لا تنفي هذه الدّالة على أزمة الوعي، دلائل أخرى موازية لها، لعلّ أبرزها الرفض الشديد الذي تبديه الكيانات الرسمية للمعارضة لأي عملية تجديد أو إصلاح من شأنها أن تفضي إلى بديل آخر يطيح بمصالح أصحاب النفوذ وامتيازاتهم، وكذلك أزمة الثقة بين معظم السوريين أنفسهم،والتي تحوّلت إلى حالة مرضية لا تستثني إلّا القليل، بل إن اهتزاز الثقة بات في أشدّ حالاته ضمن كيانات المعارضة ذاتها، وإلّا، بماذا نفسّر مشاركة عدد لا بأس به من أعضاء الائتلاف وهيئة التفاوض بلقاء ( سانت إيجيدو) في روما في نهاية أكتوبر 2018 ، وتوقيعهم على مبادرة سياسية لعلّها لا تبتعد كثيراً عن المبادرة الروسية التي تتبناها هيئة التفاوض والائتلاف معاً؟ أمّا القول بأن دعوة هؤلاء كانت بصفاتهم الشخصية وليس الاعتبارية، فهو نوع من السخرية التي تجسّد نزعة          انتفاعية تؤكّد الراهن المزري لواجهات المعارضة السورية.

نزوع السوريين – من جمهور الثورة – إلى إيجاد بدائل وطنية توازي الحدّ الأدنى من تضحياتهم، وتستجيب لتطلعاتهم نحو سورية المستقبل، سيبقى محكوماً بقدرتهم على تجاوز الوعي الذي راكمته عهود الاستبداد بشتى أشكاله، وسيبقى محكوماً في الآن ذاته بمدى قدرتهم على استيعاب الكشوفات المعرفية والثقافية الهائلة للثورة السورية.

ولئن كان ثمة عوامل موضوعية – لم يُشر إليها – حالت دون تحقيق المنجز السياسي المطلوب، فلا نعتقد أن ثمة ما يحول دون العمل على منجز معرفي، باعتباره الحامل المؤسِّس لعملية التغيير.

  • Social Links:

Leave a Reply